عالية محمد حسن
ان الطبيعة لاتقبل الواقع ولاتعرف سواه.اما الأمور الأجتماعية او السياسية اوالدينية المتعلقة بتصور الأنسان او احساسه او عواطفه ،فهي التي تتطرق الاوهام اليها وتتوارث وتنمو بتوالي الاجيال وتتسع حتى تصير قاعدة متبعةاو عادة شائعة . ذلك هو اصل العادات القومية ومصدر الاعتبارات الاجتماعية . وهذه العادات او الاعتبارات وان ظهرت لنا بمظهر الاوهام ،فأن بعضها مبني في اصل وضعه على اسباب حقيقية اقتضتها الاحوال التي جرت فيها اول مرة.والناس يتفاوتون في جنوحهم الى الحقيقة او الى الوهم ، ونرى الفرق ظاهرآ في الامم على الاجمال .فبعض الامم تتوجه عنايتها الى الحقائق اكثر مما تتوجه الى الاوهام . والبعض الاخر بالعكس.
ثم ان الامة الواحدة يختلف ميلها الى الحقائق او الاوهام بأختلاف احوالها من البداوة او الخضارة ، وبأختلاف درجات تمدنها . فالبدوي اقرب الى الحقيقة من الحضري. وهذا يزيد انغماسآ في الاوهام كلما اتسعت حضارته واركن الى الرخاء . واقرب الادلة على ذلك تقلب العرب واختلاف عاداتهم ومعاملاتهم بأختلاف احوالهم ،ويظهر ذلك واضحا في مخاطبتهم . كانوا في بداوتهم واوائل حضارتهم يقتصرون فيما يقولونه او يكتبوه على الحقيقة المجردة حتى في مخاطبة ملوكهم واقرائهم بلا تفهيم ولا تطويل .فكانوا يخاطبون الخليفة بأسمه او لقبه ثم يذكرون غرضهم بعبارة خالية من الحشو او التنميق.
وقس على ذلك كلام الخلفاء والامراء ومكتباتهم وخطبهم ،فأنك لاتجد لفظآ يمكن حذفه من الكتاب مع بقاء الغرض المراد منه .ثم صاروا كلما اتسعت حضارتهم ينمقون عبارتهم ويطولونها ويصدرونها اويذيلونها بألفاظ التفخيم ونعوت التبجيل مما لادخل له في الغرض الاصلي المراد من الرسالة .فهذه الالفاظ والنعوت الزائدة عن المراد نعدها من الاوهام ،وقد تزيد احيانا على الالفاظ الحقيقية أي اللازمة للتعبير عن المقصود على ان تلك الالفاظ الوهمية كان لبعضها او كلها في اصل وضعها غرض حقيقي ثم ذهب الغرض وبقي اللفظ بحكم العادة وميل الامة الى التفخيم على اثر ماأصابها من الذل بتوالي الظلم . فالنعوت الفارغة والالقاب المترادفة التي استخدمها العرب في مكاتباتهم وصلت قبيل هذه النهضة الى مايفوق المعقول .وربما كانت اكثر عددا واوسع استعمالا عند الفرس .وهي حيثما وجدت من اثار الزلفى وبقايا عصور الاستبداد .
ومن قبيل التمسك بالأوهام دون الحقائق في الحوال السياسية ان تكتفي بعض الدول بالسيادة الاسمية على بلد دون السيادة الفعلية .لكنها لاتفعله طبعآ الامرغمة. وقد اخترع اصحاب هذه التمدن الفاظآ سياسية على مراتب تلك السيادة وكذلك سائر احوال الاجتماع فأنها تكون في ابان شباب الدولة اقرب الى الحقيقة ثم تأخذ بلميل الى الاوهام دنت الدولة الى الشيخوخة .تلك قاعدة من قواعد الأجتماع يمكن التعويل عليها في الحكم على مراتب الامم في سلم العمران .فكل امة تغلبت فيها الاوهام على الحقائق او رايت اهتمامها بالظواهر اكثر من اهتمامها بالجواهر ،اعلم انها في دور الانحطاط فأذا رأيتها اخذت بالنزوع الى الحقائق ونبذ الاوهام اعلم انها في نهضة يرجى لها معها الفلاح . وهذا مابعثنا على التقدم الى كتابنا مرارآ في العدول على نعوت التفخيم في المخاطبات. كما فعل اهل اوربا لما افاقوا من غفلتهم واخذوا بأسباب مدينتهم الحديثة .وهذه العلة الانتقالية من الحقائق الى الاوهام متصلة بفطرة الانسان وميله الى الخيال ومايصوره له الوهم . فأن الحقيقة هي الاصل في كل حال من احوال الاجتماع ،ثم يتطرف الوهم اليها بالتدريج حتى يحل محلها . وعتبر ذلك بالاديان فأنها في اصل وضعها بسيطة مبنية على قضايا حقيقية، ثم تتدرج الى الوهام بما تقتضيه مطامع الرؤساء ،وهؤلاء لايتيسر لهم ذلك ألا لما يرونه من ميل العامة الى الأخذ بالأوهام والتعلق بأهداب الخيال .لاتكاد تجد دينآمن الاديان الكبرى الاهو قائم في اصله على عبادة اله واحد ،حتى الاديان الوثنية في التمدن القديم في مصر وفينيقية واشور وغيرها فأنها في الاصل توحيدية .وما زال الخيال ينوعها ويغيرها حتى صارت الى عبادة الاصنام العدة وتولدت فيها طقوس تتخللها خرافات لا يقبلها العقل.
ان المة تنهض بالصلاح ي كل شي يرجع الى الحقيقة وتجريدها مما غشيها من الاوهام بتوالي الاعوام. ويصدق ذلك على الاديان والعادات والمعاملات السياسية وعلى اللغة والانشاء وسائر المخاطبات والمعاملات .فأذا رأيت الامة انتبهت الى مايتخلل من سؤونهامن الاوهام واخذت في استئصالها او تمتيصها والتعويل على الحقيقة والتمسك بها، فأعلم انها في عهد النهوض . واذا رأيتها متشبثة بالتقاليد بلا تمحيص ولا تعديل .فأعلم انها ما تزال في حاجة الى الارشاد والسلام.