في التاريخ والسير عبر وعظات قد ضما في منثور قصصهما ؛ومنظوم حديثهما مافيه لكل سامع فائدة؛ولكل متأمل نفع على اختلاف طبقات الناس واطوارها .فأليك النفيس الثمين منها:
 التاريخ مصباح العقول
  عالية محمد حسن حسين حيدر

علم التاريخ من افظل العلوم النافعة التي يحتاج اليها البشر في حياته ولا تستغني عن معرفته امة من الامم ولا طائفة من الطوائف .علم يعرف به الأنسان انباء الماضين وقصص الغابرين ويحيط علما بانسابهم واخلاقهم وعاداتهم وصنائعهم وحروبهم وغير ذلك من الامور المتعلقة بأيام عمارتهم الأرض وتزاحمهم عليها ،وبهذا العلم يدرس الأنسان الحاظر نجاح من نجح من هؤلاء في الزمن الغابر في اعماله وفشل من كان نصيبه الفشل فيها؛ويعتبر في هذا العلم باخبار الأنبياء والفراعنة والحكماء والملوك والعلماء والأدباء والفرسان والشجعان وغيرهم ممن له ذكر خالد من الأبطال؛ولذلك اهتم كل امة من الأمم بهذا الفن منذ امد بعيد ودونت الطوائف البشرية على اختلافها مايمكن تدوينه من اخبار من وقفوا على اخباره ممن عاصرهم وممن كان قبلهم وشرحوا للعصور الماضية احوالا ولرجالها اعمالا ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا .
التاريخ يحيي القلوب وينور الأفكار ويهذب النفوس وينعش الأرواح ويربي رجالا صالحين واناسا عاملين يرغب في التحلي بحلية الكمال ويدعوا الى التزين بزينة الفضل .فلا بدع اذا سمي بمراة الأعصر الغابرة والحاظرة .ولا غرو ان دعي بمصباح العقول والأراء .
التاريخ خير مدرس لمن اراد التدريس واحسن معلم لمن طلب التعليم فأن من تأمل فيه وامعن النظر في صفحاته ونظر الى ماينشره من احوال من مضى ورأى ما يسجله للجماعات او الأفراد من الحسنات والسيئات ،لا شك ولاريب انه ينتبه من نوم الغفلة ويفيق من سكرة الجمود ويلتفت الى اكمال النواقص من نفسه ويأخذ في سيره بالطريق المستقيم ويتسابق مع غيره من اهل السعادة من عمل الخيرات والمبرات ليكون في مصاف الأبرار الذين مدحهم التاريخ على حسناتهم ويخرج من زمرة الفجار الذين ذمهم التاريخ على سيأتهم .صاحب التاريخ يتجول في اقطار ،ويتنقل في منازل،ومجالس الملوك والأبطال ويقابل الحكماء والفلاسفة كل ذلك في ان واحد .فبينما يرى نفسه مع كسرى في ايوانه واذا هو مع ابن معد يكرب في ميدانه وبينما يتلقى من ابقراط الخواص النباتية واذا هو في ركاب افلاطون يأخذ الحكمة الأشراقية فهو من الأواخر وكأنما عاش مع الأوائل ومن اللاحقين وكأنه احد افراد السابقين ولذلك قال من قال :
          ليس بأنسان ولا عاقل         من لايعي التاريخ في صدره
         ومن وعى اخبار من قبله       اضاف اعمارا الى عمره
ومن الكتاب المشهورلأمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام) (أي نبي اني وان لم اكن عمرت عمر من قبلي من كان قبلي فقد نظرت في اعمالهم وفكرت في اخبارهم وسرت في اثارهم حتى عدت كاحدهم بل كأني بما أنتهى اليمن امورهم قد عمرت مع اولهم الى اخرهم فعرفت صفو ذلك من لدره ،ونفعه من ضرره ،فأستخلصت لك من كل امر نخيله وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله).
 
انظر الى المجالس والمحاشد ترى الرحمة تترادف من الحاظرين اذا خطراسم من سجله التاريخ من الأخيار .واللعنة تترى منهم اذا ذكر من سجله من الاشرار .على ان كلا هذين الرجلين المذكورين قد قدم بهما عهد الزمان واكل الدهر على قبريهما وشرب ولم يبقى لهما اثر من الأثار على وجه الارض ولكن لم يغادر التاريخ ما كانت لهما من حسنات وسيئات .
           المرء بعد الموت احدوثه       يفنى وتبقى منه اثاره
          فأحسن الحالات حال أمرء      تطيب بعد الموت اخباره
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والكرام فالرجل كل الرجل من خلف لنفسه ذكرا جميلا يفوح شذا عطره بعد موته. ان الرجل الذي عدة التاريخ محسنا تفتخر به العشيرة التي تفرع منها بل البلد الذي نشأ فيه وينتسب اليه الناس بأدنى قرابة ويفتخر المفتخرون باثاره ويتشوق المتشوقون للاطلاع على اخباره ،ويحبه القريب والبعيد ويثني عليه الصديق والعدو فقيرا كان اوغنيا معسرا كان او موسرا ؛ملكا كان او رعية . بخلاف الذي سجله التاريخ مسيئا فأنه يتبرء منه حتى الأقربون اليه ويتنصل من الأنتساب له حتى اولاده واحفاده ويتستر قومه من اسمه ورسمه يرونه عارا عليهم ووصمة فيهم وان كان من الملوك والامراء او من ذوي الغنى والثروة ….أترى لو ان الججاج بن يوسف الثقفي او شمر بن ذي الجوشن خلفا ذرية معروفة في العالم هل كانت ذريتها اليوم ترضى بالأنتساب اليهما؟كلا. والف كلا. ولماذا لاتنتسب اليها الذرية والججاج كان اميرا وابن ذي الجوشن كان قائدا ؟لان التاريخ سجل اولهما من الظلمة الاشرار.وثانيهنا القاتل لسبط لرسول الله صلى الله عليه وسلم .اما سلمان وعمار والمقداد وغيرهم ممن شرفهم الدين الحنيف وان كانوا في الأصل من الموالي فأنهم يتسابق المتسابقون للتشرف بالأنتساب اليهم والأفتخار بسوابقهم وهذا امر ضروري لا يحتاج الى بيان ولا يفتقر الى برهان.
     كن محسنا مهما استطعت فهذه         الدنيا وان طالت قصير عمرها
     ان الماثر في الورى ذرية              يفنى مؤثرها ويبقى ذكرها
التاريخ يدون اعمال البشر ويعطي كل ذي حق منهم حقه ولكنه ينقرض بأنقراض الدنيا ويموت وتموت كتبه والاعظم منه .ومما يسجله هوكتاب الملكين اللذين يكتبان اعمال الانسان من لدن عزيز خبير وهما المعنيان في قوله تعالى (مايلفظ من قول الالديه رقيب عتيد )أي رقيب يرقب عمله عتيد حاظر معه ،كاتب الحسنات عن يمينه وكاتب السيئات عن يساره وهما يكتبان مايعمله طول حياته حتى اذا كان يوم القيامة (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلنا ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة الااحصاها ووجدوا ماعملوا خاطرا ولايظلم ربك احد)فويل حينئذ لمن زادت سيئاته على حسناته وطوبى لمن رجحت حسناته على سيئاته

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter