شخصيات برزت في التاريخ التركماني

عباس احمد

 

 

إن رحم الشعب التركماني النبيل كانت دوما حبلى بالأفذاذ في صفوف العلم والمعرفة ورفدت المسرح العراقي العام بالشخصيات البارزة من العسكريين والعلماء والأطباء والمهندسين والشعراء والأدباء والفنانين والرياضيين وغيرهم , ومن بين هؤلاء سنعرج على بعض الأسماء محاولين في صفحات قادمة الإشارة الى اكبر عدد ممكن من هذه الشخصيات

 

العلامة الشيخ ملا حقي

 

هو العالم الفاضل المتخلق بالكرامة والمحلى بالعلم والفضل الشيخ الملا حقي علي غني 

ولد سنة 1932م في محلة المصلى بكركوك, ولما بلغ عهد الصبا لم يستطع اللحاق بالمدرسة بسبب سوء حالته المادية. وكان والده يملك محلا للحلاقة في السوق الكبير وكان يعمل أحيانا عامل بناء لكي يستطيع إعالة عائلته وأولاده يعملون أيضا لمساعدة والدهم 

وفي السادسة عشرة من عمره بدأ بختم القرآن الكريم

وفي سنة 1949م انتقل الى بغداد وبدأ بدراسة فنون القراءات وأصول التجويد, وبدأ بحفظ القرآن الكريم عن المقرئ الحافظ الشيخ ياسين في جامع المرادية. ولكنه استمر بالعمل لكسب رزقه.ثم درس قواعد التلاوة وعلم التجويد وفنون القراءات السبع وحفظ القرآن الكريم  سنة 1954م, على العلامة الشيخ عبد القادر الخطيب إمام وخطيب ومدرس جامع الإمام الأعظم ونال منه الاجازة 

بعد نيله الأجازة عاد الى كركوك وراجع حفظ القرآن الكريم مرتين على الحافظ ملا حسون سنة 1955م

ودرس علم الحديث على العالم الشيخ الملا حسيب محمود الحكيم وللشيخ حقي صوت رخيم ونبرة خاصة وعذوبة تثير في النفس الخشوع

درس الفقه وعلم الحديث على الشيخ محمد سه رسيبى ثم درس أصول التلاوة والفقه عند الشيخ الملا مجيد عريان في جامع النعمان ودرس العلوم العقلية والنقلية على العلامة الكبير الشيخ عبد المجيد القطب ونال منه الاجازة العلمية 

عين خطيبا في جامع الملا عثمان وإماما في مسجد عمر قيرفدار, ثم إماما في جامع الحاج قادر عللو ثم إماما في جامع بولاق في محلة جقور

وفي سنة 1960م نقل الى جامع الحاج إبراهيم بك التكريتي إماما وخطيبا. وفي سنة 1966م نقل الى جامع كركوك الكبير إماما وخطيبا. وفي سنة 1980نقل الى جامع اليرموك إماما وخطيبا حتى سنة 1997م حيث أحيل على التقاعد

كان الشيخ حقي يدرس قواعد التلاوة والتجويد في المدرسة الدينية ويدرس في الجامع فنون القراءات والتجويد وحفظ القرآن الكريم. وقد تخرج على يديه عدد غير قليل من طلاب العلم

اختير العلامة الشيخ حقي عضوا في المجلس العلمي التابع للأوقاف وعضوا في مجلس الفتوى في مدينة كركوك.

 كان مجلسه عامرا بالضيوف والعلماء وبرجالات المدينة والعامة ولم يكن يبخل على محبيه ومن مختلف الأجناس والطبقات

عند افتتاح جامع النور الكبير في كركوك بتاريخ17/12/1998 قام إماما وخطيبا بتكليف من مشيد الجامع رفيق شفيق وحتى سنة 2000م وفي منتصف سنة 2003م كلف بالإمامة والخطابة في جامع طارق بن زياد من قبل مشيد الجامع الحاج طارق الصراف وأخيرا لضعف بصره ولشيخوخته اقتصر على عضوية مجلس الفتوى

كان الشيخ حقي من محدثي إذاعة الجمهورية العراقية القسم التركماني, ومن محدثي تلفزيون كركوك القسم التركماني منذ افتتاحه سنة 1967. وقد أعقب خمسة أولاد.

في عصر يوم الجمعة الموافق 30/12/2005 أقام إدارة ثانوية النعمان بن ثابت الإسلامية بالتعاون مع علماء كركوك وأساتذة المدارس الإسلامية حفلا تكريميا للعلامة الشيخ حقي في قاعة جامع طارق بن زياد لجهوده المباركة ودوره الكبير في خدمة العلم والعلماء في كركوك وأشاد بجهوده في كلماتهم العلماء:-

الشيخ السيد طارق شكري النقيب/مدير ثانوية النعمان بن ثابت الإسلامية وإمام وخطيب جامع العدل     

الشيخ هاشم محمد عبد الله إمام وخطيب جامع الفر هاد (نقشلى مناره) 

الشيخ جمال كمال كوبرلو/ إمام وخطيب جامع ملا الياس

الشيخ أحمد خورشيد/ إمام مسجد الفاروق وخطيب جامع النهروان

والعلامة الشيخ حقي خطيب بارع وعالم قدير وواعظ ممتاز له إلمام تام بأمور الدين والشريعة, وهو ذو أخلاق محمودة وسمعة طيبة، حلو الحديث، كريم النفس، حريص على خدمة الإسلام أطال الله في عمره

 

 

هجري دهَ دَه

 

شاعر التركمان محمود هجري ابن الملا علي بن نظيري دده ابن قيصر ، عرف باسم هجري ده ده ، ويمت بصلة قرابة الى رسول حاوي الماهوني الكركوكلي صاحب كتاب دوحة الوزراء المتوفي سنة 1827.

ولد هجري دده في كركوك سنة 1881 ، وتوفي ابوه ولم يبلغ الرابعة من عمره . ونشأ في اسرته التي لها زعامة روحية بين الكاكائية الغلاة وتحتفظ بالتاج والخرقة الحرير والحزام وغيرها من الاثار التي يرجع عمرها الى زمن السلطان سليمان القانوني ، على ما ذكره عباس العزاوي في كتابه ” الكاكائية في التاريخ 1947 “.

قرض هجري دده الشعر باللغتين التركية والفارسية ، نشر رباعيته التي بارى بها الخيام في جريدة ” كركوك ” الرسمية.

 ومن مؤلفاته : ارشادات كائنات ( 1923 ) يادكار هجري (بالتركية والفارسية طبع سنة 1911 ) تاريخ كركوك ، رباعيات ، ترجيع بند ، جانلي اثر ، ترجمة كلستان سعدي الى التركية ، تحفة سليماني ( بالفارسية 1935 ) الخ.

عين هجري دده مدرساً في المدرسة في كركوك قبيل الحرب العظمى الأولى ، لكن المدرسة أغلقت عند نشوب الحرب ، وكان بعد ذلك ملتزماً لكيل الحبوب فمعلماً بمدرسة القلعة  وعهد اليه سنة 1927 بإدارة جريدة ” كركوك ” ، ثم عين مفتشاً صحياً في دائرة البلدية ( 1928 ).

وتوفي في مسقط رأسه في خريف 1952 . وقد وفاه حقه وحيد الدين بهاء الدين في كتابه ” من ادب التركمان ” ( 1962 )، فقال انه كان في عصره شاعراً من الطراز الأول ، وكان له صولات وجولات في مجالات التاريخ والفكر والثقافة العامة وكان يتقن ثلاث لغات هي التركمانية والفارسية والكردية . وقد اتسم شعره بالقوة والرقة ، واتشح بالإشراق والأصالة والجمال دون العمق … وامتاز بالمدح والهجاء وبعد ذلك بالوصف والغزل.

وذكره إبراهيم الداقوقي في كتابه ” فنون الأدب الشعبي التركماني ” ( 1962 ) ، فقال ” هجري دده  … أعظم شعراء التركمان بعد فضولي البغدادي لأنه ، وان يكن تحت تأثير هذا الأدب ، الا انه تمكن ان يؤسس مدرسة قائمة بذاتها ، تلك المدرسة التي وفقت بين اسس ادب الديوان وبين الواقعية الحديثة ، حيث كسا اراءه  كسوة قشيبة وعبر عن لسان القوم ( التركمان ) بلهجة العصر . ويتسم شعره بجزالة اللفظ وسلاسة الأسلوب وقوة الحبكة ، كما يتصف بالسمة الإنسانية وسمة الحب التي يتصف فيها الشعر الصوفي “.

وخير من كتب عن الشاعر هجري دده عباس العزاوي الذي صادقه واحبه ، قال” وهجري دده أديب كامل ممتاز في شعره … وشعره مشهور في الفارسية والتركية … تغلب عليه مسحة تصوف الغلاة أمثال الحلاج ونسيمي وفضل الله الحروفي وبكتاش ولي وابدال وويراني واضرابهم . نراه يرمي الى ما يرمون اليه ، ونشاهد الوحدة والاتحاد والحلول والجذبة والوله باديات في رباعيته او ترمز اليها ، كما ان محفوظاته تفصح عن توغله في امرها ، وفيها البيان الكافي “.

وقال العزاوي بعد ذلك : ” هجري دده لا ينكر فضله ولا يبخس شعره ، صديقي أود مجالسته واعدها من خير أيام الانتعاش . يحلو حديثه ، طروب أديب ، وفي معاشرته نشاط الحياة وقوة فيضها …ورباعيته ( إرشادات كائنات ) متأثرة بالأدب الفارسي والتركي ومشبعة بهما ، لا من الوجهة الأدبية بل من ناحية الابطان وأهله ، وهو من رجاله البارزين اليوم ومن شعرائه العارفين . نرى أديبنا تقمص ثوباً خيامياُ في الانهماك بالخمرة وعدم المبالاة بالشرائع ، داعياً الى الاستقامة والصفاء دون التفات الى المفروضات والعبادات ، كان هذه تنافي تلك ، او ان إصلاح الباطن لا يأتلف ومراعة الظاهر … “.

ومن شعر هجري دده قصيدته ” كركوك في التاريخ ” ترجمها وحيد الدين بهاء الدين في كتابه ” من أدب التركمان ” قال :-

” كركوك هذه التي تعرضت لآلاف البلايا ،

كركوك هذه التي داهمتها الأوبئة والطاعون ،

كركوك هذه التي ذاقت من الجفاء ألوانا ،

كركوك هذه التي تقلبت على الأفراح والأتراح … “

ويمضي الشاعر في وصف مواكب الدهر في بلدة النفط فيذكر أشور والاسكندر والعباسيين والسلاجقة والعثمانيين من سليمان القانوني والسلطان مراد الى نادر شاه وسائر الملوك والقادة والفاتحين الذين شهدت مرورهم كركوك

 

المصدر كتاب أعلام التركمان – تأليف مير بصري – الطبعة الأولى 1997 عن دار الوراق للنشر – لندن

Facebook
Twitter