ساعة لك وثلاث عليكعلي السوداني

وهذه ليلةٌ طيبةٌ انفتح بابها الرحيم مثل جدار حوائج يعطي بغير حساب ولا منّة. خلطة من أدباء ومشغولي فنون جميلة، وغاوين منبهرين بالنصّ البديع قبل أن يروا صانعَهُ القلق.

دار أُم سونيا قائمةٌ مهيبة مثل مملكة سومرية، فوق مسفحة فرخ جبل، ومن خاصرتها سيكون بمقدورك قنص منظر عرائش العنب الوفير وأشجار اللوز والزيتون والمشمش وثاني شهقات موسم الياسمين.

أُم سونيا امرأة هائلة ووجهها الضخم مصنوعٌ من ضحة تكاد تكون متصلة، مع إشهار مميز لصفّي أسنان بدتْ أنها لا تنتهي بطاحونة العقل الراكز. كان نبيذ الليلة أحمرَ منطفئا ببعض عتمةٍ، وقد أكلت الأمّ السمينة نصفَ زمان السهرة، وهي تقصّ علينا بهجتها وغناءها مع الجمع، آناء قطف العنب ومن ثمّ هرسه وتصفيته وتعتيقه وتخميره ودفنه بظلمة قبو نازلٍ تحت القصر.

كان كلّ شيء يخرج الليلة من ضرع الطبيعة الرحيمة. منقل شواءٍ كبير يتعطر بطقطقة حطب التوت، وثمة قدور فخارية أخرجها عمّال العونة الأشداء من حفرٍ، وأنزلوا حمولتها بصوانٍ فصارت العينُ تأكل واليد تتمنّع. طلبْنا من القوم رفعَ الكؤوس بصحة بغداد العليلة، فارتفع الرنين الشريف وتيبّستْ دمعة مؤجلة.

مازالت أم سونيا الحلوة تتحرك بخفّةٍ لافتة، ومشية البطة لم تثلم من هيبتها وحضورها المرح وصبرها الجميل، وهي تنصتُ مبتسمةً لقصيدةٍ سخيفةٍ تلاها وقوفاً، شاعرٌ مفترسٌ صوته يخرج من خشمهِ، وبدا أنه لن يتوقف حتى لو رنَّ هاتفهُ الذكيّ على نبأ موت نصف العشيرة.

أنفاس أم سونيا العاطرة كانت تركتْ سحرها على المواعين والكؤوس، لكنّ هذا لم يمنعْها من الدندنة الخفيفة التي ستنتج تالياً، مقامَ دشتٍ عظيمٍ مزيّنٍ بعيطة التحدّي وبسْتة الراحة، مع غموض مخجل لعازف الكمان الذي قمعتْهُ الملكة القوية، لأنه تاهَ بين سلّم الدشت وقوة كأس العرق الأبيض الغدّار.

الياسمين يتنفس والساعات دولٌ، فواحدة نهزُّ فيها الرقاب مكرهين موافقين على ثرثرة سائس، وثانية ننظف فيها آذاننا وقلوبنا بقوة وعذوبة صوت أم سونيا المذهلة، في الثالثة تكرر علينا الأميرة المبجلة ما كانت قالته بفاتحة المائدة، حول العنب الخليليّ المدعبل، وطراوة لحم الخروف الهرفيّ المدلَّل، وفرض غسل وتفريش الأسنان قبل نوم الغطيط والعوافي.

 

Facebook
Twitter