يا جماعة مشكلة علي السوداني

لا يوجد إعلام مستقلّ حتى في غرب الأرض المتقدّم . ألمسألة ليست مطلقة ، بل هي تأخذ منحى النسبية . هذا ما أثبتتهُ وأرشفتْهُ وبرهنتْهُ السنوات العشرون البائدات .
تلفزيونات فضائية وأرضية وجرائد ومجلات وإذاعات تتناسل وتتوالد ، يشتهي مالكوها أن يرسموا على هامتها المعلنة ، جملةً لطيفة مريحةً تسرّ الناظرين والقارئين والمنصتين وتطمئنّ لها أفئدتهم وهي أنّ وسيلتكم هذه التي ترون وتقرئون ، هي وسيلة إعلامية غير منحازة ، فإن انحازتْ فللفقراء والمظلومين والمحرومين ، والحقّ الذي عشّاقهُ قليلون وطريقهُ موحشةٌ ، وأهله لا يلتفتون إلى لومة لائم ولا حتى لائمة حلوة . كلام جميل لكنه غير صحيح ، أو هو من الصنف الذي يخطف عقلنا وذاكرتنا صوب جمعٍ من دولٍ ، لا أدري إن كانت ما زالت مسجلة على ذمة الحياة ، وإسمها اللامع هو دول عدم الإنحياز . هذه الدول غير المتجانسة بل والمتقاتلة أحياناً ، كانت تلتئم بمؤتمرات ضخمة ، وتصرف أطناناً من اللغة تحت يافطة معتنى بها تقول وتدعو وتعتقد باللا إنحياز ، وهي في واقع الأمر والتصرف ، إنما تنقسم إلى قسمين متضاددين ، واحد يتبع الإتحاد السوفيتي الراحل ومنظومته الإشتراكية ، والثاني يتبع أمريكا والغرب الرأسمالي ومن تبعهما إلى عتبة الدولار .
ألمصطلحات تتبدل وتنتشر وتبث حسب احتياجات السوق . ألبارحة طالبان والقاعدة واليوم داعش وأخواتها بالرضاعة ، وربما غداً الحوثي وبوكو حرام . حتى دماء الناس وهدر كراماتهم ، صارت لها صيغ لغوية تتبع مزاج ومزاد الدكان الإعلامي الذي لا يريد لدنانيره أن تجفَّ وضروعه أن تنشف . سيارة جبانة تنفجر ، فتقتل واحداً وتجرح تسعة . وسيلة إعلامية تحرر الخبر فتتحدث عن مقتل وجرح عشرة ، ووسيلة أخرى بحال المانشيت ، تكتب عن مقتل واحد وفي التفاصيل المهملة تذكر عدد الجرحى ، في محاولة نفسية غير إنسانية لنفخ الخبر وتعظيم المصاب في الأولى ، أو لتقليل وقع النبأ على المتلقي من خلال ترقيم الميت وإهمال الجريح في الثانية .
ألمحللون السياسيون وهذه مهنة رائجة ومربحة الآن ، جلّهم منحازون لهوى الوسيلة التي يشتغلون فيها ، أو لهواهم الشخصيّ الذي تستدعي الضرورة إخفاءه تحت قناع الوجه .
بين سنة وسنتين ، تشاهد الناس وتقرأ وتسمع عن التئام حشد من النقابات ووسائل الإعلام التي ستركز هذه المرة على مصطلحات وكلمات وخطب فضفاضة عنوانها ، المهنية أو ميثاق شرف الكلمة . في الواقع ليس ثمة شيء من هذه التوصيفات ، بل هي في أزيدها أقرب إلى الدكان والبيع والشراء منه إلى المهنية والشرف وصوت الحقّ والإنسان .
وسائط الدعاية والإعلام والإشهار القائمة على سنواتنا ، هي ليست ذكية وعبقرية . قد تبدو كذلك فقط بسببٍ من أنّ الناس الآن في بلادنا المريضة مخدّرون ، وأسهم الذكاء والرؤية في رؤوسهم وصدورهم ، قد هوتْ صوب قيعانها البعيدة . مشكلة كبرى .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter