واشنطن بوست الاميركية تتساءل: قوات مكافحة الارهاب قوات نظامية أم ميليشيا؟

 

لعدة مرات خلال الأسبوع، يخرج عناصر القوات الخاصة العراقية والأميركية ليلاً على متن مركبات الهامفي أو مروحيات البلاك هوك من أجل القبض على المتشددين في أكثر مناطق العراق اضطراباً. وبعد سنوات من التدريب مع نظرائهم الأميركيين، أصبح أفراد القوات العراقية بزيهم الأسود، هم من يقود العمليات، فيقومون بمداهمة البيوت واعتقال المشتبه بهم، بينما يكتفي المستشارون الأميركيون بمراقبة المهمة.وتتوفر الولايات المتحدة على قوات خاصة بمحاربة الإرهاب على الميدان هنا، ويظل عملها يمثل أولوية حتى في وقت يتراجع فيه عدد القوات الأميركية المقاتلة في أفق انسحابها الكامل بنهاية العام الجاري. لكن مدربي العمليات الخاصة الأميركية هنا يقولون إن مهمتهم قد انتهت تقريباً، في وقت يستعد فيه أفراد قوات العمليات الخاصة العراقية البالغ عددهم 4100 عنصر، والذين تم تدريبهم وتجهيزهم من قبل الولايات المتحدة، للعب دور السد والحاجز في وجه المتمردين.وبحسب توماس اردبرينك المحلل السياسي في الواشنطن بوست، فأن القيادة المباشرة لرئيس الوزراء نوري المالكي لقوات النخبة ولّدت مخاوف لدى بعض الأحزاب والفصائل العراقية من أن تتحول قوات النخبة الخاصة بمكافحة الارهاب إلى ميليشيا خاصة. لكن رئيس الوزراء نوري المالكي نفى أن تكون لديه قوة أمنية خارج تسلسل القيادة النظامية وقال لا توجد بواعث تخوفات من تدخل رئيس الوزراء، فيما تدفع الولايات المتحدة باتجاه وضع القوة تحت تسلسل قيادة تقليدي يكون خاضعا لإشراف وزير الدفاع.ويروي اردبرينك، تفاصيل عملية عسكرية نفذتها مؤخراً وحدة من قوات النخبة في الموصل، التي تعد إحدى المناطق الرئيسية لعمليات محاربة الإرهاب في العراق، بالقول: كان العقيد فرهاد حاجي عمر، وهو كردي عراقي، يقود الكتيبة المحلية السابعة التي يوجد مقرها بمعسكر ماريز الأميركي، مركزاً على العملية التي ستنفذ في وقت لاحق من تلك الليلة. فرهاد الذي يرتدي البذلة السوداء التي تُعرف بها وحدته، استعمل عرض الـ”باور بوينت” وقلم ليزر أحمر لتقديم إيجاز للرجال الـ43 وتسعة مدربين أميركيين، حيث أظهر صوراً جوية لحي في مدينة تلعفر حيث كانوا يخططون لاعتقال رجل يشتبه في قيامه بتجهيز سيارات وعبوات ناسفة تزرع على حافة الطريق. وكانت أسابيع من العمليات الاستخباراتية قد أكدت أن الرجل يختبئ، مع شقيقيه هناك، في منزل آمن على أطراف المدينة.يقول المستشار الأميركي للقوات الخاصة: “في البداية، قمنا بالتخطيط وتحديد الأهداف… والآن سنقوم فقط بتقديم النصائح بعد انتهاء المهمة”. وأحيانا، يقوم الأميركيون بأكثر من ذلك، حيث يقدمون المساعدة الاستخباراتية قبل العمليات وأثناءها؛ كما يستعملون أسلحتهم، إذا دعت الحاجة لذلك، من أجل الدفاع عن النفس. وقد أمضى هذا الضابط الأميركي أربع نوبات في تدريب نظرائه العراقيين، ومع دنو موعد نهاية نوبته الحالية في البلاد، قال إن مهمته انتهت تقريبا. وقال هذا المستشار، الذي لم يتم الكشف عن هويته، على غرار هويات عملاء آخرين في القوات الخاصة الأميركية، وذلك لأسباب أمنية: “لقد أصبح هؤلاء الشباب قادرين على تنفيذ العمليات بأنفسهم”.ويتابع توماس إردبرينك روايته: جلس فهد خلف مدفع في السيارة الهامفي العراقية الموجودة في المقدمة، بينما قامت مجموعة مكونة من تسع سيارات تدخل إلى الشوارع المهجورة داخل الموصل، والتي تعد ثاني أكبر مدينة في العراق، في سكون الليل. ونزولا عند رغبته، ارتدى الأميركيون الملابس السوداء نفسها التي يرتديها رجاله، بحيث لا يعتقد المشتبه فيهم أن الولايات المتحدة هي التي كانت تقود العملية العسكرية. وكانت المركبات الثلاث التي أقلت الجنود الأميركيين مطلية بدهان التمويه نفسه الذي استخدمه الجيش العراقي. وعلى الرغم من دورهم الثانوي، فإن الأميركيين كانوا مسلحين بالكامل. وقال أحد الضباط: “إننا سنظل في الخلفية، لكننا سنستخدم قوة السلاح المميتة، إذا اقتضى الأمر”.ومن خلال قيامهم بالضغط على شاشة مسطحة والتواصل مع هؤلاء الذين يتحكمون في طائرات استطلاع من دون طيار محلقة في عنان السماء، ركز الجنود الأميركيون على الأضواء الخلفية الخافتة المنبعثة من سيارة فرهاد بينما كانوا متجهين سريعا صوب مدينة تلعفر، متفادين الحفر والكلاب الضالة.وأشار ضابط استخبارات بالقوات الخاصة الأميركية إلى أن العراقيين “لا يتجهون إلى هناك فقط للقبض على الرجل”. وذكر أن المشتبه بهم يجب أن تقرأ عليهم أولا مذكرة خاصة باعتقالهم كتبها قاض في بغداد. وبعد إلقاء القبض على أحد المشتبه فيهم، يجب أن يؤكد المصدر الذي أمد بمعلومات عن مكان المشتبه فيه أنه قد تم إلقاء القبض على الشخص المطلوب.وباستخدام أجهزة الرؤية الليلية التي تزود بها الولايات المتحدة، تدفقت أعداد هائلة من القوات الخاصة العراقية في هدوء إلى منزل متهالك مكون من طابق واحد بالقرب من مدينة تلعفر. وبعد ثوان، جثا رجل على ركبتيه عند الباب واضعًا يديه خلف ظهره. وقام أحد معاوني فرهاد بقراءة أمر حقوقه ومذكرة الاعتقال له. وأومأ الجنود الأميركيون، الذين لا يمكن التعرف عليهم سوى من خلال علم أميركي صغير بزيهم الرسمي عند الأكتاف، تعبيرا عن رضاهم. وبمجرد أن أكد الرجل على وجود أحد أخويه المطلوب القبض عليهما في منطقة مجاورة، اتخذ فرهاد قرارا سريعا بالإتيان به هو الآخر، وعن طريق الهاتف، ضمن الحصول على مذكرة اعتقال.وعندما لم يفتح الباب الحديدي المؤدي إلى منزل الأخ بعد عدة ركلات، استخدم الجنود العراقيون مدقا معدنيا لكسره. وبمجرد دخولهم، قاموا بالقبض على المشتبه فيه، وسط بكاء زوجته وأطفاله، حيث قام فريق تصوير تابع للقوات الخاصة العراقية بالتقاط صور للعملية بأكملها، لجمع أدلة مضادة لأي اتهامات بإساءة المعاملة. وقد ذكر أن أخا ثالثا توجد مزاعم بأنه قام بتمويل الخلية الإرهابية ، مختبئ في الموصل. وقال فرهاد: “سنمسك به غدا”.غير أن قوات العمليات الخاصة العراقية تثير بعض الجدل؛ حيث أكد تقرير لمكتب المفتش العام الأميركي لإعادة الإعمار في العراق، في تشرين الاول/أكتوبر الماضي، القلق المتزايد بشأن الإشراف الضعيف على القوات الخاصة، التي تقسم إلى كتيبتين، واحدة في بغداد والأخرى مقسمة إلى وحدات عبر البلاد. واللافت هنا أيضا أن الحكومة العراقية لا تستثمر في الوحدات التي أنشئت باستعمال 237 مليون دولار من المساعدات الأميركية.وعلاوة على ذلك، قالت منظمة “هيومان رايتس ووتش” في شباط الماضي إن قوات من النخبة التي توجد تحت إشراف المالكي تدير مواقع اعتقال سرية في بغداد حيث يعامَل السجناء معاملة سيئة. كما يشتبه بعض نشطاء حقوق الإنسان في العاصمة العراقية في أن تكون الكتيبة الخاصة ببغداد قد لعبت دوراً في القمع العنيف أواخر الشهر الماضي لمشاركين في مظاهرات مطالبة بالإصلاحات هناك.غير أن الفريق الذي يقود الكتيبتين يرى أن القلق الأميركي بشأن إشراف رئيس الوزراء على القوات الخاصة في البلاد ينطوي على بعض النفاق، حيث يقول طالب الكناني: “في الولايات المتحدة، يُعد أعلى مسؤول سياسي القائدَ الأعلى للقوات المسلحة، فلماذا يرفض ذلك في العراق؟”. وفي هذا السياق، أشار الكناني إلى تدخل قواته خلال عملية اختطاف في تشرين الاول الماضي لعشرات المسيحيين العراقيين في إحدى كنائس بغداد كدليل على أن جنوده يعملون لخير ومصلحة بلدهم وعلى أنهم قادرون على تولي المهمة إذ قال: “إننا لم ننتظر الأميركيين عندما رأينا أولئك الإرهابيين ينفذون مخططاتهم”. ورغم أن عدداً من الناس قد قُتلوا في العملية، إلا أن عملاء القوات الخاصة العراقية الذين دخلوا الكنيسة تمكنوا من قتل المهاجمين الذين كانوا يرتدون أحزمة ناسفة.وقال أيضاً وهو يحتسي الشاي في مكتبه: “لو انتظرنا فترة أطول، لكان جميع الرهائن قد ماتوا ولكانت الكنيسة قد دمرت برمتها”. ويوافق أعلى مستشار أميركي للقوات الخاصة العراقية مرتبة، على أن عملية احتجاز الرهائن كان يمكن أن تتحول إلى “كارثة حقيقية” لو أن القوات الخاصة العراقية لم تتدخل بسرعة، مضيفا أن قوة النخبة بلغت مستويات احترافية وأن أي أسئلة حول الإشراف القانوني عليها تتعدى نطاق اختصاصه. وأردف يقول: “إن هؤلاء الناس غير مستعدين لتنفيذ أي شيء يطلبه منهم رئيس الوزراء المالكي “، مضيفا إنهم مقاتلون ممتازون و”في نهاية المطاف، فإن المسؤولين العراقيين هم الذين يعود إليهم أمر وضع الإطار القانوني لقواتهم. فذلك خارج عن سيطرتنا!”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter