هل الإسلام في أزمة أم الأزمة في الإسلام؟ —- الحلقة الاولىعبد الحق العاني

لو أن قوماً من أحد الأرضين السبع حطوا في كوكبنا غدا ولم يكونوا قد سمعوا بأي من الأديان عندنا…. ثم تعرفوا فيما تعرفوا عليه على الأديان وسمعوا بابا النصارى يتحدث عن الرب المحب والرحيم وسمعوا الزعيم البوذي “الدلاي لاما” يتحدث عن حرمة قتل النفس الحيوانية ثم سمعوا “القرضاوي” يحث الناس على قتل الآخرين بحجة أن ربه أمره بذلك، فهل يا ترى سيتخذ اياً منهم هذا الإسلام دينا؟
وأكاد أسمع أكثر من قعقعة وهمهمة تدور كلها حول القول بأن هذا ليس هو الإسلام الصحيح…لكنه لا يكفي الإدعاء بأن هذا ليس الإسلام الصحيح دون أن يقول لنا القائل ما هو الإسلام الصحيح إذن.
ذلك لأن المسلمين يعيشون في عالم متعدد الأعراق واللغات والأديان كما شاء تعالى أن يجعله على ما هو عليه من هذا الإختلاف حين شاء “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” ، “وإختلاف ألسنتكم وألوانكم” . أي إن العالم لم يكن ولن يكون يوماً على دين واحد أو لغة واحدة لأنه شاء كذلك ولعلة ليس هذا مجال البحث فيها. وليس للمسلم أن يحاول أن يتجاوز هذه الحقيقة بالقول إن تكليفه هو أن يحول العالم للإسلام لأنه تعالى شاء ألا يكون الأمر كذلك. إن الإقرار بهذه الحقيقة يقود إلى القبول بأن العالم الذي نعيش فيه يتوقع منا أن نقدم تفسيراً مقبولاً لسلوكنا سواء أكان ذلك فيما بيننا أو في تعاملنا مع الغير. والإحتجاج بان ما نفعله يتم بأمر إلهي ليس حجة لنا بل هو حجة علينا إذا لم نستطع أن نكون عقلانيين في التفسير والتسويغ.
فكيف يمكن لأي مسلم أن يرد على تساؤل غير المسلم اليوم عن علة ما يجري من قتل وخراب وتدمير في العالم الإسلامي وعلى أيدي المسلمين أنفسهم؟ هذا إذا افترضنا أنه غير مطالب بأن يشرح هذا الأمر للمسلمين أنفسهم لأنهم ربما رضوا به واقعاً حقيقياً للإسلام.
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للغير سبب قدوم الشيشاني أو الأفغاني أو اليمني أو حتى البريطاني المولد إلى حلب لكي يقتل أناساً لم يسبق له أن عرفهم أو أن اساؤوا له؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للغير سر هذا الحقد، الذي لا يمكن حتى وصفه بالوحشية لأنه لا يوجد وحش على سطح الأرض يفعله، هذا الحقد الذي يدفع إنسانا أن يبقر بطن آخر ويخرج أحشاءه وهو يدعي أنه يصلي خمسة أوقات للرب نفسه الذي أخبره عن خسارة إبن أدم حين لم يحسن دفن أخيه!
وكيف يمكن للمسلم أن يفسر للغير كيف يقتدي آلاف آلاف المسلمين برجال يدعونهم للقتل والإغتصاب وذبح الأطفال بحجة أن هذا أمر الله؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم من هو هذا الرب الذي خلق الناس وفرقهم ثم طلب منهم أن يقتلوا بعضهم بعضاً؟ ألا يغدو هذا الرب عابثاً إن كانت تلك مشيئته حقا؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم أو للتأريخ حسب سبب أن يقوم آلاف من الناس بإرسال المال لقوم لا يعرفونهم من أجل أن يقتلوا آخرين لا يعرفونهم أيضاً ولا يرسلون بعض ذلك المال لآلاف آلاف الجياع من أهل الأرض؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للناس علة هذا التخلف الخيالي لعموم المسلمين فألف ألف ألف منهم لا ينتجون شيئا وخمسة ألف ألف فنلندي أعطوهم الهاتف النقال الذي يقضون معظم وقتهم في تافه الحديث عبره، رغم أن فنلندة لم تكن يوما دولة حتى الحرب العالمية الأولى بينما يتحدث المسلمون عن دولهم التي احتلت العالم قبل ألف عام؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للأفريقي (والذي خرج للدنيا قبل أقل من قرن) سبب أن العالم الإسلامي هو المكان الوحيد في العالم الذي ما زالت فيه حكومات مستبدة تحكم بنظرية الحق الإلهي التي رفضتها البشرية حيث يقوم بعض الأعراب بالتحكم بأموال وأنفس وحقوق وحريات آلاف الآلاف من المسلمين؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم سبب أنه رغم أن الأسلام منح المرأة قبل أكثر من ألف عام إستقلالها الإقتصادي في حق الإرث فإنها وبشكل مطرد تصبح اليوم سلعة وأسيرة، فما حدث لها في العراق خلال العقد المنصرم من حكم “اللطامة” و”الصحوة” و “البشمركة” و”اللصوص” شاهد على ذلك؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للباحث غير المسلم سبب أن رئيس الأركان الأمريكي يستطيع في اي وقت أن يزور أية دولة إسلامية (باستثناء إثنتين) دون دعوة رسمية أو ترتيب مسبق خلافاً لكل أعراف العلاقات الدولية ثم يجتمع برئيس تلك الدولة سواء أكان ملكاً (مثل عبد الله سعود) أو رئيس جمهورية (مثل ميشال سليمان) أو شيخ محمية نفط (مثل حاكم قطر) بينما لا يستطيع رئيس أركان اية دولة إسلامية أن يزور واشنطن إلا بدعوة رسمية مسبقة ولا يلتقي بأعلى من جنرال أمريكي فإذا أرادوا رفع قدره جمعوه مع وزير الدفاع لنصف ساعة؟
وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لنفسه سبب أن تتمكن السفيرة الأمريكية في بيروت مثلاً أن تجتمع مع اي سياسي، من رئيس الجمهورية حتى رئيس بلدية، متى شاءت وأن تزور نبيه بري في مجلس النواب ثم تقف بعد الإجتماع لتشتم حزب الله والمقاومة البطلة من أمام المجلس نفسه الذي يعتد نبيه برئاسته على الطريقة اللبنانية؟ فهل سمع أحد أن سفيراً عربياً زار مجلس العموم البريطاني واجتمع برئيسه؟ وإذا فرضنا أن ذلك حدث يوماً فهل سيمكن لهذا السفير أن يقف أمام مجلس العموم ويتدخل في السياسة الداخلية البريطانية ويشتم حزباً وينتقد آخر؟ أما كان سيطرد خلال أربع وعشرين ساعة ويجعل الإعلام قصته حديث أنس في أماسيّ لندن الراقصة؟
وكيف ثم كيف بعد كل هذا الذل يستطيع المسلم أن يلتفت إلى أبنائه ليقول لهم اننا المقصودون في قوله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”. فما هو الخير في أمة بعض حالها كما في اعلاه؟؟
ثم كيف يمكن للمسلم أن يقول لإبنائه ان المسلمين هم المؤمنون الذين ذكرهم رب العزة في كتابه الكريم والذين يرثون الفردوس، وهو لا يقدر أن يشرح لهم كيف يكون هذا وقد قال تعالى في المؤمنين: “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”. فكيف جعل تعالى لحفنة من الكافرين اليهود الذين لفظتهم أوربا سبيلاً وألف سبيل على المسلمين الذين ادعوا أنهم المقصودون في قوله تعالى “مؤمنين”؟ وكيف يمكن أن يسمح من أخذ على نفسه العهد ألا يجعل للدون سبيلا على من منحه من رحمته إسمه “المؤمن”؟
كيف وكيف وكيف وهناك الكثير من الأسئلة

فهذا غيض من فيض..
فقد آن الأوان للمتنورين من المسلمين أن يقفوا وقفة تصارح صادقة مع أنفسهم وأن يراجعوا التأريخ ليعرفوا سبب ما نحن فيه. ذلك لأن ما يحدث اليوم والحال المتردي والذليل الذي يعيش فيه ألف ألف ألف مسلم ليس وليد الصدفة وليس بسبب عدوان النصارى واليهود علينا حسب بل إن سببه عميق عمق التأريخ الإسلامي وهو يتداول من جيل لجيل من خلال البيت والمدرسة والمسجد في تكرار لمسلمات باطلة وتمجيد للعدوان والكفر باسم الدين….
فمن ذلك نجد أن ذبح الأحياء ليس جديداً عند المسلمين فقد سبق أن زاوله قادة لهم ثم كتب التأريخ عنهم أمجاداً…. وقد تجاوز المسلمون عن سيئاتهم دون أن يدركوا ان تعالى قضى أزلاً “ان من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”… فكما احتجوا سابقاً بأن “الإسلام يجب ما قبله” وهذا ليس صحيحاً لا في النقل ولا في العقل، فإنهم تستروا على جرائم المسلمين وغلفوها بغلاف الدفاع عن الدين رغم أن الدين لا يمكن أن يرضى بالعدوان لأنه تعالى قضى في كتابه الأزلي: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين”.
إن الهدف من هذا المقال هو الدعوة لنظرة عقلانية في الإسلام…. ماذا حدث فعلا وكيف كتب تأريخه وكيف آل إلى ما هو عليه اليوم..
هذا ما سنحاول معاً ..
وللحديث صلة…

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter