هكذا قرأت الحطاب : أكليل موسيقى على جثة بيانو… أيقونة الكتابة الجديدة !

سيف الدين كاطع

 

 

 

يحمل كتاب جواد الحطاب الشعري ( أكليل موسيقى على جثة بيانو ) بين دفتيه ، تحديدا ظنيا مفجعا ، تتشابك فيه خيوط التأمل والتبرير والالتباس ورسومات الحادثة ومقتضياتها ، في مقاربة مدرك بلاد أكتظ تاريخها بالأسى والخراب وأرتقاء الوهم ، كان حدث هذا مذ ترنحت سيقان نخيل تلك البلاد وأخذت سارية عنفوانها تميل لجهة الهاوية وخلخلة الوثوب ..

 

وحين يبتدئ الحطاب في اول القصد من هذا الكلام ، بأشارات وتلميحات بلغت المستوى الحادي عشر، تحت عنوان أنتباهي لافت ( أيضاح لابد للقصيدة منه ) ، فأنه يسعى الى تأطير أنعطافة مفصلية في جسد هذه البلاد وشعريتها الدامية المتوجسة عبر تبويب أستذكاري تاريخاني عريض ، تترشح منه بكثافة سامية مختزلة معطيات التلاطم والتماوج وتكثر فيه أثنيات وأهواء وأنقلابات وكتب ومعارك ونهايات مرام وفواصل ومسارب دم ونزاع مختلف مقدر، لأقتناص موطئ قدم يتسع بقوة غاشمة لضم بغداد سيدة المدن ، في ذلك العصر البعيد – القريب الذي يسمى عرضا بعصر المتنبي ..هذا العصر الذي يواجهه الشاعر بدمعتين ساخنتين تمتزج فيهما ألوان البكاء الحي والحسرة القاطنة المستقرة .

 

 ثمة ما يتدارك أيضاح الشاعر في ذات القصد وخاتمته – بوصفه هامشا – مواقع وأمكنة وكنايات في الاشخاص والاحداث والعلامات ، تنطوي على نوع من التذكير الافتراضي المقنع ، ذلك الذي يتجه الى النأي عن فكرة الحسم القاطع لخلاصة بنى المظاهر والتكوينات الملتبسة الضاجة بالاثارة والانتماء المبالغ فيه ، تلك التي يكتنفها نوعا من الضبابية وأنعدام الثبات وربما أحتدام الرؤى وتضاربها المشين ، سواء أكان هذا في منظور أم في خطاب تتزايد حلقاته بالأنفراط التدريجي ، ما جعل الأفول راهنا مرئيا ينبأ بسكونية لا مفر منها ، تعززه سمات الخواء والانحسار المر وتفتت المهارة والمضي نحو الذبول والركون الى تخوم الحافة .

 

هكذا أذن ، يجعلنا الجزء الاول من هذا الكتاب ، أمام المتنبي كونه غطاء وجسدا للبلاد بجرحين غائرين عميقا ، يشكلان طرفي المعادلة التي تنوء بحملهما ارض نبض طينها جلنار ، منيت بخسارة فادحة النظير ، تتساوق وتنحني بمديات جدباء لا حصر لها ، تدفعنا الى فتح حدقات عيوننا أتساعا ، لما نرى ونتحسس في حواضن مقدراتنا وهي تضيق بنا ، تقلص وهمنا وتنسف حلمنا وتجدفه على قارعة الزمن ، تحصي أحباطاتنا وتنقش ملفات تراجعاتنا في نهارات يابسة قصية ،حتى نتلمس سرب خطواتنا وهي رابضة لا حراك فيها ، ألا نشيج يدنو في عتمة ليل طويل ، يروم معايشوه أن يهجرونه بخفة ظل .

 

في نصوص الحطاب كما في ضواحي البلاد ، بعد الايضاح مباشرة ، تأتي نوايا الرصد على شكل مقاطع وبأرقام من 1- 7 ، يبدو فيها الازدراء بيانا مقوسا ليس بحدود بناء النص حسب ، بل بمجمل مقومات الرخاء اللغوي ومحمولاته ودلالاته المعرفية التي تناظر نوع الحكم والهيمنة والقياس – الاسلوب ، النمط ، الوهم ، الداكن ، الساكن ، المتراخي ، وما يرافقها من رنين ذلك الاتكاء على لفظة الله وحساباتها في عقلية وهيكلية النظام العربي – الاسلامي وأمتدادته في الروح والممارسة والسلوك الباطني ومن ثم تسامي أفق هذا الانزياح حتى اللحظة شبه الساكنة بأضطراد عجيب … الى أن تتدخل مفارقة الشاعر المفاجئة وهي تقطع ب( يا ااااه تضحكني هذي الاسماء .. أرب هذا أم شماعة أخطاء ؟ ) .

 

في حين يحاول المقطع الذي يليه وهو برقم ( 2 ) أن يعطي ذريعة محاكمة الحدث أهمية ، ما شكل نتائجه ، وحتى أ قتفاء آثاره ، تلك التي أنتقاها الشاعر وهو يهيم بحزن شفيف ، بدعم من بقايا ذاكرة جمعية ، لا تستطيع جمع الصور والحكايات التي سالت مثل نزيف دم لا ينقطع ..موصولا بفحوى النص الذي يحمل أفتراضيا رقم ( 3 ) ذلك الذي نراه يدخل معنى الفجيعة ، متخذا من سياقات الحادثة ومبرراتها أو بطلها الماورائي الجمعي ،أو حتى بصيغتها الكبرى – الصغرى ، وبقيمة كلية مشتملة ( الخاص – العام ) صيرورة للموت والخديعة والاغتيال وتعميد تدابيراقصاء الحياة ، وهذا ما يشكل شدوا يضفي على الصورة أنتباهة ومسافة  لتلك القرى الغافية بين ضفتين ، أذ تقتل بمؤامرة جاحدة ، تنشط بذكاء فطرة الشر المتوالد منذ حين قديم وبـأهداف شتى وغايات تذكر أحيانا بعناية .

 

غير أن التداخل الزمني يمورحراكا بمرموزات وأدوات وشخوص ، وقد يأخذ فعلا كاريكاتوريا منعشا للادراك المقارن ، بتنويعات صور فائقة الاختزال والتسمية المقصودة لجهة الامعان في رصد الدماروالتهديم والفتك ، وهذا ما يمكن تلمسه في النص المعنون رقم ( 4 ) .

 

الآ أن المقطع الذي يليه هو الآخر لا ينفلت من ذات الاطار ، بيد أنه يغالب حشد الاسماء ، ليس بوصفها محطات وتذكارات وضعت في تاريخ جماعة ، أنما كلمات وتراكيب وكنايات ونكوص في منظور ، تحلق في أنظمة المعنى وتسود في أساليب التلقي ، لكن السؤال يظل حائرا – أظنه من دون أجابة – كيف يمكن للشعر أن يكون مرادفا للحادثة وشارحا لمبتغيات حلم فكرة ما .

 

كذلك يدلنا المقطع- النص ( 6) الى ذات الوسيلة  في زحمة الكشف والمراقبة والاتهام والشعور بالذنب الكلي المشايع لخط الحلم والتصور، الذي ما برح يفتش عن أفق جديد منذ ركام سنين.

 

يتبع ذلك مقطع طاله الايجاز، مفتوح على ليل الذكرى ، غرضه تهكمي ، يشوبه الارتياب ، حين يشرع بفتح النار على أصحاب قرار الحتف جميعا ، لطمرهم في مؤخرة الحياة .

 

الحطاب وبهدوء ذات مكلومة يحاول التسلل الى مشهدية جديدة مقترحة ، من خلال لملمة القيم التي تناثرت من جراء ضربات الوقع الآني المبرح ، وبأستعارة قناع آخر هو أيراهيم ، المجسد في نص ( أبراهيم آخر ) ، يحاول فيه أستيضاح علامات الخوف الانطولوجي ، الكامن في تفاصيل المرء وخارطته المعنية بنزعة المكوث في الحياة ، ذلك لأن المقارنة ، تكاد تختلف عبر واجهات الصراع ، بين ما حملته أجنحة  النصوص – المقاطع ، الممتدة من ( 1-7 ) وهي تناغي بواعث الحدث ، من خلال بوابات التراث والضمير المكتسب وسبل أستقرار الهوية وسلالم الحياة للتو، تلك التي تحيطنا وننغمس في جنباتها على مر الوقت ويكون فيها أبراهيم أو أي قناع آخر ، يبحث عن رب !

 

في نص ( كومونة ) غير المتفق مع نصوص خلت ، نرى الشاعر يعلن شرارة أنتفاضته بوجه (الحلم – الوهم ) وخاصيته الفردوس ومهاجمته بمعية ضحاياه الاكثر جمعا في الدنيا وهم يحملون شعارا ومشاعر فلسفة حماقاتهم وهي تتمزق في نهاية المطاف ، لكن المفارقة تكمن في دعوته الى تحديد ( ساعة الصفر ) ومناداته ( هجوووم ) ..بغية محاصرة الابواب من الجهات كلها ، وهذا مايعني أعلاء هامة المهمشين والهامشيين ووضعهم في صدارة محور الانقاذ ، لكن هذا لم يحدث البتة ، فجميع الكومونات أندحرت وأنكفأت جميع نظريات أنتصار الفقراء في كل مكان وباتت (أضغاث حلم ) مضى ليس الآ .

 

من هنا يدرك الشاعر ، فحوى التعويض والملامسة شديدة الوطأة بواقع الاشياء والرغبات ، والنظر الى خيار الدولة ، بوصفها ستراتيجية كلية تنسق خيوط البناء الاجتماعي الحديث وكونها أيضا تمسك حوافر الحياة وحواضرها ، ويراها كذلك فعلا دراماتيكيا يلخص جهة النزاع بين العفوية وبين مقومات عنصر الخيال التقني المتحقق في نسق الحداثة وصياغاتها المتعددة في الزوايا والاركان والمراكز والصوروالاساليب والانماط والخيارات الزاحفة بأمتياز الى دوائر المتغير اللاحق ، وأظنه الفايروس الحي الذي يلامس الدليل المكلف بأنتخاب صورة حل، بوساطة ريموت الحياة المنفعل بذاته .

 

لكن ثمة ما يدعو في كلام يتساءل ، لماذا الماضي والاستقرار في جنباته وسطوحه وعوالمه ، هل هي محاولة تعويض قسري من وجهة النظر السيكولوجية حيال تدهور وتمزق وشاح الحاضر وشحوب واجهات المستقبل ، على أي حال من الاحوال .. فهو الشعر حين يكون واثبا في مركز العلاج والمعالجة ، يدفع الذهن الى أفتراض صورة الماضي الأبهى ظنا في أيمان قلق لترميم أطر الحلم الذي لا يتحقق أبدا ، ولكنه يراود باطن النفس غير مرة..

 

ثم يأتي نص ( مقبرة الغرباء ) وهو جامع لمناخات شتى عراقية ، يبزغ فيها خيط سماوي رفيع ، تتأرجح بعقده أسماء وأماكن وحروف وأمتدادات وجداول نهرية وكيانات ، تقود أحيانا لحظتها وتختفي ، يجمعها من دون أستثناء شريط  موت مؤجل – آخاذ ، يدوم زاهيا ويحتفي بأهمية وطن مبتلى ومقبرة لا تحتفظ بجميع الابناء .

 

أما النص الذي يواجهنا بعد المقبرة ، فهو ( رجال ما ).. يثري بغنائية حروب العمر والتي جاءت بالسليقة ، كما هو – مزاج البلاد – بغربة طاحنة ، تؤججها رائحة دم مسال … فيما أعتمدت بوصلة نص ( أحد عشر كوكبا ) .. على الايجاز وايقاع يتنقل في آخر حرف ناجز ، يتحرك شذاه في أكثر من موقع أو رؤية شخصية مزدانة بكوميديا سوداوية – فجائعية ، تحت سقف نثري مبتور، بأحوال المفارقة والنكهة الفالتة المؤقتة والتجوال بلا عنوان ، في مسالك الحروب وشاشاتها الضيقة الفسيحة بالخوف وأقصاء المحبة وغياب الاغاني وسقوط الرصاص وبعثرة الحلم وأنكشاف عري الصداقة ولوثة العقول المحنطة وسريان نزيف أشرعة الوهم والنكبة الدائمة ومصائب من لا أوطان لهم وبغداد ضيعها الغزاة وما برحت تغني أمجادا تزول من جراء غلبة النهايات السود .

 

الى أن نكون بمواجهة نص ( جثة بيانو ) ..هذا الحافل بالاثارة والجدة ، ممتلكا شكلا لغويا وأدائيا رفيعا ، يجعلك في مفازة الشعر تغوص وتحيا ، كما ترتكز حزمة من دلالات فيه ، تبدو كالجروح في اول غيمة غدر …. هو النص كذلك مكفول بادارة شعرية فريدة ، ترتقي الى أن تكون صانعة لنص فذ .

 

في حين يمكنني أن أرى فيه ، خاتمة الجزء الاول وهو نص ( الاعدقاء ) .. فهو الآخر ، مليئ بالصور الشعرية المقترحة والتي تهتم على نحو مباشر بزرع المفاجأة والعمل على تكريس الدهشة  ، واللعب على أفق المناورة وربما الحصول على أستجابات تلقي مسرة ، برغم أن كلماته يمكنها أن تشيع لك الكآبة والانزواء أن شئت …

 

.. ( أستغاثة الاعزل ) ، هو النص الاول المختزل ، الذي يكون بمثابة خط الشروع الاول في عالم الجزء الثاني وجاء هذا النص ، ليكون حكمة وحقيقة مفترضة في أجواء وطن محتدم على الدوام .

 

النص الذي يليه ( ثوم على الامة .. جاجيك على الايام ) يحاول بقصد ، تبويب المناشدة الخالصة التي تحمل على كفي عيون دامعة أو كسرة منزوية في قلب ، هو صراخ من طراز آخر ، يمضي حتى يصبح بحنجرة جافة مهجورة ، يبلغ ديار المنافي ، منطلقا من بغداد وعائدا لها يسرعة الصدى ، في غرفة العالم المسكون بالتجاذب والتفاعل المرن . هذا الصراخ الذي يمسي عويلا مفخخا بالحشرجات ، يداعب الضمير، معتقدا أن يصل …. فضلا عن اولئك ، كتاب الكلمة الافذاذ العالميين ، فهم الآخرون ، ينتظرون يلوغ الصوت هذا أليهم ، ليتحرروا من سكونهم الابدي المضني …. لكن هل ثمة من يصيخ السمع ويراهن على خفقان قلب الوحوش ….كل الاعتقاد ينصب على أنها حالة من الظنون تدور ….

 

وهكذا تزحف بنا الكلمات والحروف والصور ، مستلهمين من عالم تحوطات الشاعر في مقبرة سرية الى بانوراما الهزائم وكرنفالات النصر الى حكاية المنطقة التي سورتها لوائح خضرة وشجيرات وسنابل منحنية ، يعلو برفقتها صراخ أطفال العامرية ، ذلك الصراخ الذي أصبح خارج الذكرى ، وهو ملاذ آمن أعد للعاطلين في ملاعب روما القديمة – بغداد الجديدة ، الى ذاكرة الصواريخ وعشقها الحلزوني الى فراش الصغار ، الى رامسفيلد وبحثه المفترض عن وطن ، بشوراع ضيقة ومنازل أصغر ، وأبو غريب علامة في آخر القلب ، قابل للتمدد وصمت البحر تغطيه رائحة أحتراق المكتبة ، ثم تأتي سماء عراقستان ، بقنابلها وزواحفها الهائمة في ليل يتربص بذاته ، مرورا بأفغانستان وأتساع متاهتها بضيق كهوفها وسقوف العتمة تتعانق بروث بهائم امريكية … رغم عويل جياع العالم ، وصواريخ كروز وقذائف ( بي / 52 ) تنير الحفلة .

 

النصوص ويرغم طراوتها أحتشدت بالشتائم ، وأخذ البصاق يطارد سرفات الدبابات الجاثمة فوق صدر التاريخ الوطني ، وكلمات الحرية موزعة في شوارع وطن مهزوم ، يا لشجاعة شعراء اللحظة والزمن المنفي بين السرفات وعناوين الطلقات ، فالفلوجة ..فاصل وتعود .. الصواريخ بحذافيرها توزع اليورانيوم كأسماك زينة ملونة ونحن حفاة .. الصواريخ في كل مكان ..هكذا ردد الشعر جغرافيا الموت مع نفسه وغص من شدة السخرية وأنتخب العبث ..!!

 

النصوص تترى والاسئلة تقف بأندهاش جامد من قصص رعب الموت المزدحمة ،على خلفية أن الملائكة والطائرات والبرلمانيون وهمرات الحلفاء والجنوبيون ، يتصيدون ذباب العلم الامريكي المرقط بوجهات نظر الجنرالات ، فيما ساحات البلاد المخربة تمتلأ بشيكولاته أطفال بملابس بيض ، لونها يشبه قماش كفن .

 

ثم ( أستغاثة الاعزل ) ثانية ، تنتحب بلسان مراسل أو روح مذيعة ، أنتظر القتلة ليرتقوها – سلالم – الى المسرة السوداء ، لكن أطوار تمضي بقوة الرجولة ومن ورائها سامراء تلوح ..

 

تمضي الكلمات ناقصة بأبجديتها ، مليئة بالوجع المركب واللحظة الخاسرة ، تنطفئ بعقول بلادي وثمة أبطال جدد وولادات وحمامات ، يأتين بلا تشويه وبأجنحة تصفق جذلى … رغم دوار السلحفاة …

 

ثمة ما يمكن الأشارة الى أن تلك القصائد التي تتقارب في نسيجها وتترابط في مداخيلها وهي تغطي بمجملها مساحة ديوان ( أكليل موسيقى على جثة بيانو ) ، يستحسن أن تتم قراءتها على نحو كامل ومتسلسل ، لا تجتزأ بالمرة ، كونها تحمل موضوعا شاملا ومتدفقا لا تستقيم مدركاته الآ بمسك خيوط الغوص والاستقراء الخالص والتمدد على طول مسافات حزن بلاد أرهقها التاريخ كثيرا …..

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter