نشيج الازل

نادية العبيدي 

كانت عقارب الساعة تشير الى الثانية الا ربع ظهرا.. لم يبق من الوقت سوى القليل وبدأ العد التنازلي , خطواتها المرتجفة تذرع الغرفة ذهابا وايابا بعصبية وانفعال واضحين , اليد تعتصر باليد الاخرى , الخوف والهلع يعلو الوجه الحزين والدموع صماء تملأ عينيها وآهات مخنوقة مكبوتة في الحنجرة .. و قلبها يكاد يقفز من بين اضلاعها من شدة الانفعال , هي ثورة لبركان عارم مجتمعة في قلب ينبض بصرخات مختنقة بحبه … وسؤال لايهدأ في سريرتها بل يحرث اجواء قلبها بخوف مفزع ومستفز .. وتلوذ هي بصمتها بالهروب من الاجابة .. هل حقا يرحل ؟ ويتركها وحيدة في هذه الغرفة التي كل ركن فيها يذكرها به .. لمساته .. همساته .. حنانه ودفء نبضاته .. بل وحتى صوت صراخه !! ترى هل تنتهي احلى قصة حب سطرت , هكذا وبسهولة لمجرد انه قد مل المكان .. مل حياته .. بل مل الفشل المتوالي مما احال نفسيته الى غيمات ضباب سود خنقت الروح واستلبتها.
دموعها ساخنة .. شفافة .. مترقرقة ترسم على الوجنة خطوطا ملتهبة , كانت تصارع نفسها بجنون العاشق المتألم وتسأل هل تستطيع الذهاب لتودعه وتشهد انهيار صرح حبها المتلاشي مع مسيرة الحياة المسرعة بدون توقف  بعد ان كان حبهما اسطورة من خيال !!؟ مااتعسها وهي ترى حبها يذوي وينهار وتحترق الاماني الخضر التي كانت ترتبها كل ليلة بين سطر وسطر!!  هل ترحل معه بعد ان عارض فكرة مشاركته فشله هل تستطيع الصمود امام هذا الموقف المرعب .. هل تحتمل ان تراه يرحل ويبتعد نحو المجهول .. بل هل يتركها لالامها وخوفها واشلاء حبها المكلوم وكبريائها الجريح والذي بدأ ينزف كشلال دفاق لايكاد يتوقف .
هو يقف في المحطة مسندا رأسه المزحوم بالافكارالمرتبكة الى الحائط تحت الساعة .. ولم يتبق من الوقت سوى ربع ساعة فقط وحبيبته لم تأت .. ارتجف لفكرة انها لن تحضر للقائه وتساءل مع نفسه ايمكن ان لا تأتي هل تراها ستنفذ تهديداتها , لقد اخذ الموقف من الذهول مااخذ وهو ينتظر بلا جدوى .. هو رجل ولا يستطيع التخلي عن كلمته او يغير موقفه او حتى التراجع عن قراره .. تساءل مع ذاته ااكون مستبدا بان اعاقب نفسي وبالتالي اعاقبها !!؟ احبها نعم .. احبها ولكنه لم يعترف لها يوما بذلك .. كان يقول في نفسه ان الحب ضعف والحب هو للنساء فقط ولكن والان اكتشف من ذل موقفه وتلهفه لها وانتظاره حبه ليس ضعفا بل هو سر من اسرار الكون .
واخيرا اتخذت قرارها وحسمت امرها بالذهاب , ارتدت الفستان الذي يعشقه وركضت مسرعة مندفعة نحو الخارج علها تستطيع اللحاق بالقطار .
اخذ الناقوس يدق معلنا بدء تحرك القطار , الركاب اخذوا يتراكضون واصوات الوداع اخذت تعلو وامتزجت الاصوات بدموع وضحكات شيئا فشيئا ..  انها اللحظة الحاسمة .. لحظة الوداع .. يقف والحقيبة بيديه وينتقل ببصره بين الارصفة ويبحث في وجوه من يراهم عله يلمحها , ارتجف قلبه عند سماعة ناقوس المحطة وصفارة المغادرة والتمعت عيناه بدموع ساخنة استدار عائدا الى القطار ويأخذ مكانه قرب النافذة وهو يمسح ماتبقى من دموع على وجنتيه ويرحل هروبا من فشله .. يرحل عن الحب .. عن الامان .. بل عن حبيبته .
وصلت وبخطوات متعجلة توجهت نحو الرصيف .. شاهدت القطار وقد غادر المحطة وكانت اخر عربة تجاور الرصيف , وللحظة رأت انهيار صروح حبها ..هكذا ببساطة رحل عنها , وشموعها انطفات واضاعت حياتها بوصلتها وارتحلت عنها مع ادراج الريح واصبحت الحياة هباء منثورا واخذ معه كل شيء فحاولت ان تعجل من خطواتها وتركض عسى ان تلحق به لكن ولسوء الحظ تعثرت بخطاها وسقطت على الارض ولم تكن تميز بين الاشياء الا اليأس .
دموع تملأ المقل واهات تملأ القلب وغصة حزينة تخنقها وتمنعها حتى من التنفس , ثيابها تغمرها الاتربة والقدمين والشعر مبعثر يغطي الوجه ..
صمت يلف المكان .. وهدأت عاصفة الاصوات وابتعد القطار ولفلف معه الاتربة والضجيج .. وعاد الناس كل الى مكانه وغادر المغادرون وساد السكون وخلا الطريق الا منها ومن صوت نحيبها الذي بات يعلو شيئا فشيئا , وللحظة احست بيد تساعدها على الوقوف وتكفكف عن وجنتيها بدفء وحنان الدموع واليد الاخرى تلملم الشعر المبعثر على الوجه .. انها تعرف دفء هاتين اليدين .. انه هو رفعت راسها اليه بذهول غير مصدقة ما يجري فهو ذاته امامها راته من بين شلالات دموعها يبتسم لها وبحركة لطيفة ضمها الى صدره وقبلها .. فأحتضنته وارادت ان تخترق اضلاعه لانها علمت بأنه لم يغادر لاجلها , همست باذنه لم ترحل اذن ؟؟ فأجابها بضمة كأنها النشيج الى صدريه .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter