نحو قراءةٍ للولايات المتحدة ككيان استيطاني – إبادي – الفسم الاول اميركا قامت على كذبتين هائلتين وجبال من جماجم الهنود الحمر

لماذا تعنينا؟ وماذا تعني لنا؟

الجزء الأول

 د. مسعد عربيد

 مقدمة[1]

ما دفعني إلى هذه الكتابة هو ما نشهده من تخبط في الخطاب العربي المعادي للإمبريالية والشعارات الساخنة التي يطلقها منذ عقود، والذي يعمد من حيث يدري أو لا يدري وعلى نحو عنيد، إلى تغييب وتهميش البعد الرأسمالي في فهم الإمبريالية ومعركتنا معها وموقفنا منها.

تنطلق هذه الدراسة من ركيزتين أساسيتين:

الأولى، إن الرأسمالية، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، هي العدو الرئيسي للشعوب العربية وللإنسانية جمعاء؛ ما لا يعني بالطبع أنها العدو الوحيد ولا ينفي تعدد الأعداء وتكاثر أدواتهم وحلفائهم الإقليميين والمحليين، بل وتنوع أدوارهم وتخصصاتهم.

والثانية، إن الخطاب المعادي للإمبريالية الأميركية ووكلائها في مركز رأس المال العالمي والإقليم والمنطقة العربية، أو الخطاب الذي يزعم ذلك، يظل قاصراً لا يكتمل دون تجليسه ضمن الخطاب الأشمل وهو معادة الرأسمالية.

وهذا يعني أن مناهضة العدوانية والإمبريالية الأميركية، يظل حراثاً في البحر، إن لم يحارب الرأسمالية. وفي هذا تكمن احدى إشكاليات الخطاب العربي السائد والتي سنناقشها لاحقاً.

لهذه الأسباب، فإن هذه الدراسة تعنى أساساً ببناء فهم للولايات المتحدة (منذ نشأتها وعبر حقبات تطورها السياسي والاقتصادي والعسكري كزعيمة للرأسمالية والإمبريالية)، كمشروع هيمنة وككيان استعماري – استيطاني – إبادي. ويتطلب هذا الفهم تناول حقائق التاريخ الأميركي في الاستيلاء على الأرض وإبادة السكان الأصليين واستعباد الأفارقة وغيرها من عوامل النمو والتوسع في التأسيس للتراكم الرأسمالي ونشأة الرأسمالية الأميركية.

لقد وزعت هذه الدراسة على ثلاثة أجزاء:

1.قدمت في الجزء الأول إضاءات على المستور من حقائق التاريخ الأميركي ونشأة الدولة الأميركية وتبيان كيف نسج الأوروبي الأبيض أسطورة أميركا وكشف عملية تزييفه الممنهج لتاريخها. وقد حاولت ذلك من خلال تقديم قراءة مختلفة للحقبة المبكرة من التاريخ الأميركي من منظور كونها حالة استعمار- استيطاني – إبادي.

2.تناولت في الجزء الثاني دور الأسطورة وتوظيفها في بناء “الخطاب الأميركي” حول “أميركا” وموقع الشعوب الهندية الأصلية في هذا الخطاب، وصولاً إلى التأسيس للتراكم الرأسمالي الأولي (عبر نهب الأراضي وإبادة السكان الأصلانيين وتدمير كياناتهم واستعباد الأفارقة لاحقاً…)، والذي لعب (أي التراكم) دوراً مركزياً في نشوء الدولة الأميركية وبناء القاعدة المادية الرأسمالية الأميركية وتطورها وتوحشها، ما يتجلى اليوم في مرحلة الإمبريالية.

وبما لا يقل أهمية ناقشت كيف استنسخت الإمبريالية الأميركية خبرتها في الإبادة الوحشية للشعوب الأصلانية، في حروبها اللاحقة على الشعوب الأخرى والتي أصاب الشعوب العربية قسط وفير منها في العقود الأخيرة.

3.يتضمن الجزء الأخير قراءة نقدية “لخطابهم” وأيضا “لخطابنا” ومواطن الخلل فيه خصوصا في رؤيته القاصرة والغبية التي لا تربط، بل تصر على الفصل، بين “معاداة” الإمبريالية والعدوانية الأميركية من جهة، وطمس البعد الرأسمالي الأميركي والغربي وعلاقة الرأسمالية البنيوية بالعدوانية والإمبريالية الأميركية، بل خطابنا كثيراً ما يرفض تحديد الرأسمالية في موقع العدو الرئيس لشعوبنا وللإنسانية باسرها.

 قراءة في “سرديات” نشأة أميركا والرأسمالية الأميركية

التاريخ… مقلوباً رأساً على عقب

 يبدأ التاريخ الأميركي، في عقول الملايين في الولايات المتحدة وخارجها، مع اطلالة القرن الثامن عشر وإرهاصات الثورة الأميركية وصولاً الى استقلالها عن بريطانيا عام 1776. وتستمر الكذبة لتتجلى في أن أغلبية الشعب الأميركي، ومعه أكثرية سكّان العالم، تظن أن استقلال الولايات المتحدة يعني استقلال الدولة الأميركية بمساحتها الجغرافية كما نعرفها اليوم والممتدة في عرض القارة الأميركية الشمالية بين المحيطين الأطلسي والهادئ.

غير أن حقائق التاريخ والجغرافيا تخالف هذا الاعتقاد السائد، إذ أن الأراضي التي تم استقلالها في ذلك العام 1776 تقتصر على المستعمرات الثلاث عشر المحاذية للمحيط الأطلسي، أما بقية المساحة الجغرافية الأميركية فقد تمت اضافتها لتلك المستعمرات في العقود اللاحقة وبعد ما يقارب قرن من تاريخ يوم الاستقلال المذكور، لتُشكّل ما يُسمى اليوم الولايات المتحدة الأميركية.

تختزل هاتان الكذبتان فبركة لتاريخ الولايات المتحدة لتصيغ الأسطورة التأسيسية للدولة الأميركية في جانبين هامين:

الأول، طمس تاريخ القارة الأميركية الشمالية قبل نشوء واستقلال ما يُسمى اليوم ب”الولايات المتحدة الأميركية”، اي تغييب تاريخ الشعوب التي عاشت على هذه الأراضي قروناً مديدة وطمس تاريخها الذي يعود إلى آلاف السنين قبل وصول كريستوفر كولومبس.

أما الكذبة الثانية، والتي تنبثق من الأولى وتتستر بها، هي أن الأرض التي قامت عليها الدولة الأميركية كانت “أرضاً بدون شعب” قبل وصول المستوطنين الأوروبيين البيض وكأنها كانت خالية من السكّان.[2]

 كيف نسج الأوروبي الأبيض أسطورة أميركا؟

 للتدليل على مقدار التزوير الذي لحق بتاريخ الولايات المتحدة، نناقش فيما يلي هاتين الكذبتين بتقديم بعض الإضاءات على حقائق جغرافيا الولايات المتحدة وتاريخها وديمغرافيتها:

 الأولى: كذبة الجغرافيا

 لقد تم زرع المعلومة الخاطئة عن نشأة واستقلال الولايات المتحدة، كما ذكرنا، والتي تقوم على أن أميركا التي أعلنت استقلالها عن بريطانيا عام 1776 (1) قامت على المساحة الجغرافية المعروفة اليوم ب”الولايات المتحدة الأميركية”، بالإضافة إلى (2) ترسيخ فكرة “ارض بدون شعب” وكأن الشعوب الهندية أي الأميركية الأصلانية لم توجد يوماً على هذه الأرض.

وبدون الدخول في تفاصيل التاريخ، يحسن بنا أن نشير إلى بعض وأهم وقائع التوسع الجغرافي التي تلت اقامة الكيان الاستيطاني الذي تأسس على إبادة الهنود الأصلانيين ونهب أراضيهم، هذا التوسع الذي أضاف للمستعمرات الثلاث عشرة أجزءًا شاسعة من مساحة الولايات المتحدة الراهنة:

أ.شراء لويزيانا من فرنسا: تبلغ مساحة لويزيانا 828 مليون ميل مربع وقد تمّ شراؤها من فرنسا عام 1803، وبضمها تضاعفت مساحة الدولة الأميركية الجديدة عن تلك التي استلقت عام 1776. ويعتقد المؤرخون أن الأسباب الرئيسية التي دفعت نابليون للتنازل عن لويزيانا وبيعها للولايات المتحدة تكمن في:

ـ انتصار “ثورة العبيد” في هايتي (1791- 1804) وعجز فرنسا عن قمعها؛

ـ احتمال نشوب الحرب مع بريطانيا وتخوف نابليون من محاصرة الأسطول البريطاني لفرنسا؛

ـ الصعوبات الاقتصادية التي كانت تواجهها فرنسا آنذاك.

ب ـ الاستيلاء على ما يقارب 52% من أراضي المكسيك في الحرب المكسيكية ـ الأميركية (1846 ـ 1848)، وما تلاها من ضم مساحات واسعة من أراضي تكساس. وبالإضافة الى ضم هذه الأراضي، فقد تم ضم سكانها أيضاً إلى الولايات المتحدة. وهكذا، أصبح المكسيكي، صاحب الأرض، دخيلاً في وطنه.

ج ـ شراء ألاسكا: أما ولاية ألاسكا فقد تمّ شراؤها من الإمبراطورية الروسية عام 1867حيث قام الإمبراطور الروسي ببيعها تحت وطأة ضغوطٍ اقتصادية كبيرة، بالإضافة الى تخوفه من أن يفقدها في حربة مع بريطانيا التي كانت متفوقة على روسيا عسكرياً. وتبلغ مساحة ولاية ألاسكا ما يفوق المليون ونصف كيلومتر مربع.

 الثانية: كذبة الديمغرافيا

يُقدَم التاريخُ الأميركي، أو لنقل على الأقل هكذا تعلمه وقرأه الكثيرون، وكأنه خالمن تاريخ الهنود الأصلانيين الذي استمر على الأراضي الأميركية آلاف السنين قبل وصول الأوروبيين البيض وقيام الولايات المتحدة.

– هكذا يتم تغييب ومسخ قرونٍ طويلة سبقت استقلال الولايات المتحدة ونشأة الدولة وفق الرواية الرسمية، ومعه يختفي تاريخ من الاستعمار الاستيطاني والإبادة الذي سبق نشأة الدولة واستمر بعدها حتى يومنا هذا.

– هذا يعني غياب الفهم والوعي بنهب أراضي السكان الأصلانيين في أميركا الشمالية وإفناء حضاراتهم وكياناتهم الاجتماعية، وكذلك تغييب مقاومتهم لغزوة الأوروبي الأبيض ومحاولات إبادتهم وكفاحهم من أجل الحفاظ على الذات والسيادة وحقوقهم الإنسانية.

– هذه القرون الضائعة تمثل الحقبة التي شهدت الاستيلاء على أراضي القارة الأميركية الشمالية وإبادة سكانها الأصليين ونهب مواردها تمهيداً للتراكم المادي الذي شكّل الأساس الاقتصادي للرأسمالية الأميركية وتشكيلتها الاجتماعية كما نعرفها اليوم.

– وعليه، فإن ثنائية الاستعمار الاستيطاني وإبادة الهنود قبل وصول العبيد من شواطئ إفريقيا، تشكّل الأرضية التأسيسية للولايات المتحدة.

لعل أخطر ما في تغييب البعد الاستيطاني – الإبادي هو طمس التراكم البدائي الذي شكّل الأساس المادي لنشـأة الرأسمالية الأميركية وتطورها الهائل فيما بعد، ذلك التراكم الذي حصده الرأسماليون الأوائل في المراحل المبكرة واتصف باقتلاع الإنسان عنوة عن أرضه، والفلاح عن مصدر إنتاجه (الأرض)، وطرد السكّان الأصلانيين عن أوطانهم وإبادتهم إبادة ممنهجة بعد نهب أراضيهم وسرقة الأراضي المشاعة وصولاً الى عبودية الأفارثة واستحضارهم إلى أميركا اشمالية وغيرها من آليات وأشكال الاستغلال الاستعماري.(يتبع في عدد مقبل)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter