ناج من مجزرة سبايكر ضمد جراحه بقميص شهيد: خيانة الضباط سبب المجزرة ستة ايام يتنقل فيها قاسم رحمن من موت مرت مرعب الى موت ارعب

(علي سليمان) و(ابو نبيل) كلمتا سر مرور الارهابيين بين سيطراتهم

   

بالنسبة للجندي قاسم نجيب رحمن، فإن الكذب، الذي يذمه الكثيرون، كان السبب بنجاته من الموت، رحمن الذي كان ضمن جنود قاعدة سبايكر، نجا من الموت ثلاث مرات اقترب فيها كثيراً منه، ليكون شاهد عيان يوثق ما حدث ليلة سقوط قاعدة “سبايكر” الحصينة بأيدي مسلحي (داعش)،  وكيف تم أسره والتحقيق معه على جريمة مذهبية أنكرها  بالرغم من تعذيبه اليومي، وسبب شموله بعفو، “خليفة المسلمين ابو بكر البغدادي”، بعد محاكمته الشرعية في أحد المنازل مع قلة آخرين، وكيف تمكن من الصمود لستة أيام بين الجثث التي قطع ملابس إحداها ليضمد أربع إطلاقات أصابته، ليبقى حياً ويروي قصته.

ويقول الجندي في قاعدة “سبايكر”، قاسم نجيب رحمن، إنني “كنت في مركز تدريب ذي قار، تطوعت على تشكيل قيادة فرقة الاستطلاع الجديدة، مع ثلاثة آلاف جندي آخرين من جميع المحافظات، وبقينا فيها نحو شهر، وفي السابع من حزيران التحقت الى ذي قار، وفي اليوم التالي تم تحريك الوحدة بجميع جنودها الى قيادة الاستطلاع ضمن قاطع عمليات صلاح الدين، وكان مقرها قريباً بعض الشيء من جبال “حمرين”، وفي حدود الساعة العاشرة من ليلة الحادي عشر من حزيران، تحركت وحدتي المؤلفة من ثلاثة آلاف جندي الى قاعدة “سبايكر”، بأمر من قائدها، من دون أن نعلم أن محافظات الموصل وصلاح الدين والمناطق المحيطة بهما أصبحت تحت سلطة الارهابيين، لعدم وجود تلفزيونات أو هواتف في الوحدة العسكرية اذ تم جمعها من الجنود ونحن في ذي قار”.

ويضيف رحمن أن “آمر الوحدة العقيد الركن وهبي موسى، لم يجهزنا بأيّ قطعة سلاح، حين دخلنا بسيارات وملابس عسكرية الى القاعدة، التي كانت فيها قوات من الفرقة الذهبية وسوات ووحدات عسكرية أخرى، تتصدى لهجوم الارهابيين على القاعدة، وطمئنونا بعدم قدرة أحد من الوصول الى القاعدة المحصنة”.

ويتابع الجندي أن “العقيد الركن وهبي موسى، جمعنا في الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس (الـ12حزيران)، وأخبرنا أن الاوضاع آمنة ولا يوجد شيء يثير القلق، وأنتم مجازون لمدة خمسة عشر يوماً، تلتحقون بعدها الى مقرنا السابق القريب من جبال “حمرين”، لكن عليكم النزول بملابس مدنية، وطلب منا ان نترك هوياتنا والوثائق وأجهزة الهاتف تحسباً لوجود الارهابيين على طريق بغداد، ولم نستغرب من الامر ساعتها، لأننا منذ أن تطوعنا ننزل بإجازات متكررة، ولم ندرك ان الخيانة أوصلتنا على طبق من ذهب الى الارهابيين ونحن عزّل من دون الدفاع عن انفسنا”.

ويبيّن رحمن أن “سيارات عسكرية نقلتنا من داخل قاعدة “سبايكر”، وأنزلتنا على مقربة من الطريق السريعة الرابطة بين الموصل وتكريت، فسبقت وعدد من الجنود الآخرين، وركبنا سيارات اجرة كانت تنتظرنا على الشارع العام، لم نكن نعلم وقتها أن سائقيها قد اتفقوا مع مسلحي (داعش) على تسليمنا اليهم، وانطلقت بنا السيارة وبعد مسافة وصلنا الى نقطة تفتيش يقف فيها ارهابيون بعضهم يرتدي الزي الأفغاني وآخرون ملثمون بزي عربي، طلبوا منّا الترجل من السيارة، واقتادونا الى جانب الطريق وطلبوا منا النوم على وجوهنا، وعدم الكلام بأي شيء، وقتلوا جندياً كان بجواري مباشرة لأنه تحدث اليهم وأشار بيديه، فملأ دمه ملابسي”.

ويصف الجندي أن “الوضع كان محموماً ومربكاً وهستيرياً، فأيقنت أن الموت قادم لا محالة، وأخذت اتشهد عندما احسست بالمسلحين يقومون بتفتيشي والآخرين بحثاً عن الاوراق الثبوتية او الهواتف النقالة”، ويشير الى أن “المشهد استمر لنحو ساعة كان المسلحون وقتها قيدونا وأعصبوا أعيننا وأركبونا في سيارات حكومية، وبعد برهة توقفت السيارات وطلبوا منا الترجل منها، وبدأوا يضربوننا بأعقاب البنادق، الى ان ادخلونا في أحد القصور الرئاسية، ووضعونا فوق بعضنا في غرفة كانت ضيقة لكثرة من فيها من الأسرى، وبعد نحو ساعة أزاحوا العصابة عن عيوننا”.

ويتابع رحمن أن “المسلحين أخذوا يحققون معنا ان كنا في الجيش ومن يحمل منا رتبة عسكرية، وقاموا بأخذ من يعترف بذلك الى خارج الغرفة، لم نكن نعرف ما كان يحدث لهم، لكن كل ما خرجت مجموعة كنا نسمع بعدها أصوات الرصاص واطلاقات البنادق”، ويلفت الى أن “مسلحاً آخر دخل علينا بعد برهة وسألنا، من منكم شيعي (رافضي)، فليجلس مكانه والسني يرفع يده، فرفعت يدي مع الأسرى السنة، واقتادوا الشيعة الى خارج الغرفة التي كنا فيها ولم نعرف أو نسمع شيئا عنهم، سوى صوت الرصاص”.

ويضيف الجندي الأسير أن “المسلحين بدأوا يأخذون من كانوا معي في الغرفة منفردين للتحقيق معهم والتأكد من انتمائهم، وكان بعضهم يعادون الينا وهم مبرحون ضرباً وتعذيباً وبالكاد يتنفسون، فيما ذهب البعض الآخر ولم يرجع لأنهم كشفوا حقيقة انتمائه المذهبي، استمر الوضع على هذا الحال لأربعة أيام، كنا نعيش خلالها على ما يطعمنا به المسلحون، من نصف بسكوتة وشربة ماء لمرتين فقط في كل يوم لنبقى أحياء لا أكثر، مع شدة التعذيب الذي كنا نتعرض له”.

ويقول رحمن إن “احداً منا لم يكن يثق بالحديث الى من يجلس بقربه ليعرف ما حدث معه او ما سأل عنه في التحقيق، بخاصة بعد أن أعترف البعض على آخرين معنا لأنهم جنود وأنكروا، أو لأنهم شيعة وأدعو بأنهم من السنة، وتم اقتيادهم من الغرفة التي كنا فيها الى مكان آخر، لكن صوت اطلاق الرصاص والتكبير دلالة على نهاية مصيرهم وما حل بهم، واستمر الوضع على ذلك حتى تم نقلنا الى مكان آخر في رابع الايام”.

ويوضح الأسير أن “من بقي منا نحو 150 اسيراً، جمعنا المسلحون في قاعة كبيرة، يقتادون كل منا منفرداً أمام محكمة شرعية يترأسها قاضٍ شرعي ومدّع ومحام يقف خلفهم سياف، وما أن دخلت عليهم اخبرني أحدهم أن أسماءنا موجودة في الحاسبة التي كانت بوحدتي ولن ينفع الكذب أو الادعاء، لأنهم يعرفون كل شيء عنا، وبدأ القاضي يسألني، من انا ومن أي عشيرة ومدينة أو مذهب، فأجبته أني من عشيرة الجبور في منطقة عرب جبور بمدينة الدورة، وأني سني، فطلب مني رفع الآذان للصلاة، فنفذت ذلك كما يفعل اخوتنا السنة”.

ويستدرك رحمن أن “أحدهم كان يحمل خرطوم ماء، فطلب مني الوضوء بعد ذلك، فبدأت بمراحل الوضوء فأخطأت بتثبيت القدمين ومسح الرأس، وما أن رفعت رأسي حتى بدأ الجميع يضربني بأعمدة من حديد وخشب، الى أن أحسست بتكسر أضلاعي اليمنى، فصرخ بي الحاكم لما كذبت علينا وأنت شيعي (رافضي)، فأجبته لست شيعيا بل أنا سني، لكني أميّ لا اعرف القراءة والكتابة، ووالدي متوف ولم يعلمني أحد الصلاة، فطلب منهم الكف عن ضربي ووضعي مع الاسرى السنة”.

ويكمل الأسير أن “في القصر قاعتين واحدة للشيعة وأخرى للسنّة، فوضعت مع أسرى السنّة، وفي خامس الأيام جاء لنا أحد المسلحين مستبشراً بعفو “خليفة المسلمين أبو بكر البغدادي”، عن الأسرى السنّة، فاعتذر منا وعما لحق بنا وسلم علينا مع عدد من جماعته، وأعطوا لكل واحد منا مبلغ خمسين ألف دينار لنصل الى بيوتنا، وأبلغونا في حال تعرض إحدى سيطرات (داعش)، لنا اخبارهم أننا من طرف علي سليمان أو ابو نبيل”.

ويتابع أن “المسلحين أركبونا بسيارات وكنا نحو خمسين أسيراً في السادسة عصراً، من مجمع القصور الرئاسية في تكريت وأنزلونا وسط المدينة، كانت الشوارع خالية من المارة او السيارات، فنمنا على الرصيف ليلتها حتى صباح اليوم السادس، على أمل الحصول على سيارة أجرة تقلنا الى بغداد، وحصلنا بالفعل على سيارة أجرة في الصباح تقلنا الى سيطرة سامراء، وكنا كل ما مررنا بنقطة تفتيش للمسلحين نخبرهم بأننا من طرف (علي سليمان وأبو نبيل)، فيسمح لنا بالمرور من دون سؤال”.

ويكمل رحمن أن “السيارة أنزلتنا على بعد من نقطة تفتيش سامراء، فوقفت مع أثنين من الجنود اللذين أعرفهما وأطلق سراحهما معي على الشارع، نستوقف السيارات المارة حتى توقفت سيارة (كيا باص)، وفيها عائلة سنيّة نازحة، تضم الأب سائقها وزوجته وبنتين، فقصصنا له ما مر بنا باختصار، فوافق على الركوب معه، فسلك طريق الاسحاقي، نحو الساعة العاشرة صباحا، وما أن تجاوزنا قطعة مكتوب عليها (بلد ترحب بكم، باقي الى بغداد 70 كم)، بنحو خمسمائة متر، استهدفنا مسلحون بإطلاق وابل رصاص كثيف من بين البساتين، ادى الى موت الاب سائق السيارة على الفور، وانحرافها من الشارع الذي كان مملوءاً بالسيارات المحترقة على جانبيه”.

ويبّين الجندي أن “رصاصتين أصابتا ذراعي اليمنى وأخرى في الحوض ورابعة في الساق اليمنى، وحين توقف الرمي تحركت الى آخر السيارة، متفحصاً من كان معي فوجدتهم قتلى، إلا أحد الجنود الذين كانوا معي وقد قطعت يده ففتح باب السيارة معتزماً الهرب، فأطلق المسلحون عليه النار وأردوه قتيلاً، فمزقت قميص الجندي وربطت بها ذراعي لأوقف نزيف الدم، وصنعت فتيلة أخرى للرصاص الذي أصاب حوضي وقدمي، وبقيت بين الجثث لا أحرك ساكناً”.

ويتابع رحمن  أنني “أحسست في حوالي الخامسة عصراً من اليوم الاول، بحركة قرب السيارة، وسمعت أشخاصاً يتحدثون مستائين من مقتل النساء، لكني لم أتحرك خوفاً منهم، وفي المساء نزلت زحفاً من السيارة، على أمل ان اجد شخصاً ينقذني من دون جدوى، فعدت ثانية ونمت تحت السيارة، بعد أن سحبت (بطيخة) وقنينة ماء وجدتها بداخل الصندوق، كنت اراقب الطريق باستمرار، وانا اشاهد السيارات حين تستهدف ويقتل كل من فيها كما حدث معنا، واحرقت في اليوم الثاني ثلاث سيارات وقتل جميع راكبيها، وبقيت بالوضع ذاته لأربعة أيام بلياليها، وفي نهار اليوم الرابع اطلق المسلحون النار على سيارة فيها اب وطفل وامه، فأوقف سيارته وركض منها باتجاه محال مهجورة بجانب الطريق، وبعد ان توقف اطلاق النار، ركض الطفل مع ابيه باتجاه مدرعتين كانتا قادمتين من بعيد فنزل اليه احد الجنود، وأخذوا الطفل وتركوا أباه وعادوا مسرعين بعد تعرضهم لإطلاق نار كثيف من البساتين”.

ويستدرك رحمن أن “المدرعات عادت عصراً وأجلّت الاب وزوجته من مكان الحادث، وسط اطلاق نار كثيف، وتعذر عليّ الوصول اليهم بسبب بعد المسافة بيني وبينهم، واصابتي وخوفي من اقتناص المسلحين لي”، ويشير الى أن “عصر اليوم الرابع أثناء نومي او غيبوبتي، لأني لم اعد اميّز بين الحالتين، أحسست بشخص يسحبني من قدمي من تحت السيارة، فسألني من انت؟، أجبته انا منكم، وأراد مساعدتي لأقف، لكن قدمي لم تساعدني فسقطت على الارض، فاحضروا بطانية وحملوني بها الى حوض سيارة ضمن رتل عسكري فيه أربع مدرعات، وأخذوني الى معسكرهم في بلد، وأخذوا يحققون معي لعدم وجود ايّ اوراق ثبوتية، فعرفتهم بنفسي ومن اية محافظة وزودتهم برقم هاتف ابي الذي احفظه، فاتصلوا به وطابقوا ما ادليت به من معلومات، وعند تحققهم ارسلوني الى مستشفى بلد”.

ويؤكد الجندي على أن “أبي واخوتي جاءوا الى بلد ونقلوني الى مستشفى الديوانية التعليمي، وبعد اسبوع اتصل بأهلي احد الضباط في الوحدة التي انقذتني وسألوهم عن معرفتي بالشهداء الذين كانوا بالسيارة الـ(كيا)، ليتسنى لهم تسليم الجثث الى ذويهم، بعد تطهير المنطقة من المسلحين، فأخبرتهم أن اثنين منهم كانا معي في وحدتي واسري حتى ساعة استهداف السيارة، وهم من ناحية السدير (يبعد مركزها 10 كم جنوب مدينة الديوانية)، فاتصل ابي بذوي الشهداء وطلب منهم الذهاب لتسلم جثث ابنائهم”.

ويلفت الجندي الى أن “ذوي الجنود في قاعدة “سبايكر” اخذوا يتوافدون الى المستشفى والمنزل، ومعهم صور ابنائهم لأتعرف عليهم واخبرهم بمصيرهم ان كانوا أحياء أم قتلى، وما زال العشرات منهم يتوافدون يومياً بعد ان علموا عن نجاتي من موت محقق لمرتين”.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter