ناجي صبري الحديثي وزير خارجية النظام السابق يقلب اوراق الغزو والاحتلال الاميركي القسم الاول

 

الجيش العراقي دخل المواجهة ضد الغزو منهكا هزيل التسليح ضعيف المعنويات

 

فرق التفتيش الدولية دمرت جميع الصواريخ العراقية ومنها الصواريخ قريبة المدى

 

 

 

كشف الدكتور ناجي صبري الحديثي وزير خارجية النظام السابق عن بعض اسرار وتفاصيل مواجهة الغزو الاميركي للعراق.

وقال في حوار صحفي  ان القيادة العراقية حينها كانت تتهيأ منذ فترة لهذه المواجهة لكن الإشعار النهائي الموثوق كان عندما أمر الامين العام للامم المتحدة المراقبين الذين يراقبون أمن الحدود بين العراق والكويت بالانسحاب، فسحب المراقبين كان لإفساح المجال للقوات الغازية الامريكية والبريطانية للانتقال من الكويت إلى العراق، فكان ذلك إعلانا موثوقا من الامم المتحدة أن الغزو قادم قاب قوسين أو أدنى. والعراق كان يتهيأ منذ فترة لمواجهة هذا الاحتمال، الشعب عرف أن بلدهم سوف يتعرض للعدوان من قوة غاشمة، فكثير من سكان بغداد حاولوا ان يجدوا ملاجئ آمنة لهم خارج بغداد، وكذلك موظفو الوزارات انتقلوا إلى مواقع بديلة خشية تعرض مقراتها للضربات الجوية، وفي صباح يوم 19 مارس انطلقت الغارات الامريكية على بغداد، ومن ذلك الوقت تمكنت المقاتلات الجوية الامريكية من السيطرة الجوية، الاستهداف في البداية كان كل الاماكن العسكرية داخل بغداد، كل القصور الرئاسية، المراكز الامنية والمراكز العسكرية، منذ الساعة الاولى وبقي هذا العمل مستمرا، بضربات من الجو وصواريخ بعيدة المدى.

وعن تعامل الجيش العراقي مع قوات العزو قال الحديثي: القيادة العسكرية سعت إلى أن ترد بالموجود والمتوفر من الاسلحة والاعتدة والامكانات المتاحة لديها، والجيش العراقي عندما واجه هذا الغزو الوحشي والعدوان كان في ادنى حالات الاستعداد القتالي من حيث التجهيزات والادوات والمعدات، فالقوة الجوية حيدت منذ عدوان عام 1991 وخرجت من المعركة. كما انتهت وحدات الرصد الجوي والرادار منذ ذلك الوقت، وكذلك الصواريخ بعيدة المدى التي دمرت بعد حرب 1991. ولم يبق من سلاح الصواريخ لدى العراق إلا صواريخ الصمود التي صنعها العراق ومداها بحدود 135 كيلومترا، حيث حرم قرار مجلس الأمن 687 ( 3 / 4 / 1991 ) على العراق حيازة صواريخ يزيد مداها على 150كم حتى لا تطال اسرائيل. أصر مفتشو الامم المتحدة بعد عودتهم إلى العراق في أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2002 على تدمير هذه الصورايخ بذرائع شتى. فاضطر العراق لتدميرها لكي لا يدع ذريعة لأميركا وبريطانيا تمكنهما من دفع مجلس الأمن لاصدار قرار يجيز شن الحرب على العراق. وما بقي من تجهزات كان في تناقص مستمر على مدى الاثنتي عشرة سنة من نهاية حرب 1991 بفعل حرب الاستنزاف التي كانت شنتها اميركا وبريطانيا على العراق يوميا. وما بقي لدى الجيش العراقي من دبابات ودروع ومدفعية يعود إلى ثمانينات القرن الماضي.

فقد خرج الجيش العراقي في بداية شهر آب / أغسطس 1988 من حرب طاحنة لثماني سنوات مع ايران. لست خبيرا بالأمور العسكرية. لكن المعروف ان الجيش الذي يخوض حربا بضراوة الحرب مع ايران يحتاج بعد توقفها حاجة ماسة إلى فترة اعادة تنظيم وإعادة تأهيل وتجهيز قد لا تقل عن فترة الحرب نفسها. لكن الجيش العراقي تعرض لحرب أخرى في ظرف سنتين أشد ضراوة. نعم ازداد الجيش العراقي خبرة قتالية كبيرة ومهمة جدا، لكنه لم يستطع التعويض عما دمر في الحرب مع ايران من معدات وتجهيزات. ولم تكن الفترة كافية لاعادة التنظيم والتأهيل. ففي الحرب التي شارك فيها 27 جيشا من أقوى جيوش العالم عدة وعددا في مقدمتها جيشا أميركا وبريطانيا تعرض الكثير مما تبقى لديه من معدات عسكرية للتدمير. فخرج الجيش العراقي من حرب 91 منهكا، ولم تبق له من الوسائل والمعدات بعد أثنتي عشرة سنة من الاستنزاف ( من آذار / مارس عام 1991 إلى آذار / مارس عام 2003 ) ما يمكنه من الصمود أمام مجابهة عدوان حتى لو كان اصغر بكثير من الذي قادته أميركا عام 2003.

واضاف الحديثي:/ كل الجهات العربية والدولية كانت تطالب العراق بالتعاون مع لجان التفتيش وبتنفيذ قرارات مجلس الأمن بقصد إبعاد شبح الحرب وفك الحصار. فماذا يفعل العراق ازاء ذلك كله؟ فقد اعتدنا على ان يجتمع مجلس الأمن خلال ساعات ويصدر قرارا ملزما تحت الفصل السابع يدين العراق ويطالبه بالتعاون إذا تأخر دخول مجموعة مفتشين لمنشأة تصنيع عسكرية لا يدخلها أي مدني عراقي بدون تصريح مسبق حتى لوكان مسؤولا، فكيف بمجوعة أجانب تأتي لاقتحامها بطريقة رامبو!. كان العراق متأكدا من نوايا اميركا وبريطانيا العدوانية، وهي معلنة ولم تخفيانها، خصوصا بعد أن أخذوا تفويضا بذلك من الكونغرس. لذلك كنا نقاتل على الصعيد الدبلوماسي حتى لا نترك لهم حجة ليصدروا قرارا باسم الامم المتحدة والشرعية الدولية بشن العدوان على العراق، لذلك لم يكن امام العراق إلا ان يوافق على قرار لجان التفتيش بتدمير صواريخ الصمود، وأن نبدي أقصى أشكال التعاون مع المفتشين. وعلى سبيل المثال، سهلنا لفرق التفتيش التابعة لوكالة الطاقة الذرية وحدها بعد عودتها إلى العراق في أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2002 القيام بـ 2370 عملية تفتيش، لـ 848 موقعا عسكريا وكلها خضعت للتفتيش من قبل، اضافة إلى تفتيش 1608 بنايات حكومية من جديد، ولم يعثروا في كل عمليات التفتيش هذه والتي سبقتها قبل رحيلهم اواخر 1998 على شيء محظور خارج ما أعلنه العراق في عام 1991.

وقد نجحت الدبلوماسية العراقية في ذلك، حيث استطعنا ان نحرم الولايات المتحدة وبريطانيا من الحصول على قرار اممي يمنحهما الشرعية لغزو واحتلال العراق.

واوضح الحديثي: بغداد قاومت الغزو منذ أول ساعة حتى اعلان الاحتلال في يومه العشرين. وعملية الغزو الوحشية أصلا بدأت بضرب بغداد بمئات القذائف والصواريخ والقنابل المدمرة. لقد قاومت بغداد بضراوة، وفق الامكانيات المتوفرة، عدوا مزودا بأحدث وأقوى أسلحة القتل والتدمير وأشدها فتكا، ومسلحا بأكثر العقائد العنصرية حقدا وكراهية للعرب والمسلمين، وهي العقيدة الصهيونية التي حركت زمرة المحافظين الجدد الحاكمة في ادارة بوش ضد العراق، هذه الزمرة التي لم تكن تخفي ارتباطها باسرائيل. لقد بينت في حلقة سابقة التفاوت الهائل بين قدرات العراق العسكرية المتواضعة جدا والمتناقصة عند انطلاق الغزو، بفعل عوامل عديدة شرحتها، والقدرات العسكرية الضخمة لأقوى دول العالم : اميركا ومعها قوات بريطانيا وايطاليا واسبانيا واستراليا ودول أخرى كثيرة .. كان الشعارالذي اختارته ادارة بوش للحرب على شعب العراق وكانت تتباهى به هو الصدمة والرعب، فماذا تتوقع ممن يسمي عمليته الحربية بهذا الاسم ؟ بغداد كانت أول هدف للعدوان، واستمر القصف الجوي الشامل على مدار الساعة بأشد القذائف والصواريخ والأسلحة وحشية وتدميرا حتى يوم 9 / 4 / 2003 الأسود المشؤوم .. وعند أول نزول على أرض بغداد دارت معركة حامية في مطار بغداد، وقد صدتهم القوات العراقية التي كان الرئيس صدام حسين رحمه الله يقاتل معها، وكبدتهم خسائر كبيرة. واستقر الموقف للجيش العراقي. وفي اليوم التالي لجأت قوات الغزو الأميركية الى هجوم ثان، استخدمت فيه قنابل محرمة أذابت البشر والحجر ويظن انها قنابل فوسفور ابيض او قنابل فراغية أو نوع آخر من القنابل المحرمة دوليا، فأبادت كل المقاتلين الذين بقوا في المطار لكي تؤمن احتلاله.

لم يكن لدى العراق في مواجهة الحرب الجوية المدمرة سوى مدفعية مضادة للطائرات محدودة لا تصل الى مديات عالية. وغاب سلاح الصواريخ وغابت القوة الجوية لأسباب أوضحتها في ماسبق. وكانت المدفعية العراقية المضادة للجو تنتشر في أرجاء بغداد وتتصدى لطائرات اميركا وحليفاتها فوق سماء بغداد، ورغم محدودية مدياتها إلا انها كانت على الاقل تمنع طائرات الغزاة من النزول والاقتراب من اهدافها.

وبسبب غياب الغطاء الجوي وسلاح الصواريخ، واجه أبطال المدفعية استحالة مادية للاستمرار بالتصدي للطائرات المغيرة .. كان عليهم التنقل المستمر مع مدافعهم من مكان الى آخر أكثر من مرة في اليوم الواحد لتفادي استمكان الطائرات المغيرة منهم. ولم يكن ابطال الجيش العراقي يغامرون بالاحتماء بالمناطق السكنية خشية تعريض أرواح الناس المدنيين لمخاطر القصف من عدو متوحش .. فيضطرون الى اختيار اماكن قليلة التغطية وبعضها مكشوف، وهذا كله كان يعوق أداءهم القتالي ويقلل من تأثيرهم الى حد كبير، اضافة الى محدودية قدرات مدافعهم التي تعود الى الثمانينيات وباتت خارج الخدمة حيث لم يتمكن الجيش العراق من اعادة التجهيز بعد الحرب مع ايران بسبب اختلال العلاقة مع الاتحاد السوفيتي المورد الأول لأسلحة الجيش العراقي بعد ان وقف العراق ضد غزوه لافغانستان.( يتبع في العدد المقبل).

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter