من كان يحب العملية السياسية فانها قد ماتت ومن كان يحب العراق فان العراق حي لايموتعبد الرضا الحميد

للعملية السياسية أضاحيكها وضحاكوها

ولها ظرائفها وظرفاؤها

مثلما لها مبكياتها وبكاؤوها

ولها مناحاتها ونائحوها

واني لارى رؤية عين ، احفادنا في مقبل العقود، يقرأون تاريخ العملية السياسية فيضحكون حتى يستحيل فم الواحد منهم في قفاه ، ويتداولون حكايات امراء هذه  العملية كما نتداول الان حكايات الشيخ نصرالدين جحا الرومي ، ولعل ابرز مضحكات هذه العملية اكاذيبها التي لا يسترها ساتر ولا يرتدى عليها ثوب، ومن اكاذيبها ان امراءها من اعلاهم الى ادناهم ، يتشدقون بأن لا سلطان على القضاء ، عدا سلطان الدستور ، وما من شيء في يومياتنا ، من خيوطها البيض الى خيوطها السود ، الا وتهرسه هرسا قوة السلطة وسلطة القوة ، وما من حول ولا قوة لدى سلطة القانون سوى الفرجة على الغربان التي تنهش (يافوخها) ليل نهار.

قالت العملية السياسية ان السيادة عادت في 30 حزيران 2004 وتسلم صكوكها مدحة المحمود من اللعين بريمر مشفوعة بضحكة عصماء من اياد علاوي ، ولم تعد السلطة، وظل السلطان الاقوى في بغداد هو السفير الاميركي وحده، وما سواه الا نقلة اخبار عنه ورواة.

وقالت العملية السياسية انها ستوزع الثروات على الشعب ووزعتها حقا بعدالة لا نظير لها على احزاب السلطة واترابها واصحابها وتركت للشعب الموت والجوع والتشرد والبطالة والتهجير.

وقالت العملية السياسية انها ستعيد النظر بالدستور بعد اربعة اشهر فقط من التصويت عليه، وخدعت الناس ولم تعد النظر به حتى والسنوات الاربع تنتهي ، وبلع المخدوع خديعته وسكت.

وقالت انها ستحفظ للعراق وحدته وتمنع العاديات عنه ، وتحول العراق بفضلها الى اسد جريح تبول عليه الثعالب.

ويوم ارادت ان ترفض اتفاقية الشؤم والمهانة قالت ان الذي يوقعها لا يدفن في مقابر المسلمين ولما وقعتها قالت انها ستخرج العراق من ولاية البند السابع ، وانها ستعرض الاتفاقية على الاستفتاء ، فصار الخروج من البند السابع دخولا جديدا فيه ، والاستفتاء صار محض سراب.

وقالت انها ستصون حرية الشخص وحرمة مسكنه فما صانت حرية ولا حفظت حرمة.

وقالت.. وقالت .. وقالت .. حتى عجز عن مجاراة اكاذيبها السلطان الاكذب

تقول الرواية التاريخية (في قديم الزّمان، عاش سلطان يحبّ الكذب حبَّاً جمَّاً، حتى سمي بالسلطان الاكذب، فكان لا ينطق بأية كلمة إلاَّ إذا تأكد من كذبها بل إنّه كان لا ينطق بحرف الصاد كي لا يذكّره بكلمة صدْق.‏

باختصار.. كان الكذب يسري في عروقه.‏

وذات مرّة.. أحسّ أن أكاذيبه أصبحت مكرّرة، فأعلن عن مسابقة للكذب ليرفع من سويّة كذبه، وجعل جائزة أكبر كذبة صندوقاً كبيراً مطعّماً بالصدف غير أنه لم يكشف عن محتوياته.‏

وحان موعد المسابقة، وتجمهر النّاس وأشار السّلطان للمتسابق الأوّل بالكلام، فقال:‏

ـ كنّا.. يا سلطان الزّمان.. ثلاثة، هاجَمَنَا المَحْلُ صرنا ستة، عاش من عاش ومات من مات، أصبحنا اثني عشر. ذات يوم ذهبنا إلى حمَّام السوق فانزلقنا في سواقيها، رجعنا ثلاثة، الأول أطرش.. الثاني أعور.. الثالث أعرج.‏

قال الأطرش: أنا أسمع صوت بعوضة في أعلى السماء.‏

قال الأعور: صحيح.. فعيني تراها.‏

قال الأعرج: هيَّا لنركض وراءها.‏

ركضنا.. فوجدنا برغوثاً يسلخ جملاً، وقفنا عنده، قلنا: ألا تعطينا فخذاً؟ قال حصّلوها وخذوها.‏

وحصّلنا الفخذ، وقصدنا عجوزاً مشطها في جيبها زيّن الله شيبها، قلنا لها: ألا تطهين لنا هذه الفخذ؟ قالت عندي طنجرة تأكل اللحم وتترك المرق، أعطيناها الفخذ، جئنا بالخبز، فتتناه في صينيّة كبيرة، دلقنا فوقه المرق، ورحنا نأكل بالمغارف، حتّى إننا لم نترك فيها لقمة واحدة.‏
ضحك السلطان فور انتهاء المتسابق من سرد كذبته، قال: أين الكذب؟ إنّك لم تذكر حتى كذبة ضئيلة بحجم رأس الدبّوس، هيا اذهب وافسح المجال للمتسابق الثاني.‏

وتقدم رجل أحمر الشّعر، يرتدي ثياباً ريفيّة، حيا السّلطان وقال:‏

ـ يا سلطان السلاطين، ذهبتُ البارحة إلى البيدر، فرأيت الفلاَّحين يحصدون البيض، يكوّمونه ويدرسونه قلت لنفسي: لماذا لا آتي بالجحش وأملأ خرجه بالبيض؟ أي والله.. ركضتُ مثل الريح، جئت بالجحش وملأت عِدْلَي الخرج بالبيض، ولحسن الحظ كان عِدْلاً الخرج مثقوبين، والبيض يقع على الأرض، ينكسر.. ويتحول إلى دجاج يركض ورائي، حتّى إنني عندما وصلت إلى البيت وجدت خلفي جيشا من الدجاج، فتحت له الباب (ادخل.. بيت.. بيت) دخل الدّجاج، نظرت إلى الخرج، وإذا ببيضة كبيرة، مددت يدي لأمسكها، وقعت وفقست جملاً، أنخت الجمل، وضعت عليه حملاً ثقيلاً، فانعقر سنامه، أخذته إلى البيطار، قال: ضع له قشرة جوز مكان العقر، وضعت له

القشرة، وإذا بها واذا بشجرة جوز كبيرة تنبت فوق سنامه فجأة وأزهرت وأثمرت، قطفتها فجمعت قنطاراً، لكن بقيت حبة جوز في رأسها، أمسكت طينة وضربتها، وإذا بالطينة تتحوّل فور ملامستها حبّة الجوز إلى أرض (حمرا نفرا ما فيها حشيشة خضرا) قلت: سأحرث الأرض. أحضرت مقلاعاً، وضعت فيه الثور ورميته، وضعت عُدّة الحراثة ورميتها، ثمّ وضعت نفسي ورميتها.
حرثت الأرض وزرعتها بالسمسم، مرّ أحدهم، قال: أخطأت، كان يجب أن تزرعها بالبطّيخ. قلت: بسيطة: سأزرعها بطيخاً، ناديت أولاد الجيران ورحنا نلمّ السمسم المبذور، وفور انتهائنا وجدته ناقصاً حبة، بحثنا عنها، هنا وهناك، وأخيراً وجدناها في فم نملة، أمسكنا الحبّة، شدّت شددنا، انعفست الحبّة فغرق أولاد الجيران كلّهم في بحر مائها، تركتهم وجئت إلى هنا.‏
قطّب السّلطان جبينه، نظر إلى الرجل بقسوة، قال:‏

ـ يا لك من رجل أحمق، الظّاهر أنّك لا تفهم الكلام، أنا أقول لك أريد سماع كذبة كبيرة، وأنت تسرد عليّ حكايات لا تحوي حرفاً كاذباً، هيا، استدر واغرب عن وجهي.‏

استدار الرّجل مكسور الخاطر، ومَثَلَ أمامه رجل لمّاع العينين:

ـ ايها السّلطان المبجّل.. عندي كذبة مُتَبّلة.‏

نظر السلطان إليه، قال: هاتِ أسمعني.‏

ـ احم.. احم، منذ ثلاثين سنة استدان والدكم السلطان الأعظم جرة مليئة بالذهب الخالص من والدي.‏

فتح السلطان فمه دهشاً، قال:‏

ـ ماذا تقول يا مجنون! والدي أنا يستدين من والدك جرّة مليئة بالذهب؟

ـ مولاي.. إن كنت كاذباً، فقد فزت وأصبح الصندوق من حقّي، وإن كنت صادقاً.. ردّ لي مال أبي
حكّ السلطان جبينه، وقال لنفسه: فِعلاً إنه لكذَّاب محترف، لكنه أبداً لن يكون أكذب من السلطان.‏
ثم صاح:‏

ـ هيه.. أنت، لقد فزتَ بالمسابقة، واستحققت لقب أكبر كذَّاب في البلاد، هيا.. تقدم وخذ الجائزة.‏
نظر الرّجل إلى الصندوق بعين حالمة، تراءت أمام عينيه صور اللؤلؤ والمرجان والفيروز والذهب والفضة و…‏

ركض نحوه فرحاً، نزع القفل، فتح الغطاء. و… شهق مذعوراً.‏

هرع الناس إليه مستفسرين، نظروا داخل الصّندوق، وقعت عيونهم على الحجارة والحصى، فشهقوا واجمين.‏

أمَّا السلطان.. فكان الوحيد الذي يقهقه، وكأن أحداً يدغدغ خاصرتيه.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter