من الشخصيات البغدادية : حسون الامريكي

أغلبنا قرأ عن حسون الأمريكي وطرافة شخصيته لكن الكثير منا لم يشاهد صورته — لاحظوا غرابة ملابسه وحذاءه أجلكم الله– هنا في الصورة أمام المستشفى الذي يعمل فيه مع مجموعه من الأطباء — حسون الأمريكي الأول من اليسار والذي أصبح مثلاً عند البغداديين يضرب لكل من يرتدي ملابس غريبة.

مِن الظواهر التي عرفتها بغداد – في الستينات – ظاهرة حسون الأمريكي كما لقبه البغداديون في ذلك الزمن .. وكان يشاهد عصراً في شارع السعدون حيث كان يمتطي دراجة سباق ويرتدي بنطلون شورت وقميص مزركش وخوذة واقية وجوارب مقلمة أشبه بجوارب لاعبي كرة القدم ايام زمان !
أحيانا كان حسون يتمشى عصرا مع كلبه مرتديا بنطلون جينز وقبعة كاوبوي وحذاءه المشهور المعقوف من الامام والذي كان يسمى (چم چم).. وأحياناً يظهر في الشارع مرتديا بنطلون فاتح اللون وسترة غامقة وحذاء قبغلي مع جوارب صفراء اللون !
ان تصرفات حسون الأمريكي كانت تعد تحدياً لذلك العصر وتظاهرة سلمية ، وبعد فترة سنوات اعتزل الناس هروباً من تعليقاتهم الساخرة والمؤلمة أحياناً ، ولكنه أصر على تحديهم لاعتقاده انه يتمتع بحريته الشخصية التي تساير العصر المتمدن .. وصار حسون الأمريكي من ظرفاء بغداد المشهورين وتناولت الصحف أخباره .
وحسون الاميركي هذا الرجل الوديع والمسالم الذي فرض حضوره على الجميع وجعل من شكل ملابسه محط انظار كل من يراه من الناس في الشوارع سبق عصرنا الحالي بعقود طويلة حيث كان يرتدي ما يحلو له من القمصان ذات المناشئ المعروفة بجودتها وجودة صناعتها من الاقمشة ومن بينها قمصان تحمل علامة”آرو “ وهي العلامة التجارية والممتازة آنذاك .
الكلام عن حسون الامريكي يطول بامتداد الشوارع التي كان يقطعها ويخرج على الناس كل يوم بشكل وزي جديد ، فقد ارتدى القمصان التي تحوي غابات افريقيا وقمصان ذات الوان صارخة لم يستطع غيره ارتداءها والمغامرة بالخروج بها وسط الشارع ،، وتنتصب على صدره قلادة والاكثر من هذا ان حسون الامريكي كان يسحب وراءه كلبه المدلل اينما حل .
لقد ساعد حسون في حصوله على هذه الملابس الغريبة من عمله في المستشفى مع الاطباء الذين احبوا بدورهم زيه ،وخطه في الحياة ،وكان حبهم له ممزوجاً بالسخرية التي كان يتقبلها حفاظاً على الهدايا التي كانوا يغدقونها عليه ،عند رجوعهم من الاسفار حتى ان بعضهم كان عندما يروم السفر الى خارج البلاد يرسل بطلب حسون ليسأله عن حاجته لكي يجلبها له من الخارج ولم يكتف حسون هذا بارتداء الازياء الغريبة فقط بل انه تعداها الى التصرف الغريب فكثيراً ما كان يسير في شوارع بغداد مستصحباً معه كلباً كان يستعيره من احد معارفه من الاطباء ممن كان يسكن في منطقته وكثيراً ما كان ايضاً يصعد الى الباص مستصحباً معه الكلب (ولف …دوك) ويقطع له بطاقة دفعاً لاستهجان الركاب فلما احس (الجابي) نفور الركاب واستهجانهم وتخوفهم من الكلب وراحوا يسمعونه الكلمات النابية لم يكترث حسون لكل ذلك وانما التفت الى الجابي قائلاً :انه خير منهم جميعاً .

ومن الاعظمية حيث مسكنه ينطلق ماشيا قاطعا شوارع العاصمة وكان يتحدث الانجليزية نوعا ما ويرطن بها حسب قدرته . يقال ان حسون الامريكي وبحكم وظيفته ممرضا كان يبدو نظيفا وانيقا ، وكان شغوفا بالاطلاع على احدث مجلات الازياء التي تصدر من دور الازياء العالمية التي كانت ترد الى العراق مع بقية المطبوعات الاخرى التي تعنى بالزراعة والطبخ وفنون الاتكيت .
وكان حريصا على متابعة الافلام الغربية التي كانت تعج بها دور العرض السينمائي ويؤكد البعض أن حسون الامريكي وبعد ان يخرج من الفيلم ومشاهدة احداثه يقوم بتقمص شخصيات ابطاله .
اما اختياراته لثيابه من حيث البنطلون والقميص فقد كان يختارها من افخم المخازن واكثرها شهرة وعراقة امثال”اورزدي باك “ و”حسو اخوان “ ومثيلاتها من معارض الالبسة آنذاك … وينقل عنه انه كان رجلا لا يحب العنف بل على العكس فقد كان موضع احترام الناس وبشاشتهم له حينما يلتقون به او يجمعهم مجلس معه، ويتمتع بروح النكتة البريئة بعبارة ادق كان رجلا خفيف الظل ، ويملأ جو الجلسات بقفشاته الجميلة وان الذي جعله على شكله وحاله هوم انه رجل اجتماعي وليس انعزاليا كما يقول ناس ذلك الزمن، وحينما يبادره احدهم بـ “صباح الخير” كان حسون يرد بـ” كود مورنينك ” باللغة الانكليزية !
وفي الفترة الثانية من حياته أي عندما تحسنت حالته المادية سافر الى العديد من البلدان الاجنبية وقد استغرب منه حتى اولئك الاجانب من زيه لانهم لم يتوقعوا رؤية عربي يقلدهم تقليداً كاملاً في لباسه .
ومن مواقفه الطريفة والغريبة ايضاً نذكر انه كان في زيارة احد اصدقائه من طلاب (دار المعلمين العالية) كلية التربية حالياً وعند جلوسهما في نادي الدار المذكورة طلب ان ياتي له عامل النادي (بالشاي والحليب) وما ان قدم له ما اراد طلب منه ايضاً ان ياتي له بقصبة كتلك التي يشرب بها الكثيرون الببسي كولا، واخذ يمتص عن طريقها الشاي والحليب ولم تمض لحظات حتى ذابت تلك القصبة لحرارة المشروب بين ضحكات الطلاب الذين كانوا قد التفوا حوله حال دخوه النادي واستغرابهم لعمله هذا .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter