مناحة مثل شعر رأسي

علي السوداني

 

هي هكذا في كل حين ، وقد تكون أحايين ، تقتنص اللحظة أو هي تقتنصك . أقصد لحظة الكتابة . لا تدري اي شرط يتسلطن عليك ، لذا لا عظيم فرق بين أن تكون أوانها في مرحاض مقهى ،أو سوق سمك ، أو زقاق حرامية ، أو حانة شواذ ، أو مخفر شرطة ، أو مشفى جذام ، أو مجمع عصاب ، أو موضع حرب ، تختل وتتخاتل في بطنه المسور بكدس رمال خداعة مكيّسة ، كما جرذ وقع في فخ وطني ، بمواجهة جرذ مضاد . لا شاسع ميزة بين أن تنزرع هنا في جحر أو كهف نيام ، أو هناك في سورة ياسمين ، أو قدام ثقب يستعير شكل العين ، وينفذ الى حمام نسوان ، تشوف عند محيط بركته المبخرة ، فخذاَ لابطاَ ، أو عانة مكنوسة ، او أثداء تنوش عتبة سرة غائرة ، أو أبطاَ مزروعة بزغب يحبو فوق أول السنين . تلك معضلة أزلية ، حمالة تفصيلات مملة او مدهشة ، لكنني الليلة لست في طور تدوين شهادة او مشاهدة على باب قبر طازج يكاد يصيح . تتكسرالفكرة الأبتدائية وتتلف ، وساعة تحين لملمتها ورصفها وصفّها ، تكون أنت قد تلفت وتكسرت وتحطمت روحك وانكنست ذاكرتك الخربانة ، وتأثثت بسكراب جديد . النساخون والوراقون والمدونون الأقدم ، كانت متاحاتهم أيسر ، فلا تفاصيل مدينية عظمى ، ولا جغرافيا حركة تشبه متاهة ، ولا ملوثات ، حتى تسهل الغزوة على جلد حيوان ، أو حائط كهف ، أو خوص نخيل ، وتنحط الى عتبة الهو الذي يعشقها ، والهي التي تعشقه ، فاما المسمى الهو ، فهو الذي مثلي ومثل بعيري ، وأما الهي ، فهي التي مثلك ومثل ناقتك . في باب تمام المكتوب ، حدثني صاحبي جعفر بن عقيل العمّوني بمجلس علم لا تسمع فيه ثرثرة ، وهو رجل من مقومي الحرف ومرممي الهفوة ، ومسوغي الزلة التي تتنزل من على رف الغلط المفيد ، وكنا عرضنا عليه بعض مخطوط  ، قال : اني أراك وقد استخففت بعلامات التنقيط ، وهي من مكملات رسم الكلم وتجميله وتعديله وتفهيمه وأضاءته . قلت : والله وحقك انما انا لست بمبحر في هذه اللجة اللجاجة ،  وفقهي هو على أعتابها ، أغوص مرة فلا افهم ،  وأتسطح ثانية ، فقد أعلم ، لكنني كفرت في زمن بعيد ، اذ قلت لقوم ممن يذوبون في شكل الكلم وتزويقه بالتنقيط وبالتحريك وبضبط أخير المكتوب ، أن دعونا – يا كرام يا واحدكم بحر علم – نضيف تلك المحسنات الى الأصيلات . قالوا فما المحسنات ؟ قلت : الحركات الضابطات لأواخر الكلم ، قالوا وما الأصيلات التي ذهبت اليها ؟ قلت : هن حروف البيان والتبيين والسحر الحلال ، كما انولدت على لوح خشب ابتدائي أسود ، بوساطة طبشور اليقين أول مرة . قالوا : هذا هراء ومضيعة للوقت وبدعة ، ما لنا بها صالح ومصلحة ، فالدنيا تكتب الآن وتقرأ ، ونحن نفهم ونصدق ونستأنس ، سواء كسروا أواخرها ، أو فتحوا أو ضموا أو نونوا  أو سكّنوا فنجوا من عثرة أو عثرات ، فأن مات الرجل المسكين – أمدّ الرب بعمرك – فالفاعل هو الرجل ، وان نفقت القطة ، وانتفخت وجافت ،  فقد سدت مسد الفاعل من القاعدة ،  وان ذهبت الى بغداد المحتلة ،  فقد نحرت حرف الجر ، وتزيّن دالها المحروس بفتح مبين أو فتحة مبينة ، وان قوّست العلم ، أي حبسته بين قوسين أو هلالين ، انتفت عنه شبهة وقوعه في غير منزله ونحوه وصرفه ، وهكذا دواليك على دواليها . قلت : يا ربعي وصحبي وصحابتي ، أنا ما قصدت هذه الحتميات السائغات طعومها ونزولها على الأذن بالسليقة وبالمران على موسيقى الكلام ،  انما كنت عثرت في مسائية غير مجنسة ، على قوم ، كتبة وكاتبات ، يكسرون ساق المنصوب ، ويرفعون يد الساكن ، واللغة تتوجع والأذن تنزعج ، والروح تنفر ، والحروف تتشرد كما شعب من سكنة نكبة ابدية . قالوا : أفتنا اذن يا جليسنا الذي اشترى بضاعتنا  وباعها علينا . قلت : لست على قدر وقدرة ودراية ودربة .  قالوا : فلم صدعت أمخاخنا ؟ قلت : لأفهم وأغرف منكم ما أجهل ، وتعلمون مني ما أعلم . قالوا لقد بلبلتنا أيما بلبلة . قلت : تصبحون على ما أحببتم وأشتهيتم . وأنتم – أحبتي – هل فهمتم شيئاَ مما ثردته الليلة فوق موائدكم ؟

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter