مكاتيب تسعيرة جديدة لدمع العراقيين علي السوداني

لا رقم موثقاً يحصي عديد المسيحيين العراقيين على وجه الدقة ، إلا أن الأرقام الأقرب إلى المعقولية هي أنّ عديدهم كان أزيد من مليون ونصف المليون قبل مجيء الغزاة الوحوش الأمريكان ، وقد انخفضوا الآن لما دون الأربعمائة ألف . لقد تعرّض هذا المكون الأصلي المسالم ، حاله من حال بقية رعية بلاد ما بين القهرين بعد غزوها وتحطيمها على يد أبناء العواهر وأحفاد سام وسامة ، إلى عمليات تطهير وتهجير وتفجير وقتل ممنهج ومدروس بخبث ودقة ، حتى وصل ببعض المتعوسين المنحوسين منهم إلى دفع ما يسمى بالجزية ثمناً لبقائهم مسجلين على ذمة الحياة والبلاد وبيوتهم الحلال . كانوا قبل حلول السنة المسخمة 2003 يعيشون ببغداد وأخياتها القائمات بأمن وأمان وما تيسر من شغل وكدٍّ وابداع . لم يُهجّروا أو يُقتلوا أو تفرض عليهم مسماة الجزية . لم تُفجر كنائسهم وتسبى نساؤهم . كانوا جزءاً فاعلاً من المنظر العراقي الشاسع ، في الفن والأدب والعلم والخلق والسياسة والجيش والتجارة والرياضة ، وكانوا كتفاً بكتف مع شقيقهم المسلم ، في الضحك وفي الوجع ، وأيضاً في رنّة الكأس بالكأس ، والإنصات الجميل البديع ببطن الحانة ، حيث كان كوركيس المسيحيّ يعشق أمّ كلثوم ومثله جليسه ونديمه عليّ ومثلهما كاكا حمه ومثلهم الصابئي وسمي أبو معن ، بل وحتى اليهودي الفقير صاحب النكتة الحاضرة اسحاق أبو الطماطة وزوجه ليلى ، وهذان كانا امتلكا دكاناً صغيراً في سوق البتاويين من أعمال بغداد العباسية وكانا أقرب إلى بارك السعدون منه إلى ساحة النصر وروافد دجلة . سنواتها كان أخي الأكبر يمتلك الدكان المطعم الوحيد المنحوت بجسد سينما بابل ، خزنة ذكرياتي الحلوة ، وكان اسحاق يزود مؤسستنا الاستطعامية الطيبة ، بالطماطة والخيار والبصل والبطاطا التي ينتقيها لنا بصنفين ، أحدهما للقلي والثاني لساندويجات البتيتة جاب ، وهذه من الأكلات البوارد التي كنا نسعد بطعومها ، زبائن السينما الراقين الجميلين ، ومن أخوات تلك اللفة المبروكة ، كانت ساندويجات الروست واللسان والكفتة والمخ ، وهذه لفّات من الصنف الذي تسميه الرعية الآن بالوجبة السريعة ، وكانت تؤكل في مدة الإستراحة أو الفترة بين عرض شيّق وهادىء لمقدّمات الأفلام والشرائط التي ستعرض من على شاشة سينما بابل قريباً أو قريباً جداً ، وقبل أن أهجر دفتر ذكريات الكائن اللطيف اسحاق أبو الطماطة ، سأذكر أنه كان يوزع بضاعته الطازجة بوساطة بايسكل أبو السلة ، وبذلك اشتهرت الوصلة المحشورة بين يسار سينما بابل ويمين سينما النصر ، ببايسكلين هوائيين ، ثانيهما سيكون للكائن المسيحي المصنوع وجهه من ضحكة عملاقة واسمه وكنيته صبحي السمين ، مالك الكشك الصغير القائم في استراحة أبو التسعين ، من ثنيات وأعمال سينما النصر الكبيرة . كان مرور صبحي ممتطياً دراجة هوائية مترنحة تريد أن تصيح اشتروني أيها الرحماء ، مثار تندر وقفشات وطرفٍ حتى يكاد الشارع كله يتحول إلى دكة مجانية لإنتاج الضحك والحب والسلام . أكاد أسمع اللحظة واحداً منكم أو واحدة منكنّ وهي تموسقُ على مسمعي المستفز عرب وين علّوكي وين . لقد افتتح الفتى مكتوبه بحيرة الناس في زمان الوسواس الخناس ، والآن صار يثرد بجنب الصحن ، لذا سأعود إليكم نادماً مستعجلاً وأطعنكم بقولة أن عقد البلاد اللؤلؤ العليلة المعطوبة الراكب فوق قلبها ألف احتلال واحتلال ، قد انفرط ولن يعود ، وسيكون مما يشفي الأفئدة والصدور ، أن أعيد وأجدد وأصقل العبارة التي زبدتها تفيد بأنّ البرابرة الحرامية الهمج الوحوش الأوغاد الأنذال ، ما دخلوا بلدةً إلا أفسدوها وأمرضوها ونصّبوا حراميتها وشواذها فوق رأس الرعية الدائخة المهانة المجروحة ، وآخر مخازيهم كانت في نشرهم لقائمة عملية جديدة تحتوي على تسعيرة نهائية لدمع العراقيين ، وقياسهم في هذا التثمين هو جذر العراقي الرافديني ، دينياً وأثنياً وعرقياً ومذهبياً وفكرياً ، فلكل دمعة سعرها وعزاؤها

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter