مفهوم الحاجة والإشباع في الفكر الاشتراكي الجماهيري

يمثل الفكر الجماهيري كلا متكاملاً ومترابطا يتناول الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الاشتراكي الجماهيري .. فليست هنالك ديمقراطية في مجتمع تتحكم القلة في ثرواته ومقدراته السياسية والاقتصادية ، والديمقراطية تقتضي أن تكون الثروة بيد الشعب ليصبح هو صانع القرار . وليست هنالك اشتراكية في غياب الديمقراطية وسلطة الشعب . وكذلك لا يمكننا تصور مجتمع جماهيري تسوده الديمقراطية والاشتراكية ويقوم صراحة في نفس الوقت على التمايز الاجتماعي والقبلي وتسوده القيم المتزلفة للتجزئة الطبقية . التكامل والترابط بين الفصول الثلاثة للنظرية هو الذي يكسبها القوة وهو الذي يعطيها قابلية الاستمرار في الحياة والحركة العنصر الرئيس للفكر الجماهيري يكمن في أنه فكر إنساني لصالح الإنسان المعاصر في كل مكان بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه .. فالجميع في العالم المعاصر شركاء في المعاناة والقهر الاستعباد والنظرية الجماهيرية حلول جذرية تستهدف القضاء على الاستعباد الذي يتعرض له الإنسان وتحريره من قيود التحكم والوصاية والهيمنة على مقدراته سياسياً واقتصاديا واجتماعياً .

الحاجات الإنسانية والإنتاج:

(إن غاية المجتمع الاشتراكي الجديد هي تكوين مجتمع سعيد ، لأنه حر ، وهذا لا يتحقق إلا بإشباع الحاجات المادية والمعنوية للإنسان ، وذلك بتحرير هذه الحاجات من سيطرة الغير وتحكمه فيها ).

 وكما هو معروف فإن الهدف الأساس والطبيعي من النشاط الإنساني منذ الأزل هو إشباع الحاجات الإنسانية ، فما هي هذه الحاجة وأين مصدر نشوئها؟.. وكيف يتم إشباعها .. وما علاقة الحاجة وإشباعها بالنشاط الإنتاجي للإنسان ؟.

مفهوم الحاجة :-

الحاجة هي الشعور الطبيعي لدى الإنسان بنقص شيء ما ، هذا الشعور ناتج عن التنظيم البيولوجي والسيكولوجي لدى الإنسان وعلاقته بالظروف الطبيعية والاجتماعية المحيطة به .

 إن حاجات الإنسان البيولوجية الأساسية هي الغذاء والكساء والنوم ، وغيرها.. وتمثل هذه الحاجات أساس نشاطه واحتكاكه بالعالم الخارجي المحيط   به .

 ويفسر علم النفس نشوء وإشباع الحاجات البيولوجية على النحو التالي :

إن جذور الحاجات الأساسية تكمن في التركيب الكيميائي للخلايا الحية لجسم الإنسان والضرورة الفسيولوجية لإشباع هذه الحاجات يمكن تفسيرها كونها تطلعاً أصيلاً لدى الإنسان ، فإن لم يجر الإشباع لفترة طويلة يشعر الإنسان بحالة من التوتر المؤلم ، فالإشباع هنا هو شعور يصاحب الارتياح بعد حالة التوتر والألم .

إن اتساع مفهوم الحاجات يمكن فهمه وتفسيره بشكل مختلف طبقاً لأي فرع من العلوم يهتم بهذا الموضوع ، ففي الفترة الأخيرة وخاصة بتأثير الفلسفة وعلم الاجتماع أضيفت حاجات أخرى للحاجات الإنسانية عدا الحاجات البيولوجية المعروفة فقد جرى التأكيد على حاجة الراحة والطمأنينة وحاجة المعرفة ، وحاجة العلاقات الاجتماعية وحاجة الشعور بالاستقلال وامتلاك الحرية ، وحاجة المشاركة في اتخاذ القرار …إلخ.

الحاجات تنشأ إما في الإنتاج ، وذلك بظهور أنواع جديدة من المنتجات والخدمات وهنا نتحدث عن الجانب الموضوعي لنشوء الحاجات ، أو في الشعور الباطني في خيال الإنسان ( ويختلف هذا من شخص لآخر طبقاً لصفاته وميزاته الشخصية ) .. وهنا نتحدث عن الجانب الذاتي للحاجات أو عن الحاجات المشروطة ذاتيا.

ومما سبق ذكره نرى أنه من المهم معرفة أن طبيعة الحاجات وتشابكها وتعقدها هو موضع اهتمام عديد الفروع العلمية ، علم النفس ، الاقتصاد ، التربية … إلخ ، ومن المهم أيضاً معرفة أن هنالك ترابطا بين الجوانب البيولوجية والاجتماعية في الحاجات الإنسانية ، فالجوع على سبيل المثال يكون ذا صلة وثيقة في المجتمعات الحديثة ، بطريقة أو طرق معينة لتحضير الغذاء وطريقة تقديمه وبوجود المحال المتخصصة بتقديمه .

إن موقف الاقتصاد من الحاجات وإشباعها بخلاف الفهم الفلسفي لها محدود نوعاً ، والمحدودية هذه ناتجة عن طبيعة الاقتصاد ونزعته إلى إخفاء الصفة والطابع الكمي للأشياء.. ، فالاقتصاد يختصر الحاجات الإنسانية غير المحدودة على الحاجات التي يكون إشباعها مشروطاً ومرتبطاً بصورة مباشرة وغير مباشرة بالنشاط الإنساني ، بالعمل الإنساني المبذول.. وهنا أيضاً يكمن الخطر في التصورات غير السليمة في تقليص الحاجات إلى حاجات استهلاكية فقط ، وإهمال العلاقة بين هذه الحاجات الاستهلاكية وحاجات تحقيق الذات الإنسانية الأكثر تعقيداً .

وفي عملية الإنتاج ومن الناحية التاريخية يغير الإنسان شكل وطريقة إشباع الحاجات الأساسية وفي نفس الوقت يخلق حاجات جديدة ، مادية وثقافية واجتماعية .

إن الاقتصاد ينطلق من مفهوم إن الحاجات تنشأ على أساس تطور الإنتاج ، وبالعكس فإن الإنتاج يتطور نظراً للدوافع الناتجة عن الاحتياجات وضرورة إشباعها ، أي الاستهلاك بالدرجة الأساسية .

 والاقتصاد لا يفرق في درجة ونوعية إشباع الحاجات كعلم النفس – على سبيل المثال – ، وليس لديه الوسائل الدقيقة لقياس درجة الإشباع ، فيما يخص الحاجات من السلع والخدمات التي يمكن قياسها عن طريق طلب القوة الشرائية وقياس إشباعها ويتم عن طريق إجمالي المعروض من السلع والخدمات والمؤشرات الاقتصادية للمبيعات .

إن إمكانات الاقتصاد أقل من هذا بكثير بالنسبة للحاجات المعنوية الاجتماعية ، حيث يعتمد في قياسها على نتائج العلوم الأخرى كالاستبيانات واستطلاعات الرأي العام … إلخ .

وكما ذكرت في البداية فإن الفكر الاشتراكي الجماهيري يؤكد وبحق بخصوص إشباع الحاجات بأنه مشروط بتحرير هذه الحاجات من سيطرة الغير وتحكمه فيها ( إن إشباع الحاجات ينبغي أن يتم دون استغلال أو استعباد الغير ، وإلا تناقض مع غاية المجتمع الاشتراكي الجديد ) فللإقتصاد حدوده الناتجة من محدودية مصادر ثرواته والحاجات بحد ذاتها وفي تطورها لا تعرف الحدود ، ولكن مجموع الإمكانات المادية لإشباعها محدودة في الزمان والمكان المعينين .

 ويجرى تصنيف الحاجات طبقاً لمعايير عديدة منها ، نوع الحاجة وأهميتها (الأولوية ) وطريقة إشباعها .

 ومن الممكن تقسيم الحاجة إلى مجموعتين كبيرتين :

 – الحاجات المادية الطبيعية : الغذاء ، المسكن ، الكساء ، الرياضة .

– الحاجات الاجتماعية ( معنوية ) وتتضمن العمل : التربية والثقافة .. إلخ .

ومن الضروري التأكيد على أن المجموعات المذكورة من الحاجات لا تنشأ ولا توجد منفصلة بعضها عن بعضها الآخر ولكنها مرتبطة ومتشابكة .

 الإنتاج والمجتمع الإنساني :-

إن الناس انطلاقاً من ضرورة إشباع حاجاتهم الحياتية مضطرون إلى اتباع نشاط خاص قد يكون نشاطاً إنتاجياً ، ولكي يحصلوا على الوسائل الضرورية للحياة عليهم لإشباع حاجاتهم تلك ممارسة الإنتاج ، وللإنتاج في حياة المجتمع الإنساني دور أساس فهو الشرط الأساس للوجود الإنساني ، فبدون الإنتاج لا يمكن تصور حياة أو وجود المجتمع الإنساني ، وبالتالي إشباع حاجات الأفراد المتزايدة ، كما أن الإنتاج هو العنصر الموجه في حياة المجتمع ، فجميع مجالات حياة المجتمع مرتبطة ومعتمدة مباشرة أو بصورة غير مباشرة على حالة الإنتاج وعلى هيكل الإنتاج وبالتالي فتطور هذه المجالات يعتمد على الإنتاج وتطوره (العلم ، الثقافة ، السياسة …. إلخ).

ونظرة إلى التاريخ الاجتماعي نرى أن الإنتاج لا يراوح في مكانه ولكنه يتطور باستمرار . وانطلاقاً من المكانة الرئيسة للإنتاج في عموم حياة المجتمع يمكننا استنتاج أن تطور الإنتاج هو القاعدة الأساسية للحركة المستمرة للمجتمع من الأشكال البدائية لوجودها إلى أشكال أكثر تطوراً . وهكذا فإن تطور الإنتاج يعني أيضاً أن عملية إشباع الحاجات لا تبقي ثابتة في مرحلة ودرجة معينة وإنما تتسع دائرة الحاجات والاحتياجات الإنسانية بتطور الإنتاج وهذا يعني أن المجتمع الإنساني يجدد ويعيد إنتاج الشروط الضرورية لوجوده وفي مجال أوسع من السابق ، وهذا مرتبط مباشرة بتطور الإنتاج . فكل درجة جديدة أعلى في مستوى الإنتاج تعني ليس اتساع حجم المنتجات المتوفرة من ناحية الكم فحسب وإنما ظهور منتجات جديدة أيضاً . وبالإضافة إلى ذلك فإن النشاط الإنتاجي يؤثر على الإنسان نفسه فالإنسان يطور إمكاناته وخبرته ومهاراته في العمل وتتطور أيضاً احتياجاته ، وحاجات الناس مشروطة اجتماعيا وتنشأ وتتطور بالعلاقة مع الإنتاج وتطوره ، إن تطور الإنتاج المتزايد والمستمر يقود إلى اتساع مجموعة الحاجات لدى الناس ، وإلى تنوعها وهنا نلاحظ ما يسمى بالتطور الحضاري.

 إن جوهر الإنتاج بغض النظر عن شكله الاجتماعي هو عملية تحدث بين الإنسان والطبيعة يعمل الإنسان بنشاطه وجهده على استبدال وتغيير وتبادل   الأشياء بينه وبين الطبيعة ، ونتيجة لهذا النشاط أو التأثير يكيف المواد المتوفرة في الطبيعة بشكل يحقق إشباع بعض حاجاته .

 إن هذه العملية تسمى العملية الإنتاجية (واذا حللنا عوامل الإنتاج الاقتصادي منذ القدم وحتى الآن ، ودائما نجدها تتكون حتما من عناصر إنتاج اساسية ، وهي مواد إنتاج ، ووسيلة أنتاج ، ومنتج ) هذه الجوانب الثلاثة تعتبر شرطاً أساساً لتحقيق العملية الإنتاجية .

– نحو تطبيق مقولة (شركاء لا أجراء )

تقسم قيمة المنتج النهائي طبقاً للفكر الاشتراكي الجماهيري إلى ثلاثة أقسام بغض النظر عن شكل وغرض استعماله .

 (إن المنشأة الصناعية الإنتاجية قائمة على مواد إنتاج وآلات المصنع وعمال ، ويتولد الإنتاج من استخدام آلات المصنع بواسطة العمال في تصنيع المواد الأولية ، وهكذا فالمواد المصنعة الجاهزة للاستعمال والاستهلاك مرت بعملية إنتاجية ما كانت لتحصل لولا المواد الخام والمصنع والعمال، بحيث لو استبعدنا المواد الأولية ، لما وجد المصنع ما يصنعه ، ولو، استبعدنا المصنع لما تصنعت المواد الخام ، ولو استبعدنا المنتجين لما اشتغل المصنع ، وهكذا فالعناصر التي هي ثلاثة في هذه العملية متساوية الضرورة في عملية الإنتاج وبدونها هي الثلاثة لما حصل إنتاج ).

(والقاعدة الطبيعية في هذه الحالة أن يتم تساوي حصص هذه العوامل الثلاثة في الإنتاج ،أي إن انتاج مثل هذا المصنع يقسم على ثلاث حصص ، ولكل عنصر من عناصر الإنتاج حصة ).

وبخصوص مقولة الفكر الجماهيري (شركاء لا أجراء ) يتضح لنا مبدآن أساسان:-

 الأول ينص على ضرورة اتباع القاعدة الطبيعية للمساواة بين حصص عناصر العملية الإنتاجية .

 أما المبدأ الثاني الذي لم يؤخذ بعين الاعتبار لدى كثير الباحثين عند تناولهم مقولة (شركاء لا أجراء) بالدراسة فهو الذي يؤكد على ضرورة الأخد بعين الاعتبار مبدأ الحاجة ، عند توزيع قيمة الناتج النهائي . ويؤكد الفكر الجماهيري على المبدأ ، حيث يؤكد ( إن ماوراء إشباع الحاجات فهو يبقى أخيراً ملكا لكل أفراد المجتمع ) إن المجتمع الاشتراكي الجماهيري الذي يمتلك فيه الشعب السلطة ويمارسها عن طريق مؤتمراته ولجانه الشعبية هو الذي يقرر عن طريق مؤسساته تلك اتجاهات ونسب توزيع الزائد عن الحاجة في الحصص الثلاث انطلاقاً من :

 – إيجاد التوازن الضروري لتطوير قطاعات الاقتصاد الوطني .

 – تنفيذ الأهداف الاقتصادية – الاجتماعية المرسومة لتطوير الإنتاج وبالتالي تأمين وإشباع احتياجات المواطنين سواء المادية منها أو المعنوية .

 فالزائد عن الحاجة إذن في الحصص الثلاث يمكن أن يخصص للتوسع وتطوير الإنتاج في المؤسسات تلك أو في مؤسسات جديدة من مصلحة المجتمع انشاؤها أو للايفاء باحتياجات المواطنين في قطاعات أخرى.

الخاتمة

 إن الحاجات المادية المآسة والشخصية للإنسان تبدأ من الملبس والطعام حتى المركوب والمسكن ولابد أن يملكها الإنسان ملكية خاصة ومقدسة ، ولا يجوز أن تكون مؤجرة من أي جهة

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter