مظفر النواب … عليات الأسباب والشعر أبعدُ من الواقع

قيس مجيد المولى

 

يقدم النواب في العديد من نصوصه الشعرية أنماطاً تأثيرية ضمن طبيعة ذات جدية أعمق وأكثر في إستكمال خطابه الإسترسالي والذي يأتي ضمن حلقات متوالية تشيد بعضها البعض القدرة على التحكم بأنسيابية صوت الكلمة والطاقات التي تحشدها الجملة الشعرية ،

وهي أحدى طرق المناشدة والإستفهام وطرح الأسئلة يجريها النواب مع الطرف الأخر حين يسلط قدراته الباطنية والتي هي مجموعة من الذكريات الحزينة يسلطها على مؤثرات نطق بها الأخرون عبر زمان ما وأمكنة لم يرويها أحد إلا بطريقته فالنواب لايعني بالوصف الملحوظ الذي يشكل سياقا بيانيا للإستذكار بل تراه يعني بالرمزي الذي يعبر عن أكثر من دالة وبهذا فهو يضيف لمتلقيه فيضا من الإنسجامات مع الرائحة والظل والصوت ليتمم بهذا الفيض قدراته اللاقطة ونوازعه التي يوجهها إلى الأماكن الدفينة ليبدو أكثر إبتهاجا في حزنه الذي ينطق به فهو يصالح السواد المعتم مع البريق ويحرك قوانينة بالتضاد مع الحركات الخارجية للعالم ناهيك أنه لايسعى إلى خرافة ما كي تتبنى مواضيعه إذ طالما يتقصى

أسبابه لا بالرد بأجوبة عليها بل بكيفية تشكلها وهو يحثها أن تسلك ماتراه حين تتفقد مفرداته (القهر – الريل – العرس – القطا- جنح- غنيدة – صويحب – المنجل .. وغيرها من المفردات ذات التأثير النفسي )وهذه مفردات تشكل أصلا حيوية مكانية وزمانية

ولها إستخداماتها الخاصة للبعد المأسوي الذي ترتب وفق الصراع الذي كان سائدا في عملية الأنتاج مابين المالك والمملوك وضياع حقوق وحرية الإنسان التي لم يظفر بها النواب لا في وجوده في تلك الأجواء ولا في غربته ،

لذلك فأن علاقات النواب الشعرية تدور حول تلك العلاقات الجدلية التي يتحسسها المكون الإنساني ويتخذ من رمزيتها الأمل في إستكمال حاجاته وتلك الحاجات سواء كانت أسرية أم حاجات نفسية خاصة أم أحلام غير قابلة للتحقيق فأنها بشموليتها تشكل البيئة التي يتقصدها الإنسان ويحس بالطمأنينة إليها أي أن النواب حين أقام تلك الأصرة في التعبير عن الحاجة للحب والحنين وللمكان المقصود بالمعنى

فهو كان يرد في نصوصه إلى تلك الأخيلية التي تتوحد عذوبتها في نبرة الكلمة وفي مساحتها العاطفية والغير مقدرة

وكأنه يرى في كل إنسان إنسانا جوهريا وهو يعتقد بأن وظيفته الشعرية أمنه مادامت موجوداته ضمن تلك الرؤيا

تسعى لتحريك أكثر لتلك الموجودات وقد تم ذلك وكأن النواب

وفر بنفسه لنفسه ذلك الشاغل العاطفي الذي أراد الناس التعبيرعنه ولكن كان هاجسهم  أين ومتى ربما بالإعتقاد بطبيعة أرحم أو بنظام إنساني ذا مقدسات أو بديلا لايدركون قدراته الإستيعابية لفهم نوازعهم وخلجاتهم ،

أن نصوص النواب تجمع في شكلها الظاهري ذلك البعد الإغترابي التي تشكل الحياة اليومية جزءا منه وهوبعد غني بالتراث والتقاليد التي يصل غموض العاطفة بها حد الدمار

بسبب المفاهيم الأجتماعية السائدة أنذاك لكنها لم تشكل للنواب في بعدها الشعري غير طريقا للولوج إلى مضامين رائعة ومحيرة ورغم تلك الوجدانية فهو لايفتح أبواب الجنة بل يحفزهم على إدراكها في نصوصه قبل الولوج إليها وبذلك ولربما يكون قريبا من مفهوم الفردوس المفقود في الشعر لأن نصوصه لم تخلو من الإشارات الكونية وأن كانت بشكل مقتضب وهذا ماقد أفاد النواب كثيرا لأنها نأت عن الطيف الغيبي ولم ينشغل بالفكرة للإحاطة بقصديتها بل بدرس خطابها وبعدها الذي يمكن أن يتقدم بها لأشياء جديدة ،

إن وحشية الحزن لدى النواب وحشية قاتلة كونه يفقه مسميات الحزن والفجيعة والموت وسلب الإرادة لذلك تراه يبادل الأدوار بين تلك المسميات تداخليا في مجادلات الجذب اللاعقلاني وفي عليات الأسباب تحت وافر من المتناقض الإستخدامي لأعطاء الحالة الشعورية مجالها الذي يصعب التحكم به أو الإحتكام إليه مادامت رؤيته أن الشعر من الواقع لكنه ممثل لأبعد منه

نعتقد أن العوامل التقديرية لدى النواب خالية من التلاشي كونه يبنى نصوصه على قدر محكوم لحركة الأشياء وهي من الناحية المنطقية تعني تميزا ما في المدرك العقلي الذي يشتغل على مفهوم الوعي التخيلي وهذا بدوره يعمل على أنتاج الصور المركزة التي تعبر بشمولية طاقتها عن الغرض الشعري ربما ضمن مايرويه من حكايا أو ما يعرض من قبل شخوصه بشكل تداعيات أو بشكل حوار مباشر بدلالات إسقاط شئ من الحدث الأني على الحدث المعلوم بدلالة مايساهم به المعنى الخاص المنتج من تلك التداعيات وبقدر ذلك تُغنى القيمة التفسيرية للجملة الشعرية بفعل قدرة النواب على تحريك التعاطف الأنساني بما تحتفي به نزعات المتلقي من الإرسالات الشعرية ذات الدوافع الكثيرة  التي لايدها إنطباع شكلي  أو عينة فنية معينة وهذا وبلاشك تكمن قيمته بمقدار خاماته الإنفعالية وأفراطه نحو نزعات التحرر والوطنية بالشكل الذي تكون إرادته واضحة في مغزاها فلا أزدواجيه في يقينة ولا مأرب في صوته الشعري ولاخوف في مضمونه الصريح مادامت الأبعاد الجمالية تؤطر إشتغاله على أي من المساحات وأي إفتراق بالأبعاد ،

في مقابل ذلك أن النواب مَلكَ في نصوص أخرى من نصوصه حسيات البيئة وتعامل بها بما يتدفق من خواطر ووجدان المجتمع العراقي في جنوبه فرفع من قيمةالمتداول أنذاك من المفردات الدارجة وأحلها ضمن منظورة البياني ويقينه بمفاهيم الحداثة الشعرية وضعها  ضمن إستخدامات جديدة فأغتنت اللغة بما كان يقدم من سحر بياني ليغتني اللفظ وليقاس كل شئ بعد ذلك بنقيضةالمستحدث وليس نقيضة المألوف فالعطش عند النواب لاعلاقة له بالتوق إلى الماء والمكوث أو الحضور ليس من الضرورة أن يكون حضورا مباشرا أو حسيا

بل بما كان يفهم من تقدير لتلك العلاقات السامية مابين الأخر والأخر دون الولوج إلى أشارات الجسد والرغبة والسرير وغيرها التي تسيدت العديد من القصائد في الشعر العربي ،

هذا المدخل العاطفي ضمن الشعر العفيف لم يظهر لدى النواب بشكله الصارخ ونعتقد أنه أراد فعل ذلك لأن أدواته وكياناتها مشحونة بعاطفة عالية ولاشك أنها تحتوي على أغراض لذة باطنية لكنها لذة غير مكشوفة

لا بمفرداتها المستخدمة ولابين سطور أغراضه الشعرية

فيبدو ان النواب ينتمي إلى مفهوم اللذة في الجمال وليس الجمال في اللذة أي أن ليس كل جميلٍ يستطع الوصول بالمتلقي إلى طاقته القصوى ليتم التعبير عن شجونه من خلال ذلك بما يرتأي أي أن الجمال مفهوما مطلقا واللذة هنا مفهوما شخصيا حين يصله الأخرون عبر عملية التسامي مع مايكتب مع ماأعجبوا به وأثارهم عندها تتحق الصلة العضوية وتتحقق مفهوم المنفعة الروحية

التي تصاحبها فيض من الإشباع المنتج ضمن المناوبة في فحص المرسل من المخيلة أو من العقل ،

أن عملية المصالحة مع الكون كأحد وظائف الشعر لايأمها النواب في مجمل نصوصة وذلك بسبب حساسيته المفرطة وشعوره العميق بما عليه الواقع وأن تلك الحساسية المفرطة وذلك الشعور العميق هما اللذان أعطياه الصفات التي ذكرناها عنه ،

 فالشعر نعتقد في قرأتنا للنواب تأثير مؤثر للغاية في قول أشياء كثيرة ضمن حدين مناوبين من الإبتهاج والسخرية وكلاهما يأملان في شئ ما بدون تبرير للماضي أو قناعة مطلقة بالغد

مادامت هناك مطاولة وجدية كبيرة في الولوج إلى عوالم مختلفة كي تقع الحياة أسيرة الشعر والنواب أراد ذلك وليس العكس ،،

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter