مذكرات السيدة تحية كاظم زوجة الزعيم الخالد جمال عبد الناصرلماذا حقق رئيس الوزراء الملكي المصري مع جمال عبدالناصر بنفسه وسحب منه الاسلحة؟ – الحلقة الثانية

فى أول مارس سنة 1949 اتصل جمال بالتليفون وقال إنه موجود فى العريش وسيحضر فى خلال أسبوع.. وطلب أن أذهب لأخى فى الصباح ليكلمنى.. فكانت الفرحة العظيمة، وذهبت وكلمنى جمال وسألنى عن هدى ومنى ووالده وأشقائه وقال: أريد أن أكلم الوالد غدا.. فذهب معى لأخى وكلم جمال وكانت فرحتنا لا تقدر وقال لى: سأكلمك كل يوم فى نفس الموعد حوالى الثامنة صباحا حتى أحضر.
وفى يوم 6 مارس سنة 1949 فى المساء حضر جمال من الفالوجة.. وكانت الفرحة التى لا أقدر أن أعبر عنها، وكان أشقاؤه قد حضروا من إسكندرية. وعند وصوله عرف الجيران والناس فى المحال القريبة من منزلنا.. والكل كان يعرف الفالوجة والحصار ويريد أن يصافح العائدين منها ويحييهم.. فكانت هيصة أمام البيت.
بعد أن استراح قليلا نهض وقال: سأخلع الملابس الرسمية وألبس البدلة العادية.. لقد أوحشنى اللبس العادى، ثم سأل: أين البولوفر الذى اشتغلته لى؟ وكنت قد اشتغلته وجهزته وعلقته فى الدولاب فأحضرته له فأعجبه لونه ولبسه.. وكان أول لبس جديد بعد رجوعه.. ثم قال لى: سأخرج ولن أغيب فسأذهب للقشلاق وأرجع بسرعة.
كان قد مضى عليه خمسة أشهر لم يرنا.. هدى ومنى تغيرتا وكبرتا.. منى كانت لا تتكلم إلا القليل تعلمت الكلام، وهدى زاد كلامها وفصاحتها.
وطبعا كان الزوار يحضرون بكثرة، وكذلك الأقارب من إسكندرية والصعيد، وكانت الإجازة لمدة شهر. كنت أخرج معه ونذهب إلى السينما، وكان وقتها المعرض الزراعى الصناعى.. ذهبنا وقضينا اليوم كله هناك نتفرج على المعروضات وتناولنا الغداء. قابلنا ضابطا من معارفه كان متزوجا حديثا من أسبوعين، سلم علينا وقال: لسنا وحدنا فى شهر العسل بل أنتم أيضا.. وضحكنا.

الانتقال إلى بيت جديد

فى الأسبوع الأخير من شهر مارس قال لى جمال: قابلت ضابطا أعرفه رتبته كبيرة يملك فيللا فى كوبرى القبة، وبنى دورين جديدين فوق الدور الأول، والدور الثانى فاضى.. ففكرت نعزل ونسكن فى كوبرى القبة. رحبت، فقال: سأذهب لأرى البيت، وذهب مع الضابط ورأى المسكن وقال: إنه لا بأس به فلتذهبى معى وتشوفيه.. فقلت: مش ضرورى أشوفه ما دام عجبك، فلنعزل.. وكوبرى القبة مكان هادئ والدور الثانى السلالم له سهلة. وكنت مقتنعة بأنه أحسن من البيت الذى نسكنه، ولم أذكر له شيئا عن رغبة صاحبة البيت فى أثناء غيابه، وكانت قد حضرت لتهنئتنا بسلامة رجوعه من فلسطين وحدثته عنى وقالت له الكثير من المديح والثناء.
وفى آخر شهر مارس سنة 1949.. أى فى نفس الشهر الذى رجع فيه جمال من الفالوجة انتقلنا إلى البيت الجديد فى كوبرى القبة. وقبل مغادرتنا البيت حضرت صاحبة البيت وكانت تسكن بجوارنا ــ يعنى جيران وهو ملكها أيضا ــ وكانت متأثرة وبكت وقالت لى: لقد قلت إنك ستتركين البيت عند رجوع حضرة الصاغ جمال وها أنت ذى تتركينه. وسلمت علىّ بحرارة وهى تبكى.
ذهبت مع جمال وهدى ومنى للبيت الجديد.. وكنت أول مرة أراه كما حدث فى البيت الأول، وأعجبنى جدّا. والبيت مبنى بحيث يكون: البدروم، ثم الدور الأول، والثانى مسكننا، ودور ثالث.
ونظام الأبواب الثلاثة كالبيت الأول مع اختلاف إذ لا يوجد باب يوصل لحجرة السفرة كالبيت السابق، فالباب الثالث على الشمال يوصل لمدخل صغير للمطبخ. والبيت مكون من خمس حجرات منظمة كالآتى: حجرة السفرة ملحقة بحجرة الصالون بدون باب ولها باب على الصالة، والحجرتان تطلان على الشارع.
الصالون به فراندة مستديرة على ناصية البيت ترى الشارع العمومى.. شارع مصر الجديدة، وترى الباص والترامواى والكوبرى الذى يمر تحته المترو أمام المستشفى العسكرى فى ذلك الوقت.. وهى الآن الكلية الفنية العسكرية. أرى الشارع بوضوح إذ بيتنا الثالث فى الشارع بعد فيللتين صغيرتين ولكل فيللا حديقة. حجرة المكتب ملحقة بالصالة بدون باب أيضا وبها فراندة وشباك فى مواجهة الصالة يطل على حديقة المنزل الذى يلى منزلنا، وأرى الشارع أيضا، وفى الناحية الأخرى حجرتان للنوم.
كان جمال يحكى لى عن الوقت الذى قضاه فى الحرب وعن الحصار فى الفالوجة وقال: كانت هناك طفلة كنت أحب أن أكلمها تذكرنى بهدى وفى عمرها، وفى ليلة شعرت بحزن وقلت كيف حال تحية الآن وهدى ومنى؟ ولم أنم.. وكيف كان الرصاص والقنابل تتساقط حوله ونجاه الله، وقراءته للمصحف عدة مرات وتأديته للصلاة، وكيف كان يرسل لى الخطابات مع أحد العرب، ويدفع كل ضابط مبلغا ويصل ما يتقاضاه العربى إلى خمسين جنيها.

إبراهيم عبدالهادى يستجوب جمال

انتهى الشهر الإجازة ونقل العائدون من الفالوجة ــ وهم ثلاث كتائب ــ كل كتيبة فى بلد. وكانت الكتيبة السادسة ــ وهى التى بها جمال ــ نقلت للإسماعيلية، وهو أركان حرب الكتيبة. قال لى: لا يوجد هناك مكان لسكن عائلات الضباط، والمكان عسكرى فقط، وسوف أذهب وأحضر كل أسبوع.. فكان يحضر يوم الخميس ويغادر القاهرة يوم السبت فى الصباح الباكر.. ولم أذهب إلى الإسماعيلية أبدا ومكثت فى القاهرة.
استمر الحال حوالى ثلاثة أشهر، وكانت صحتى متوعكة إذ كنت فى الشهور الأولى للحمل.
فى شهر يوليو قال لى جمال: سأحضر فى إجازة لمدة شهر ففرحت جدّا، وفى أول يوم للإجازة فى الصباح خرج ورجع قبل الثانية عشرة ظهرا، وخلع ملابسه العادية طبعا ولبس البيجاما ورقد على السرير يقرأ. ولم يلبث إلا قليلا وسمعنا أحدا يصفق بشدة ويسأل عن مسكن الصاغ جمال عبدالناصر.
وكان أحد الضباط. قابله جمال وتحدث معه دقائق وارتدى الملابس الرسمية وقال لى: لا تنتظرينى على الغداء سأغيب ولتتغدى أنت والأولاد.. وخرج وركب عربة مع الضابط. تناولت الغداء مع هدى ومنى ومر الوقت عاديا، وحتى حوالى الساعة السابعة لم يحضر.. وابتدأت أقلق: أين ذهب جمال؟ ومن هذا الضابط الذى حضر بطريقة غير عادية يصفق ويسأل بصوت عال عن مسكننا؟ وكنت أشعر بأن ما يحدث حولى غير عادى ولكن لم أفهم شيئا غير الكتمان. جلست بجوار الشباك المطل على الشارع فى حجرة السفرة..
ولم ألبث إلا قليلا ورأيت عربة كبيرة زرقاء تدخل الشارع وتقف أمام منزلنا، ورأيت جمال ينزل من العربة وينتظر شخصا آخر.. وكان عثمان باشا المهدى ــ رئيس هيئة أركان حرب الجيش ــ وكنت أعرفه وحتى عربته إذ كنت أراها أمام منزلنا السابق.
خرجت بسرعة من حجرة السفرة ودخلت حجرة النوم، وصعد جمال مع عثمان باشا ودخلا الصالون. وبعد قليل دخل جمال عندى فى الحجرة فقلت له بلهفة: أين أنت؟ إنى قلقة عليك.. فرد وقال: فلتعطنى بسرعة الأسلحة الموجودة عندك، ولاحظ اضطرابى وقلقى فقال: لا تخافى إنى راجع لك.. أسرعى وسأحكى لك عما حصل بعد خروج عثمان باشا، فقلت له: لقد عرفته وكنت جالسة بجوار الشباك.
كنت أخفى الأسلحة بين الملابس فى الدولاب.. فى الشتاء أخفيها بين ملابسه الرسمية الصيفية، وفى الصيف أخفيها بين ملابسه الشتوية، إذ كنت أرى أنها يجب إخفاؤها وألّا يراها أحد غيرى، بدون أن يلفت نظرى أو يقول لى شيئا. رجع جمال بعد خروج عثمان باشا وقال لى: كنت عند رئيس الوزراء إبراهيم عبدالهادى.. لقد استدعانى لاستجوابى والتحقيق معى بوجود عثمان باشا، وبقيت هناك للآن، وهو الذى كان يحقق معى ويستجوبنى بنفسه، وكان فى منتهى العصبية، وكنت أجاوبه على كل سؤال.. وأخيرا لم يجد إلا أن يقول لى: روّح، وسألنى هل عندك أسلحة؟ فقلت له: نعم.. وذكرت أنواعها، وكلف عثمان باشا بالحضور معى واستلام الأسلحة. وكنت منتظرا أنه سيعتقلنى لكنه قال لى: روّح.. وهو فى غاية الغيظ والضيق.
مكث جمال الشهر الإجازة فى القاهرة نخرج سويّا ونذهب إلى السينما.. وغالبا الصيفى فى مصر الجديدة، وأحيانا نأخذ هدى ومنى معنا. وكان يقابل الضيوف ويخرج مع بعضهم أو بمفرده.
بعد انتهاء الإجازة نقل من الإسماعيلية إلى مدرسة الشئون الإدارية بالقاهرة، وهى التى يقضى فيها الضباط فترة.. ثم يمتحنون ويحصلون على الترقية.. أى «فرقة». وكانت فرحتى عظيمة بنقله للقاهرة.
اشترى جمال العربية الأوستن السوداء، ودفع ثمنها من النقود التى توافرت معه أثناء مدة الحرب، إذ الراتب كما هو معروف يكون الضعف للمقاتلين، ولم تكن تكفى فكملت الباقى من ثمنها وفرحت بالعربية.
بعد شراء العربة بأيام قليلة قال: سآخذك لمشوار طويل.. وذهبنا إلى القناطر الخيرية ومعنا هدى ومنى وتناولنا الغداء هناك.
كان يحضر إلى المنزل بعض الضباط الذين سيدخلون امتحان كلية أركان حرب، وكان يساعدهم ويجلس معهم وقتا طويلا، وكنت أسمعهم يتكلمون فى موضوعات الدراسة، وكان يعطيهم الدوسيهات التى هو كاتبها ومجهزها بنفسه ويقول لى: إنى أحب أن أساعد كل من يريد أن يتقدم لكلية أركان حرب وأرحب به.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter