مخيم ترانزيت لايواء النازحين: حرارة خانقة وجوع قاتل وامتهان كرامة بلا حدود الاسايش الكردي يسوم النازحين صنوفا من العذاب ويعزل العوائل عن رجالها

 

“ترانزيت” كلمة متعارف عليها في التجارة أو في السفر بين الدول، لكن إطلاق التسمية على مخيم للنازحين الفارين من جحيم الحرب وبطش عصابات داعش فلا شك أنه يخفي بين طياته قصة ذات مغزى.
هذه التسمية أطلقها نازحون فارون من قبضة تنظيم داعش الارهابي والمعارك الدائرة بين الارهابيين والقوات العراقية جنوب الموصل، على المخيم الذين يضطرون للمكوث فيه مؤقتا قبل تدقيق هوياتهم من قبل قوات الأمن الكردية والسماح لهم بتكملة طريقهم نحو كركوك أو التوجه نحو أحد المخيمات في إقليم كوردستان.
وكانت قيادة عمليات نينوى ومركزها قضاء مخمور جنوب شرق الموصل قد اعلنت في 23 اذار مارس الماضي عن انطلاق اولى صفحات معركة تحرير الموصل.
وتمكنت القوات العراقية من تحرير قرى تتبع ناحية القيارة (60 كم جنوب الموصل)، وشيدت مؤخرا جسرا عائما ليكون نقطة لقاء قطعات الجيش القادمة من محور الشرقاط ضمن محافظة صلاح الدين والى ناحية القيارة واللقاء بتشكيلات عمليات نينوى القادمة من مخمور.
في خضم هذا التحرك العسكري النشط نزح أكثر من 40 ألف شخص من تلك القرى التي تمت استعادتها من داعش، وقام إقليم كوردستان بإسكانهم في مخيم ديبكة الذي لم يعد يتسع لمزيد من النازحين الذين بدأت أعدادهم تتزايد تدريجيا.
“مخيم ترانزيت” هو المكان الذي يضطر فيه النازحون للمكوث مؤقتا داخل قاعات كبيرة وخيام تحت حماية الأمن الكودي.
وفي الغالب يكون المخيم مكتظا نظرا لعدم استيعابه للاعداد المتزايدة للنازحين الذين ينتظرون تدقيق اسمائهم من قبل قوات الأمن الكوردية قبل الخروج للبحث عن مخيمات اخرى او الذهاب الى محافظة كركوك عبر كفيل، لكن لا يسمح لهؤلاء النازحين بالمرور داخل مدن الاقليم.
ويعكس المخيم حجم المأساة التي يعيشها النازحون وكانهم داخل قفص مغلق يفتقر لابسط متطلبات العيش تحت درجة حرارة قد تصل الى 50 مئوية تجبر الفارين على المكوث بهذا المخيم لفترة لا تقل عن ثلاثة اسابيع.
امام باب المخيم يقف محمد عبد الله الجبوري عضو في مجلس محافظة نينوى والذي ينحدر من تلك القرى يقول “منذ قرابة اسبوعين ونحن نحضر وبشكل يومي الى مخيم ترانزيت لنتكفل ابناء عمومتنا حتى الان تكفلت قرابة 70 شخصا”.
ويضيف الجبوري، “لا تنفع الكفالة لوحدها فالكفالة تاتي بعد تدقيق موقفهم الامني من قبل قوات الامن الكردية خشية ان يكونوا من عصابات داعش او مطلوبين لديهم ومن ثم يجري اخراجهم من هذا المخيم لنبحث لهم اما عن مخيم اخر او في احد المساجد او خيار اخر للمتمكنين ماديا بالذهاب الى محافظة كركوك”.
ويجد باعة متجولون فرصة أمامهم في الطرف الآخر من سياج المخيم حيث يفترشون بضائعهم وخصوصا المياه المعدنية لبيعها للنازحين الذين تفصلهم عنهم سياج معدني اشبه بالسجون.
ولا يسمح لغير المقيمين في المخيم الدخول إليه إلا بعد مراجعة قوات الأمن القائمة على حمايته، وهو ما يدفع البعض للحديث مع أقربائهم من خلف السياج.
عند بوابة المخيم تقف امرأة مسنة في السبعين من عمرها ضاقت ذرعا بواقع الحال، وتسأل عن أقاربها وتصرخ بأعلى صوتها “أخرجونا من هنا نريد العودة لمنازلنا والعيش فيها حتى وان كانت انقاضا فالحال هنا لايطاق”.
ولا تزال قرى الحاج علي ومهانة وكرمردي وكيلة ضمن ناحية القيارة جنوب الموصل تشهد عمليات عسكرية شبه يومية حيث انها ضمن مديات داعش وتطالها قذائف الهاون والمدفعية، بعض المنازل دمرت لكنهم يفضلون العودة اليها بدلا من البقاء بالمخيم.
يستخدم شبان داخل المخيم بعض الاغطية التي منحتها لهم منظمات انسانية والحكومة المحلية يستخدمونها كخيمة مؤقتة تقيهم اشعة الشمس المحرقة لعدم استيعاب المخيم لاعداد النازحين ولكون اغلب العوائل تشغل المخيمات في حين يجد الشبان مكانا لهم في عراء المخيم.
صالح الجبوري مدير ناحية القيارة والمتواجد في مخيم ديبكة والقريبة من وحدته الادارية التي لا يزال تنظيم داعش يسيطر عليها يقول لشفق نيوز، إن “اعداد النازحين في تصاعد وقد وصل الى اربعين الف نازح بعد ان كان هذا المخيم مخصص لثلاثة الاف نازح لكن دعم النازحين يفوق امكانية الحكومة المحلية ونبحث عن دعم دولي لكن دون جدوى”.
وتتواجد قرابة 500 امرأة مع اطفالهن داخل مدرسة في مخيم ديبكة ينتظرن خروج ازواجهن من مخيم “ترازيت” بعد تدقيق أسمائهم.
وتتحدث ام عدنان سيدة في الخمسينات من عمرها بحرقة والم وتقول ، ”مر علينا اسبوعان دون ان نستحم بدأت اجسادنا تفوح منها روائح كريهة لكن لا احد يسأل عنا”.
وتابعت تقول، بينما توشك على البكاء، “أعيدونا الى قرانا الى منازلنا حتى وان كانت مدمرة فالموت فيها اهون من العيش بهذا الذل فلا نملك نقودا لشراء الطماطم او الخيار منذ يوم امس ونحن بدون طعام”.
ومرت في هذه الاثناء شاحنة عسكرية محملة بقرابة 40 شخصا بينهم نساء واطفال جلبوا من قرى جنوب الموصل.
كان سائق الشاحنة يرتدي بزة عسكرية ونادى على حرس بوابة المخيم، ففتح له الباب وما ان دخلت الشاحنة بوجبة جديدة من النازحين حتى اغلق الباب مرة اخرى بأوصاد من حديد ليتم إسدال الستار عن قصتنا في مخيم “ترانزيت” لكن حياة القاطنين فيه وفي بقية مخيمات النزوح لم تنتهي بعد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter