مثلث برمودا الاقصاء والاقصاء المضاد

عبد الرضا الحميد

لست معنياً بالانتخابات ، اقتراعاً ونتائج ، لسببين، اولهما: حصولها في ظل الاحتلال الذي وضع اسسها وقواعدها الاجرائية وتدخله في كل حيثياتها شاءت الحكومة ام لم تشأ ، وثانيهما: ايماني المطلق بان اية ديمقراطية غير مباشرة لا يحتفظ فيها المواطن بسيادته على رأيه دونما نائب عنه او ممثل ، ولا يحتفظ بحقه في المشاركة المباشرة في تقرير خيارات شعبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ليست ديمقراطية مطلقاً.
ولذلك ، فأن نتائج الانتخابات ان شرقت او غربت لا تثير اهتمامي ، فرقعة الشطرنج السياسية العراقية بعيد الاحتلال واضحة امام كل لبيب ، ولا يحتاج المرء الى استبصار عميق كي يعرف كيف تتحرك الاحجار عليها ، ومن يحركها ولماذا ومتى وكيف؟
لكن ، ما افرزته حلبة الانتخابات ، قبيل الاقتراع وبعده  ، يقرب البلاد من حافة الانقلابات او يوفر حاضنة لنموها خياراً لمعالجة انزياحات ما يسمى بـ (ديمقراطية العراق الجديد) الى مثلث برمودا الاقصاء والاقصاء المضاد ، والاجتثاث والاجتثاث المضاد ، والتصفية والتصفية المضادة ، والاغتيال والاغتيال المضاد.
ويبدو ، ان جميع الاحزاب العراقية ، بلا استثناء ، ما شب منها على ظهر السلطة وما لم يشب بعد ، تتفق رغم اختلافها ، على مبدأ واحد هو الغاء الاخر الغاء مبرماً ، فالديمقراطية عندها عصا منخورة تستخدمها لاستدراج السذج والمغفلين الى دارة طاعتها من جهة ، ولذر الرماد في العيون التي تحملق بحثاً عن (ديكتاتوريتها) الخفية.
ومن العجب ، ان فلسفة الالغاء العقيمة وغير الانسانية هذه ، لا تجد ثورة ثقافية ضدها من قبل نخب الشعب الطليعية ، رغم ان عشرات الالوف من الانفس الزكية قد هدرت دماؤها على مذبحها.
فمنذ تأسيس الجمهورية العراقية في الرابع عشر من تموز 1958 ودوامة الالغاء الفكري والالغاء الجسدي والالغاء الانساني ما تنفك تفتك بهذا الشعب المسكين.
ركب الشيوعيون ظهر السلطة مع عبدالكريم قاسم فألغوا القوميين ، فكراً ، وناساً ، وركب القوميون ظهر السلطة فألغوا الشيوعيين ، فكراً ، وناساً ، وركب البعثيون السلطة فتحالفوا مع الشيوعيين على الغاء الاسلاميين فكراً، وناساً ، ثم الغوا الشيوعيين فكراً وناساً ، ثم ركب الاسلاميون ظهر السلطة بعد وقوع الاحتلال فقننوا الغاء البعثيين فكراً وناساً ، والغوا القوميين ، فكراً وناساً ، بتقنين غير معلن .
ويبدو ان هذه العملية ، بأغواءتها الدكتاتورية، ومنافعها المعجلة ومضارها المؤجلة لذوي السلطة ، لن تقف عند هذا الحد ، وستتكاثر بالانشطار كالاميبيا ، وقد يحدث ان يلغي المجلس الاعلى حزب الدعوة ، وقد يقصي حزب الدعوة او الحزب الاسلامي بعضه كما اقصيا من قبل الجعفري ومحسن عبدالحميد ثم طارق الهاشمي ، وقد يجد المالكي من يقصيه ، والامر سيان مع ناقة حميد مجيد موسى الشيوعية التي (لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي) ومع الليبراليين البالونات الطائرة مع كل نافخ ونافخة.
واذا عرفنا ان شعبنا العراقي يدفع مع كل موجة من موجات الالغاء والاقصاء دماء زكية لاناقة لها ولا جمل باي من طرفي المعادلة ، ندرك فداحة الماساة التي مر ويمر بها ، فحين شن الشيوعيون موجة اقصائهم للقوميين لم يتورعوا عن اعدام النساء عاريات على اعمدة الكهرباء ، او سحل ذوي قربى القوميين في الشوارع ، وحين شن البعثيون حملة اقصائهم للشيوعيين والاسلاميين لم يتورعوا عن زج عوائلهم في اقبية السجون بدلاً عنهم ، وبين ظهرانينا الآن ، الوف الابرياء الذين اخذتهم سلطة حزب الدعوة بجريرة قرابتهم للبعثيين والمقاومين.
فالى اين تمضي العربة الاجتثاثية الاقصائية الالغائية ؟ والى متى يبقى شعبنا يدفع ثمن صراع الاحزاب على السلطة؟
قدر العراقيين الاجمل والاوحد والامثل لايكون الا بحل الاحزاب جميعاً والاتجاه صوب خيار سلطة الشعب وديمقراطيته المباشرة..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter