مبروك العودة إلى الجاهلية كاظم فنجان الحمامي

تعيش معظم المدن العربية هذه الأيام في مضارب القبائل المتخلفة القابعة خلف كثبان البوادي البدائية، فقد استقرت أهداف التنظيمات الظلامية المتحجرة على إشاعة ثقافة النعاج في القتل والسحل والسبي وتهشيم الرؤوس بالفؤوس، خصوصاً بعدما صارت هي التي ترسم بلون التقهقر الحضاري خارطة المجازر الممتدة من نواكشوط إلى نهاية الشوط. في مجتمعات فوضوية يكثر فيها الجهل. يرفع فيها العلم. يقل فيها الصالحون. يكثر فيها المفسدون. تتوالى فيها وقائع الأحداث الدامية، حتى صار القتل العشوائي بالعبوات الناسفة والعجلات المفخخة من أهداف التنظيمات المؤمنة بحماقات الجاهلية الأولى. لا يدري القاتل لماذا يقتل الناس، ولا يدري المقتول لماذا قتلوه. وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر الجاهلي المحرض على ممارسة العنف والإجرام، وربما تزداد المصيبة عمقاً حينما يعطي فقهاء التكفير الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، وكأنّ الحرام يصبح حلالاً لمجرّد الاستماع لفتوى ظالمة يطلقها معتوه.
لا ريب إنّ قتل النفس البريئة هو جريمةٌ بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من أقنعة دينية أو طائفية أو وطنية. فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا تحرير الأوطان أيضاً من التدخل الأجنبي أو الجماعات الإرهابية يبرّر قتل الأبرياء. إنّ العودة إلى مضارب الجاهلية الأولى واتساع دائرة المجازر الدموية أصبح ظاهرةً خطرة في عموم البلدان العربية، وهذا أمرٌ يضع زعماء الحكومات أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم إمّا فاشلون عاجزون عن توفير الأمن والأمان في هذه المجتمعات، أو أنّهم مشجّعون لمثل هذه الأساليب.
لقد أصبح العنف ظاهرة بلا ضوابط، وهذا ما نراه في مجتمعاتٍ تسعى للتغيير الآن في حكوماتها وأنظمتها بينما تسير أمور هذه المجتمعات من سيئ إلى أسوأ. فالتغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس يؤدّي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى مبرّرات لتدخّلٍ إقليمي ودولي أوسع.
لقد أمرنا الله بالعدل والإحسان وهدانا إلى الصراط المستقيم، ثم جاء أعداء الإنسانية ليفسدوا في الأرض، ويحرضوا كلابهم على ارتكاب المعاصي. ونهانا الله عن التنابز بالألقاب وأمرنا بتجنب العصبية القبلية التي تؤدي إلى الشقاق والخلاف والفرقة، فجاءت الحكومات العربية المقامرة لتعيد للقبائل توازنها القتالي وتمدها بالسلاح والعتاد، وتفتح لها بوابات الجحيم الجاهلي فتعود ببوصلة الصراع إلى داحس والغبراء في مشاهد مؤلمة من فصول مسرحية (حارة كل مين إيدو إلو). حتى صارت القبائل تحسم نزاعاتها بالقاذفات والراجمات والرمانات اليدوية.
أما الانغماس العربي الأكبر في مستنقعات الجهل والتخلف الذي انزلقنا نحوه في الألفية الثالثة فقد جاء عن طريق الجماعات الذين يغسلون وجوههم ورؤوسهم ببول البعير، ولسنا مغالين إذا قلنا أن الصيدليات في السودان تبيع بول البعير بأسعار تتراوح بين (5 – 7) جنيهات للقارورة الواحدة، وان النساء يفضلن بول الإبل على مستحضرات التجميل المستوردة، و(من هالمال حمل جمال).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter