ما يشبه الرثاء

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;
mso-fareast-theme-font:minor-fareast;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

ازميله يؤرشف التاريخ لا الحجر:

 

محمد غني حكمت تنام الحمائم في معصميه

 

 

حين يغتصب الوطن لا تستريح الروح فكيف بي وروحي في اصابعي

 

يده من خشب او حجر وازميله من لحم ودم

 

د.سهام الشجيري

 

نامت الحمائم والحكايات في معصميه وبين صدغيه دون ان يلتفت، غفا ذات مساء، واطمأن اذ حبس نفسه وهو الحر مثلنا في صدفة واوصاهم ان يرموا بها في اعماق دجلة عل صياد من ابناء جلدته ينتشلها ذات يوم فتغدو عقدا يزين جيد الوطن بعد ان يبعث من جديد.

حين يمسك ازميله، تتشظى خلايا روحه لتستقر في دياجير ليل ادرد – قال لي ذات يوم حين زرته في مشغله في المنصور ببغداد، وكنت حينها اكتب عن تمثال المتنبي- أنه يشعر ان يده من خشب او حجر وان ازميله هو من لحم ودم، احيانا يصفعه الوقت لكنه يشاطره غباءه ويمضي، دخلت صومعته، اسميته مشغلا واسماه منتجع عمره: قال: هنا اجدني اصنف ضالتي برغبة كالنحل لكنني اغمض اناملي كي تغوص في رحم الطين، او تنبت في اوردة الحجر، لذا فان كل اعمالي انجبتها بيد واحدة فيما كانت الاخرى تلقمني جدائلها لصيرورة الزمن.

* سألته: بم تفكر حين تمسك بأزميلك، او حين تلوك الطين بين اصابعك القمحية. اجاب في اطراقة الحجر: راهن حالي ينبئني بأن ما امرغ رغبتي بأوداجه يستغيث من رغبتي بعناق غريب بين الخشب وبيني او بين ذرات الطين وملامح وجهي، او نثار المرمر وبريق عيوني، لكن لا اخفيك، اعشق الطين اكثر لأنه كالمرأة يتلوى في شرايين عضدي، صدقيني حين اعمل اشعر ان كل اوردتي تتحفز وتنطق بل اشعرها تصفق، بكل اورام جسدي تحيلني، الى عالم اراهن انه متخيل لا يمكن لأي واقع ان يحتويه.

 

*هل تغازل الطين والحجر؟ هل تشاطره الصحبة والمودة؟ كيف تغوص في اعماقه؟ هل يوشوشك بعبارات؟ ماذا يخبرك الطين؟ حدثني عن تاريخ عشق الطين والحجر؟ حدثني عن سومر وبابل واشور وأكد والعباسيات في مشغلك؟ عن ازميلك ماذا يخبئ من اسرار؟حدثني عن عناق الطين والازميل واللوح والنحاس والحديد الذي يدرج اخطاء القلائد في مجمرة محبتك، كيف تستطيع لي ذرات الشمس بين اناملك؟ وبماذا تحيط قلبك حين تمسك جبينك بأزميلك، الا تخشى غضب قطرات عرق غضبك على عقوقه؟ هل عقك الطين او الحديد مرة؟ الم تندم يوما ما عن فعل ارتكبته بحق عمل ما انجزته، ولم يكن كما تمنيته؟ كيف ادمنت الطين والحجر؟ ما الذي بينك وبينه؟ ما الاسرار؟ وماذا تخبئ؟

اسئلتي كانت تبكيه لأن عشقه يقترب من الجنون، لا يوصف، لكن عشقه، مثل عازف الناي يلصق بأوتار قلبه قوته يمنحه القيامة، يشعر ان مأذنة روحه تتفجر دعاء، حين تتقدم خطاه خارج قاعة المشغل، فكيف بها وقد جرته خارج الوطن، بعد ان استباح الغرباء مشغله ووطنه معا، كيف السبيل عندها لمحو اوردته من ادمان اصابعه لغة الاعالي والصروح؟

ثمة رجل قادم من اقصى أناقة الحضارة، من عتمة التاريخ، يؤرشف للاشلاء، فوق نصب الحرية، وقلبه يروض لشهرزاد دميتها، ايام الفاجعة والقحط والمحنة، الوجع، الدخان، الرصاص، الحرائق، الدم، العبوات الضالة، الاقلام المغتصبة وغربته.

أعود لأسأله: هل تؤرشف التاريخ بالحجر الاصم؟

– ياسهام احجاري ليست خرساء، ولا عمياء ولا صماء، الا تسمعين صراخها، الا ترينها تلتفت وتنظر وربما تسأل من يمر بقربها.

*هل تتوسلها لتصرخ او تتحرك؟ هل تخلط فيها ملامحك؟ ومتى تنطق تماثيلك ونصبك وجدارياتك؟ متى تصرخ شهرزاد من ظلم شهريار؟ هل نادتك ابواب كنائس روما وكاتدرائياتها؟ وبماذا نطقت ابواب طفولة اليونيسيف حين لامستها اصابعك؟

– تعرفينني أنا لا اجيد التوسل وكل الاعتذارات قد لا تليق بالعراق لكنني ارضه التي زرعها بمداد جوده ياسمينا ونرجسا، عله يلتمس لي عذرا لفراقه، لكنني ساعود حتما.

بالاسئلة الراعشة يقشر لون الحجر والمرمر، ثغور بغداد تزينت بمائه حين اتكأ على ضفائر الوقت وحبس شفاهه في غمزات القناديل، امتطى رقبته، واستنهض طعم البكاء والتعاويذ، وفي الليل تعرت زفراته، ونثر أنينه في ساحة كهرمانة، هل كان ارتشاف كهرمانة انينا لما سيأتي؟ أم علة رفرفت بين أجنحة الغبار، وتنشقت لمعان النجوم، وبقيت تصب حمم الماء فوق رؤوس وجرار عالقة، ربما بزوغ الأجل عزف في ليل عتيق ندائه المرتقب، وربما شرع انثى الفوضى لما سيؤول من راهن الحكايا والجنيات!! .

*الى من تنتمي اكثر الى سومريتك، ام بابليتك، ام اشوريتك، ام اكديتك، ام عباسيتك، في ايها اجد حكمت؟

– انتمي لعراقيتي في كل هؤلاء فكلهم العراق، أعشق محليتي، عراقيتي هي من يحرك اصابعي. غرس النحت السومري واختامه الاسطوانية، حين تنبئه اصابعه كل يوم عن اساطير الف ليلة وليلة وحين استجمع قواه اصطحبه السندباد البحري ليستحم في ماء كهرمانة، وتنسم عبير حكايات شهرزاد وهي تروض شهريار بعطر حكاياتها، ثم استراح على بساط الريح، قادته الجنية والصياد، بين الزخارف والمقرنصات والقباب، والانية الفخارية.

– يواصل كلامه: لا عيب اذا صرخت اعمالي بي فقد ظلمت المتنبي مثلما ظلموه انجازا واختيارا، المكان لم يكن لائقا، كانت عباءة المتنبي تلف تضاريس روحه، كأنه في غيابة جب، مر تجرعه، وهو يرى المتنبي تحمر عيناه ويقدح منهما شرر – ظلمته، اكرر ظلمته، وظلموه حبسوه بمكان لا خيار لي به ولست بقادر على تغييره، كانت يده تلوح بالعتاب واخرى تربت على صدره الما وحسرة لكنني اخفيت بأزميلي وجهي ومضيت، عساي اجد ما يحميني من حزن ادمنته، مثلما ادمنت فيما بعد الطين والخشب والحديد، حين اعمل فأن يدا تحيط خصري كأنها تمدني بالعافية لأستمر.

يلتفت ويسألني: هل تجدين هذا من الغيبيات، انا اجده ينبت في جذور العطاء عطاء الارض والماء والشجر، وجذور التاريخ، كيف لا اغوص في اعماق الطين وانا من امة علمت الانسانية الحرف الاول؟ وعلمت الناس كيف يعشقون؟ وكيف يصنعون من خزف التاريخ وشم حيطانهم.

*اعود لأسأله من يتوسل بمن؟ هو يتوسل بالطين أم الطين يتوسله؟ الحديد يتنفسه ام هو يتنفس الحديد؟ أيهما يستنشق الاخر حيطان وجدران وساحات بغداد ام جدرانه المتخيلة؟

بالرغم من ان التوسل سبة لكنه لا يجيده، يمرغ رأسه بطين ذكرياته، يبتلع ذرات النحاس والبرونز مثلما يقمط ثناياه، خطاه تستفيق في غناء نصبه الذي يعتلي شفاه بغداد، يأخذه من قرص القلب ليلوذ بلذة اكبر، يجلس مع طينه وحديده وخشبه، تتكسر اجنحة اصابعه حين يهدهد أزرار قميصه، أز الهواء كالتميمة بين طيلسانه، جسد لم تعطله الحروب، وكذلك يده، وحين طوى رأسه تحت ابط نصب الحرية، غلف أريكته ودبيب روحه في حجر ناطق بقي الصراخ معلقا ابد الدهر بوجه الظلم والغياب والعتمة.

حين زار بغداد اخر مرة بدعوة من امانة بغداد، وقفنا معا في ساحة الخلاني، كانت عيناه تتناوشهما الدموع اراد ان يهرب مني بدموعه الى زوايا بغداد التي صاغ من دمعها احرازا للعافية، ما اوجع نبض الشوارع وهي تلوذ بالكونكريت، كأنها تستصرخه ليزينها بأيقونات سومرياته وعباسياته، مثلما غرس في زواياها بعض غناء اصابعه، كنا نقف امام جدران هزلت، توشحت بالسواد، ولافتات طوقت خصر بغداد احلام تمزقت تحمل الاسماء التي نقشت عليها، يلهو بها الريح، ويتمسح بها العراة والمساكين والجياع، هل استراحت اصابعك في الغربة أم تعطلت؟

– الا ترين كيف امتلأت الحيطان باللافتات السود، فحين يغتصب الوطن لا تستريح الروح فكيف بي وروحي في اصابعي، احلم ان اجسد ذلك كما جسدته مع جواد سليم في نصب الحرية احلم ان اخيط فم الشمس من كل جانب واقمط نخيل العراق كي يبقى وليدا طريا مثل الطين، يبذر بذار الخير كما كان تفعل زقورة اور وعكركوف وبابل، وقباب كربلاء وسامراء والحضر، اريد ان اغزل من نول الكونكريت والاسلاك الشائكة التي تطوق خصر بغداد لأصنع منها نعشا لي.

رفض الكلام وغادر محنطا بحزن غريب، لكنه عاد مثل طائر السمندل يريد بياضه ويعيش لأجله، أذ حين طوقته الامكنة، وحاصره الرحيل، خاف على بياضه ونقر صدره فكانت عباءة المتنبي تشيعه الى مثوى كرخه ليستقر فيه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter