ما يتركه الجمهوريون للديمقراطيين.. حفلة تقسيم العراق.. القسم الثاني محمد مظلوم

تبادل الخرائط والأدوار..
لم يكف ركام الجسور المتقطعة على دجلة لتحويل النهر إلى “جدار برلين” في عاصمة “الخلافة والطوائف”، ولم تنجح النوايا المدلسة في جعل جدار الأعظمية جبلاً من نار ومسافة نهائية. لكن هذه الإحداثيات كلها كانت وسائل ضرورية في طريق التقسيم.
الخريطة الحالية للعراق تبدو خريطة مشاغبة، فهي مفتوحة على ثقافتين مجاورتين لأمتين كانتا إمبراطوريتين ذات عمق تاريخي وتنطوي على تفاعلات يمكن تعديلها وتنقيحها لتبدو أكثر تهذيباً في تمثل التجارب الديموقراطية. ومن غير المفيد أن تبقى حقول النفط متمركزة في دولة تقوم على أرض معقدة الجذور من الناحية التاريخية.
أصبحت القوة الطائفية خارج حدود السيطرة، خارج المدى الإحداثي للرؤيا الديمقراطية للعراق. لقد ذهبت بعيداً في خريطة أخرى. الأميركان اليوم هم من يلاحق ذلك الذهاب العميق نحو الطائفية.
وفي الوجه الآخر من الممارسة الديمقراطية تحول مشروع التقسيم إلى قرار بعد التصويت عليه بغالبية الثلثين، قرار لكنه غير ملزم! ماذا يعني هذا إذا كان الأمرُ واقعاً فعلاً على الأرض؟ إنه أيضاً من ذلك الإرث الذي يؤسسه اللاحقون منذ الآن. فعندما حارب جورج بوش الأب صدام حسين وكاد على وشك الإطاحة بنظامه في عاصفة الصحراء 1991، لم يمض بعيداً في هذا الأمر، وهو لم يمض بعيداً كذلك في الحصول على تأييد لتجديد ولايته. جاء كلنتون الديموقراطي، لا ليكمل ما أهمله بوش الأب، بل ليوقع بيديه قانون تحرير العراق الذي صوتت له ودعمته الكتلة الجمهورية داخل الكونغرس عام 1998.
بعد هذا ..ماذا يعني قرار غير ملزم، ومعدي التقرير ديمقراطيان، ومقدمه جوزيف بايدن أحد المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة في انتخابات العام القادم. والمصوتين لصالحه من المرشحين كذلك: هيلاري كلنتون وباراك أوباما؟ يعني أن الديمقراطيين الذي وقعوا قانون تحرير العراق باقتراح جمهوري، يتطلعون لتنفيذ قرار تقسيم العراق بالقدر نفسه الذي يتطلعون فيه للوصول إلى البيت الأبيض خلفاً لبوش الذي سيذهب قراره بالفيتو مع الريح التي ستعيده إلى تكساس.
لكن لماذا العجب حقاً؟ فإذا كان الدستور العراقي ومن وضعوه وصوتوا عليه بنسبة قاربت الـ80 بالمائة، يؤكد أنَّ هذه الثلاثية: السنية ـ الشيعية ـ الكردية قائمة أصلاً وجرى تنفيذ موجات تطهير ونزوح طائفي قومي ونزوح مضاد لتعزيز ديموغرافيتها، وإذا كان الانقسام واقعاً يومياً في بنية المجتمع العراقي تجري أدامته وتغذيته من قبل آلة ضخمة من الديماغوجية في النخبة والانتخابات على حدٍّ سواء حتى أصبحت الديمقراطية 7-7-“مصيدة مغفلين حقيقية” في مجتمعات متخلفة !! فلماذا العجب وثمة “عقول عراقية” تتقبل بشفافية عالية هذا المصير. فعندما كنت أعبّر قبل سنوات عن أن المشروع الأميركي يستهدف في الخلاصة تقسيم العراق، كان هناك منْ عراقيي أوروبا مَنْ يجيبني، وقد جعل من الموضوع طبيعياً قبل أوانه: وما الضير في ذلك إذا كان الإنسان سيعيش في رخاء وأمان في التقسيم، ولا يعيشُ في قتل في عراق موحد؟ طبعاً كان حديث القتل وقتذاك يخص الدكتاتورية ولم يكن قد بدا عهد الديمقراطية وقتها، التقسيم حالياً وحسب مشروع بايدن ـ غيلب هو الوصفة النهائية لإنهاء عنف طائفي لا يكاد يتوقف.
وهل سيكون من العجب بعد ذلك أن يبدو صدام “الدكتاتور” رمزاً للوحدة العراقية، مثلما يبدو بوش “الغازي” شريكاً له في الحرص على تلك الوحدة بنقضه للقرار!
أما الطبقة السياسية التي تداعت وهرعت “لاستنكار” القرار، فراحت تتعوذ بوحدة “الأراضي العراقية” لكنها ظلت تتجاهل أنَّ الشعب يتخبط في هلام الهويات وجغرافيا النفي الداخلي والبداوة التي لا تجد لها تخوماً خاصة ولا حصوناً تقيها.
والطبقة السياسية بأكبر كتلها البرلمانية (التحالف الكردي وقوى من الائتلاف الشيعي) كانت مع الفدرالية التي ما فتئت تكررها في أدبياتها السياسية كمقدس تعبيري لأي مشروع لتقاسم السلطة وإدارتها في العراق.
والقرار أحدث بعد أيام معدودات من إصداره رجَّة لم تبلغ الضجة في هذه الكتل “المتوافقة” على تبني المشاريع الخارجية وترويجها في العراق، وصفات ديموقراطية وأممية بجرعات زائدة من أجل تعجيل مصير ما لشعب يتمزق على جغرافيا قلقة.
فالديمقراطيون الأميركيون يريدون الرجَّة والضجَّة معاً. فهم يدركون تماماً أن قرار التقسيم بحاجة إلى حاضنة سياسية تجعله قابلاً للتنفيذ في مرحلة لاحقة وجعله ليس ملزماً فحسب وإنما مطلباً سياسياً “لقوى أساسية” داخل العراق.
فها هو طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية يصرح لفوكس نيوز بأنَّ “قلبه مع بقاء العراق القديم، أما عقله فمع الذهاب نحو التقسيم”.
الأيام وحدها ستبدي أيهما يختار، لكن حين يداعب منصب “رئاسة الجمهورية” أفكاره مع تداول تلك الأيام فينبغي على رئيس الحزب الإسلامي أن يدرك أن “الدولة السنية” في تصورات صناع التقسيم، هي الفوضى المفتوحة على “أفق العرب” حيث تتصل بالسعودية والأردن وسوريا صلة الوباء لا صلة الدماء وحدها.
فكلُّ الذين كتبوا في ملفِّ تقسيم العراق تقريباً هم من العاملين في دول البلقان، ومن جيل الباحثين الذين شهدوا وربما خططوا لانهيار يوغسلافيا السابقة. ولكنهم يتذكرون دائماً تجربة الهند وباكستان مولعين بتلك التسميات التي تنسب الأمكنة لشرق قابل على الصياغة دائمة، وعندما تبدأ تلك الصياغة فلا حدود نهائية لها.
أما بالنسبة للأكراد، وهم حاصل القسمة في التقسيم، وأصحاب الضجَّة في الحفلة، فإن الأمور واضحة تماماً، ففكرة استقلال “كردستان” حقٌّ مشروع لم يتخلّ عنه أصحاب الحلم القومي، بعد أن غادر العربُ هذا الحلم بكوابيس متصلة. إنهم فقط يتحينون الفرصة التاريخية لتسويقه، ولعلها لم تعد بعيدةً كما قد يتوقُّع أكثر القادة الأكراد تفاؤلاً.
“العراق الجديد” بالنسبة لهم ممرٌ طبيعي “لكردستان” ومطلب الفيدرالية مرحلة يوفرها الدستور في الطريق إلى الاستقلال. الاستقلال المتحقق على أرض الواقع منذ عام 1991، ويكاد يبلغ سن الرشد، حيث ثمة جيل كامل من الشباب الأكراد، لا يرتبط بأية ذاكرة ولا تاريخ مع “دولة العراق”. ذاكرته تبدأ مع حكومة كردستان ليس إلا. لم تعد وحدة العراق، أو الالتزام بعراق موحد هي ما يمنع الأكراد عن إعلان دولتهم، فالمسألة في مكان مجاور، والخريطة الكردستانية التي تفرح بتقسيمات شيوخ الولايات المتحدة، ستسعى إلى عبور الحدود شرقاً وغرباً وشمالاً وتلك الوشيكة نحو الجنوب حيث الموصل وكركوك “قدس كردستان” أو “قلب كردستان” في الأدبيات الكردية.
المشاركة في العراق الجديد بالنسبة “لأصدقاء الجبل” كانت جوازاً نحو المرور إلى “الحلم القديم”. فقد وجه الزعيمان الكرديان مسعود البارزاني وجلال الطالباني، في أيام بول بريمر الحاكم المدني للعراق، رسالة شخصية لبوش، تحمل التذكير بالولاء مشفوعة بالعتب حول ما أخبرهم به بريمر من أن منصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء محتكرين لعربي سني وعربي شيعي على التوالي. ويبدو أنَّ حلول الطالباني محلَّ غازي الياور في سلطة المحاصصة التالية، جاء ثمرة مناسبة لتلك الرسالة التي ذكَّرتْ بوش بأنَّ “شعب كردستان مستمر في احتضانه للقيم الأميركية السامية وفي ترحيبه بالجنود الأميركيين ودعمه اللا محدود لخططكم في تحرير العراق”.
سيمضي بوش، وقبل أن يمضي ثمة لدى الأكراد ما هو أبعد من الرئاسة. فهم وإن حققوا الرئاستين: رئاسة الإقليم ورئاسة العراق، إلا أنهم ما زالوا يبحثون مع رئيس جديد للولايات المتحدة يكون ديموقراطياً، عن “رئاسات ثلاث” في دولة تبدأ من جغرافيا العراق، وتحلم لو امتدت سكين التقسيم نحو خرائط أخرى في المنطقة.
إنها اللحظة التاريخية التي تتاح للأكراد لإعلان دولتهم، لكنها قد تكون في الوقت نفسه اللحظة التاريخية لاستعادة نموذج الندم الكردي، حيث يكتشفون مرة أخرى أن لا صديقَ لهم إلا الجبال.
ثمة “أقليات طائفية وعرقية” لا مكان لها في الجغرافيا الجديدة: التركمان واليزيدية والمندائيون والآشوريون، ستعامل كأقليات في المحيط الكردي. سيتحول التعريب القديم إلى تكريد جديد وهو كذلك الآن. أما ما تبقى من المسيحيين فسيجدون طريقهم على الخريطة إلى مكان آخر.
كان العراق المزوَّق مع البارجات الأمريكية النموذجَ الديمقراطي الذي سيجعل من النظم التوتاليتارية ترتعدُ خوفاً قبل أن تتهاوى أمام سحر النموذج وكرنفاله التعددي، لعلها ستذعر الآن حقاً من هذا الكرنفال الدامي!
الحديث عن “كردستان” و”شيعستان” و”سنستان” واختفاء العراق، ليس استعادة لنكتة سوداء لطخ بها محمد الماغوط شاشة السينما العربية ذات يوم، لكنها تخرج اليوم من تلك الشاشة لتلطخ وجوه الجمهور.
ومع هذه اللطخة القوية في الوجوه، ثمة كثيرون سيستعيدون مع صورة صدام في تلك الحفرة، وتلك الهاوية، صورة العراق القديم مشنوقاٌ بشنق دكتاتوره.
الحاضرون حفل تقسيم العراق كثيرون لكن ليس بينهم “الشعب” العراقي.. إنه الكعكعة أو بالأحرى الوليمة. إن لم نذهب إلى المعنى الميثي فنقول إنه القربان.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter