ماوراء الدستور-أعتى الديكتاتوريات قامت في ظل مجالس نيابية

أ.د. رجب بودبوس

لاشك أن مسألة الحكم من أهم المسائل التي تواجه كل المجتمعات ، لأن الحكم يتعلق بسلطان هو نتاج
المجتمع ويمكن ، إذا لم يضبط ويقنن ، أن يرتد ضد المجتمع ، ولكي لا يحدث هذا يوضع الدستور ، الذي هو ، بشكل عام ، تقنين وضبط هذا السلطان وأيضاً أدواته . كقاعدة عامة ، الدستور لايفرض نظاماً ولايستبعد آخر،نحن لن نجد في الدستور إلا مانضعه فيه ، الأمر عندئذ يتوقف على من يضع الدستور ، وأكثر من هذا يتوقف على من يسند الدستور ، وعلى الغاية من وضعه. بشكل عام ، الدستور يشرع نظام الحكم الذي يريده واضع الدستور ، لذلك ليس صحيحاً أن مجرد وضع دستور يفرض دائماً الديمقراطية . الدستور ليس مرادفاً للديمقراطية ، وليس كل دستور بالضرورة ديمقراطي ، من الممكن أن الدستور يشرّع الطغيان ، ويعطي لممارسة الحكم سمة سلطوية ، الديمقراطية تتعلق بمن يصنع الدستور ، أكثر مما تتعلق بالدستور ، في هذه الحالة ، تصور الديمقراطية كما يراها واضع الدستور ، يجسده ويشرعه الدستور . هذا أمر بحثناه في مناسبة أخرى * لكن في هذه المقالة نفترض أن الدستور نتاج ديمقراطي ، حسب تصور كل مجتمع للديمقراطية . وإذن يحدد أسلوب الوصول إلى الحكم ، كما يحدد أيضاً ممارسة الحكم ديمقراطياً ، وهذا مايطلق عليه : نظام الحكم الدستوري الديمقراطي . نظام الحكم الدستوري الديمقراطي ، إذن لكي يستحق هذه الصفة يجب أن يتوفر فيه شرطان أساسيان ، هما مصدر دستورية وشرعية نظام الحكم هذا  ـ أن يكون الوصول إلى الحكم وفق ماينص عليه الدستور ، وحيث إن كل دستور ينص على الأسلوب الشرعي لتولي مهام الحكم ، فإذا خالف الحكم ذلك يفقد شرعيته .

ـ الدستور لاينص فقط على الأسلوب الشرعي لتولي الحكم ، وإنما ينص أيضاً على مايخدمه الحكم ، وعلى أسلوب ممارسة الحكم ، والغاية منه ،وإذن ممارسة الحكم يجب أن تكون طبق ماينص عليه الدستور ، فإذا مورس الحكم مخالفة لما حدده الدستور ، فإن ذلك أيضاً يطعن في دستورية الحكم ، حتى لوكان الوصول إليه وتوليه دستورياً .
إذن طريقة الوصول إلى الحكم ، وحدها ، حتى لوكانت دستورية ، لاتكتفي لجعل الحكم دستورياً ، وهذا مايجري أحياناً تجاهله ، وحصر الاهتمام ،فقط ، في طريقة الوصول إلى الحكم ، بينما ،غالباً ، يجري تجاهل كيف يمارس الحكم .الخلاصة : إن نظام الحكم الديمقراطي الدستوري ، هو الذي يكون الوصول إليه وفق ما يحدده الدستور ، وأيضاً ممارسته تكون محكومة بما ينص عليه الدستور .
مهما اختلفت الأنظمة ، وتنوعت تصورات الديمقراطية ، هذان الشرطان يجب أن يجتمعا فغياب أحدهما يفقد النظام صفته الدستورية ، وإذن توفر أحدهما لايغني عن الآخر .
هكذا نظرياً الحكم الديمقراطي الدستوري ، هو الذي يجري توليه طبقاً للدستور وممارسته أيضاً وفق مايحدده الدستور .
لكن واقعياً هناك احتمالات ، أن تولي الحكم دستورياً ، يمكن ألا يتوافق مع شرط ممارسته وفق الدستور.
ـ من ناحية تولي مهام الحكم ، عملية تجري في زمن محدود ومحدد ، وإذن من الممكن مراقبتها ، وتقييمها وفق الإجراءات المحددة دستورياً ، لكن ليس هذا هو الحال بالنسة لممارسة الحكم ، والذي يمارس على مدى زمني طويل نسبياً ، وفي أمور وشؤون متعددة ومتنوعة جداً ، تقيم أداء الحكم عندئذيكون مناسبة ظهور خلافات ونزاعات أحياناً مرتبطة بمصالح ، وأحياناً أخرى مرتبطة باختلاف تفسيرات الدستور .
ـ من ناحية أخرى ، تولي الحكم هو طموح أشخاص ، هدفهم ، أحياناً الوصول إلى الحكم ، دستورية تحقيق هذا الهدف ، ليست إلا وسيلة لغاية ، وأيضاً ممارسة الحكم تجري من قبل أشخاص .
عندئذ يمكن أن تولي الحكم يكون دستورياً ، فهذه حجة من يسعى لتولي الحكم بالنسبة لمن هو في الحكم ، وليس من صالح من يسعى إلى الحكم ، أن يقبل بغير هذا ، وإلاأضاع فرصته ، خاصة إذا كان موقعه في علاقات القوة ، لايسمح له بتحقيق طموحه خارج هذا الإطار الدستوري ، لكن ممارسة الحكم ، بعد توليه دستورياً ، يمكن ألايتوافق مع مايحدده الدستور ، ذلك لأن تولي الحكم ، ولو دستورياً يغير من موقع من يتولاه في علاقات القوة .
عندئذ تولى الحكم يكون دستورياً ، بينما ممارسته يمكن ألا تكون دستورية .
الاحتجاج بأن الوصول إلى الحكم كان دستورياً ، لايجعل من ممارسة الحكم دستورية إذا كانت هذه الممارسة مخالفة للدستور.
الدستور لايحكم فقط طريقة تولي الحكم ، وإنما أيضاً ممارسته ، إضافة إلى هذا ، طريقة الوصول إلى الحكم دستورياً ، هدفها ضمان ممارسة الحكم دستورياً ، هكذا من الواضح أن ممارسة الحكم ، بالنسبة للديمقراطية ، أهم من طريقة الوصول إليه ،إذن إذا طريقة الوصول إلى الحكم دستورياً ، لاتضمن ممارسته دستورياً فإن هذا يعبر عن خلل في الدستور ، خاصة في علاقات القوة التي يجسدها .
هكذا يمكن ملاحظة ظهور تناقض بين طريقة الوصول إلى الحكم ، وبين ممارسته الوصول إلى الحكم دستورياً ، بينما ممارسة الحكم يمكن أن تكون مخالفة للدستور.
ولما كانت ممارسة الحكم هي الغاية المستهدفة من الوصول إلى الحكم دستورياً ، فإن هذا التناقض يمكن أن يقود إلى إسقاط هذه الحكومة بطريقة مخالفة للدستور، بحجة أن ممارسة الحكم لم تحترم الدستور .
في هذه الحالة ، هذا الشكل من الديمقراطية ، يواجه مأزقاً نتاج إسقاط حكم جرى توليه دستورياً ، بطريقة مخالفة لما ينص عليه الدستور .
في هذه الحالة ، تناقض ممارسة الحكم مع طريقة الوصول إليه دستورياً ، يستخدم حجة لتبرير إسقاط الحكم بغير الأسلوب الذي يحدده الدستور ، وهكذا على إدانة إسقط الحكم بغير الأسلوب الذي يحدده الدستور، ترد إدانة الحكم الذي يمارس الحكم بغير الأسلوب الذي حدده الدستور.
يمكن افتراض أن الحكم الذي يتولى بعد إسقاط الحكم المخالف لما حدده الدستور لممارسة الحكم ، مع أنه في توليه الحكم مخالف للدستور ، إلاأنه يمارس الحكم وفق ما يحدده الدستور.
هنا أيضاً نقابل مأزقاً ديمقراطياً ، ممارسة الحكم تجري وفق مايحدده الدستور ، بينما تولي الحكم ليس دستورياً.
هذه الفرضية يمكن أن تقود إلى ملاحظة واقعية ، بعض الحكومات ، مع أنها نتاج انقلابات على حكومات مفترضة دستورية ، يمكن أن تمارس الحكم وفق روح الدستور ، أكثر وأفضل من حكومات نتاج دستوري .. إن بعض الحركات ، على الأقل ، التي أسقطت حكومات دستورية قدمت لشعوبها أكثر وأفضل مماقدمته الحكومات الدستورية ، ولكن هذا وحده لايجعل من هذه الحركات حكومات دستورية ، والذي يرتب أيضاً مشكلة ديمقراطية .
كل انقلاب هو تولي الحكم بغير الأسلوب الذي يحدده الدستور، أي مخالف لما ينص عليه الدستور ، يبرر نفسه أحياناً بأنه وأن خالف الدستور ، إلا أنه ينطلق مما يحدده الدستور لممارسة الحكم ، على اعتبار أن الحكومة المزاحة ، تخالف ماينص عليه الدستور ، وهذا يبرر إسقاطها ، حتى وأن كانت قدتولت الحكم وفق الدستور .
هذه الحجة قوية ، ولايمكن تجاهلها ، الهدف من دستورية تولي الحكم هو ضمان ممارسته دستورياً ، ومايهم الناس حقاً ، ليس طريقة الوصول إلى الحكم وحدها ، وإنما أيضاً كيف وفي ماذا يمارس الحكم .
لكن الانقلاب حتى وأن كان هدفه ممارسة الحكم وفق مايحدده الدستور ، ومبرره أن الحكومة تخالف الدستور في ممارستها الحكم ، فإن عيبه أنه جرى بطريقة غير دستورية وهذا يضعفه طالما لم يحول الأمر الواقع إلى واقع شرعي .
المسألة التي نحللها هنا تعطينا :
ـ من ناحية حكم جرى توليه بطريقة دستورية ، لكن ممارسة الحكم تنتهك ولاتحترم الدستور ، الذي منه يستمد شرعيته ، وإذن انتهاكه للدستور يطعن في شريعته :الوصول إلى الحكم دستورياً لايبرر ممارسته مخالفة للدستور .
ـ من ناحية أخرى هذه المخالفة للدستور ، وطلب تصويبها يمكن أن يقود إلى إسقاط الحكم والانقلاب عليه ، الحجة في ذلك ، إن ممارسة الحكم مخالفة للدستور لاتترك طريقاً آخر غير الانقلاب .
مثلاً عندما الحاكم الذي تولى الحكم وفق ماينص عليه الدستور ، لكنه يمارس الحكم مخالفة لما يحدده الدستور ، ويستغل مركزه من أجل تغيير الدستور بما يسمح له بالبقاء في الحكم مدى الحياة ،فأنه يخترق قواعد الدستور.
في هذه الحالة نحن أمام معضلة : هل ندين الانقلاب الذي ينطلق ، من عدم احترام الحكومة القائمة للدستور في ممارستها الحكم ، والذي يدعي أنه يستهدف تصويب هذا الخلل ،أما ندين الحكومة القائمة التي لم تحترم قواعد الدستور في ممارستها الحكم ؟
أيا كان الموقف الذي نختاره ، ثمة حقيقة لايمكن نكرانها ، كلاهما مخالف للدستور، وأن انتهاك الحكومة المفترضة دستورية ، لقواعد الدستور التي تحكم ممارسة الحكم ، هو أحياناً دافع الانقلاب عليها.
إذا دققنا النظر أكثر وأعمق ، سنجد أن إمكانية الحكومة الدستورية ممارسة الحكم مخالفة للدستور ، تشير بوضوح إلى أنه ليس هناك ما يمنعها من ذلك ، وأن الإحساس بالقوة الذي يمنحه لها مركزها ، وكونها تولت الحكم دستورياً ، لا تسطيع ضده نصوص الدستور شيئاً ، هذا يعيدنا إلى المربع الأول ، الدستور ، بشكل من الأشكال ، وجد ولكن بدون قاعدة اجتماعية تفرض الالتزام به ، أو على الأقل يصير الدستور في تناقض مع نفسه :
الحكومة تستند إلى الدستور في انتهاك قواعد الدستور .
هكذا أيضاً الانقلاب على الحكومة ، يعني وجود خلل في الدستور ، يجعل معالجة عدم احترام الدستور ، من قبل حكومة جرى توليها الحكم وفق الدستور ، لاتكون إلا بالانقلاب أي القوة .
لكن النظر في الدستور ، وكيف أن بعضاً منه ينتهك البعض الآخر ، يقودنا ، في كل الأحوال ، إلى ماوراء الدستور ، إلى النظر في علاقات القوة في المجتمع .
عشرات التجارب التاريخية ، تبرهن على أن الدستور يمكن أن يبقى بدون فعالية ، مالم يكن نتاج توازن قوى اجتماعية ، أوأن هناك قوة واقعياً سائدة في المجتمع تدعم الدستور كل دستور فعال هو تجسيد لواقع ، وتشريع هذا الواقع .
هكذا قوة وفعالية كل دستور ، ليست في الدستور نفسه وإنما مستمدة من الواقع الاجتماعي ، النظر فقط في الدستور وتدقيق نصوصه ،وأحكامه ، سيكون جهداً عبثياً ، مالم يستند إلى واقع اجتماعي يضمن احترام الدستور ، وإلافإن كل دستور سوف يبقى حبراً على ورق.
من ناحية أخرى ، نشاهد ونسمع عندما يحدث انقلاب على حكومة جرى توليها الحكم وفق الدستور ، اصواتاً عدة تدين وتندد بهذا التغيير المخالف للدستور.
لكن هذه الإدانة ، مهما كانت تعبيراتها قاسية ، ليست مجدية ، لأنها لاتأخذ في الاعتبار إلا طريقة تولي الحكم ، وعلى هذا الأساس تدين الانقلاب ، ولاتنشغل بتقييم ممارسة الحكومة للحكم .
منطقياً ، لأن شرط نظام الحكم الديمقراطي الدستوري ، هو أن توليه يكون وفق مايحدده الدستور ، وأيضاً ممارسته يجب ان تحترم ماينص عليه الدستور.
إذن يجب تقييم كل نظام حكم أخذا في الاعتبار هذين المعيارين .
عندئذ يمكن تقييم أسلوب تولي الحكم وفق ماينص عليه الدستور ، وأيضاً تقييم ممارسة الحكم وفق مايحدده الدستور.
في هذه الحالة : يجب إدانه أسلوب تولي الحكم مخالفة للدستور ، لكن أيضاً يجب إدانة ممارسة الحكم مخالفة للدستور.
إن من يدين تغيير الحكم بغير الأسلوب الدستوري ، يجب عليه أيضاً أن يتدخل لضمان ممارسة الحكم وفق الدستور . هذا يمكن أن يشير أما إلى تدخل خارجي ، أو تدخل داخلي ، وعلى كل حال يجعل للمتدخل سلطاناً وشرعية أعلى من نظام الحكم المعترض على تغييره ، وإذن هذا يطرح السؤال حول ديمقراطية هذا النظام .
التدخل الخارجي ، باستثناء إدانته التغيير المخالف للدستور ، لايستطيع شيئاً ، كما يقبل منه تقييم ممارسة الحكم ، بحجة أنه حكم دستوري يرفض الوصاية الخارجية.
أما داخلياً ، فإن تقييم ممارسة الحكم وفق الدستور ، أمر أكثر من ممكن ، لكن لأن توليه كان دستورياً وإذن لايمكن تغييره إلا دستورياً ، هذا يحبط التقييم الداخلي .
حجة أنه حكم جرى توليه دستورياً ، ثم مخالفته قواعد الدستور في ممارسة الحكم ، فإن هذا يشير إلى استغلاله الشرعية التي اكتسبها من أسلوب توليه الحكم ، في مخالفة الدستور وهذا يجعل الانقلاب وسيلة وحيدة لتصويبه.
الانقلاب هكذا ، في مثل هذه الشروط ، هو نتاج تقييم حكم جرى توليه دستورياً لايحترم الدستور.
بالطبع هناك أسباب أخرى للانقلابات ، وليس في نيتنا تبرير كل الانقلابات ، مثل عندما طرف في المجتمع يشعر بأنه بإمكانه الاستيلاء على الحكم ، دون تكبد أضرار مهمة ودون الانشغال بنصوص الدستور ، أو أن الانقلاب يعبر احياناً عن اختلال توازن قوى في صالح طرف ، عندئذ لن يهتم كثيراً بأسلوب تولي الحكم ويمكن أن هذا الطرف يكون هو الذي تولى الحكم وفق الدستور ، لكن عندما تم له ذلك ، لم يعد في حاجة لاحترام الدستور.
هذا يمكن أن يغير من نظرتنا جذرياً : الحكومات هي التي أحياناً تقوم بالانقلاب واعتى الدكتاتوريات قامت في ظل مجلس نيابية ** عندئذ ماينظر إليه أحياناً على أنه انقلاب ليس إلا محاولة تصويب وضع شاذ ، الأسلوب عندئد يرتبط بشذوذ الوضع .
على كل حال ، لايكفي تقييم أي حكومة ،فقط بطريقة الوصول إلى الحكم ، وإنما أيضاً من خلال ممارستها الحكم ، يمكن أن طريقة الوصول إلى الحكم تكون دستورية ، لكن ممارسته تنتهك الدستور . هذا الانتهاك هو الذي يمكن أن يقود أحياناً ، إلى تغيير الحكومة بطريقة غير دستورية ، تتناسب مع لادستورية ممارسته الحكم ، لكن في هذه الحالة الطريقة غير الدستورية ، لإسقاط حكومة دستورية ، ليس انقلاباً ، بواسطته يحل أشخاص محل آخرين وإنما ثورة تعيد تصويب الواقع الاجتماعي المؤسس لكل دستور ، قبل النظر في الدستور.
كل دستور يجسد ويشرع واقع ، تغيير وتعديل الدستور ، لايطال بالضرورة الواقع ،إذن يجب تصويب الواقع الاجتماعي أولاً ، وعندئذ ليس للدستور إلا تشريع وتجسيد هذا الواقع

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter