مات طالب السوداني .. الضحك شحيح الآن

علي السوداني

 

البارحة فرشت مائدتي متأخراَ ، واحداَ وحيداَ مستوحداَ مستوحشاَ . وجه نؤاس يكاد يزرف قلبي . ايمان تستعيد تنويمة وحيدة خليل ” دللّول يلولد يبني دللّول ” ونؤاس الليلة ، يكحل جفنه الغمض . ليلتك تتكوّم فوق طاولتك كما جنازة مؤجلة . لكن ثمة دهشات الهية بديعة . رسالة تلفونية مكرورة تغريك بنظّارة طبية مجانية ان أشتريت أختها بفلوس . المسألة لا تخلو من تلغيز ودوخة ستؤدي حتماَ الى ضحكة ببلاش . ثمة متسع من ليلك يا فتى . سيكون المفتتح فيروزياَ رقيقاَ طائراَ كجنح فراشة ، والمنتهى دامياَ مقلّى فوق حنجرة سلمان المنكوب . المنظر يقبض الروح . زرعة صفراء مكسور ظهرها ، مشتولة في سندانة . عواء كلب وحيد . الليلة تؤثث بالتراتب . مانشيت تلفزيوني مشمور خارج كرزات العائلة : مات طالب السوداني بالسكتة القاضية . مرّ المانشيت سريعاَ كجرذ نازل من رازونة طين . حتى اللحظة ، لم يكن النبأ الوامض يقيناَ . كان عليّ أن أقرأ من جديد وأنطر . ربما هذه واحدة من قفشات طالب . مانشيتات عن الحكومة والرئيس والوحدة الوطنية وفوائد القهوة وثقب الأوزون وفتى أسمر جديد خرج من ظهر مايكل جاكسون ، ثم النبأ اليقين الذي جاء هذه المرة ، واضحاَ ومشعاَ وقوياَ . طالب هو صديقي وكان اقترح عليّ قبل ثماني عشرة سنة ، أن أقيم حفلة توقيع كتابي الأول ، فوق دكة عالية تنزرع عند باب سوق مريدي المشهور . أنا أحب طالب السوداني واحب شعره وصعلكته وتوقيعاته الموجعة ، وهو يستأهل مني الليلة مرثية عظيمة لم تكتب من قبل . سأنظف مائدتي وأطهّرها وأعطرها بالذكر وبالذكرى ، وأرمي كأس العرق في سطل الزبل وأسوّد البياض بموجع الكلام . حتى الآن ، لا حرف أفتتح به المعلّقة . على المراثي ان تكون موجعة ووقورة ، لكنني كلما أعدت تلاوة وتجويد مانشيت موت طالب ، متّ من الضحك عليّ وعليه وعلى البلاد التي جارت علينا . مرة ، قال كاظم الحجاج في واحدة من فلتاته البديعات ، أن عارضات الأزياء الناحلات ، لم يكلّفن الرب طيناَ كثيراَ . شكراَ كاظم عزيزي . لقد عاونتني في فك باب العصيان ، وطالب – مثله مثلهنّ – لم يكلف الله الجميل الكريم ، طينا كثيراَ . كان كومة عظام في كيس متنقّل . قمت على حيلي وشلت بيميني زجاجة العرق وبشمالي وشالة الكأس . سأبدأ فوراَ بتبديل المشهد . طالب يستاهل . صيوان فاتحة عملاق وسمّاعات رصاصية معوّجة وقوّالة نائحة تصيح : يا شيّال تابوته ، خلّه يمر بعياله . المانشيت المدهش يدور ، والتلفزيون يصير جنازة ، لكن المرثية لم تكن مؤلمة كما أشتهيت . ثمة قهقهات أرضية من حسن النواب ونصيف الناصري وضياء سالم ومنذر عبد الحر وحسين الصعلوك وسلام الأسود وحمزة الحلفي . مرثية كمال سبتي كانت أجمل وأحلى من مرثية طالب السوداني . طالب سيزعل . عياله سيزعلون . الناس كلها ستزعل عليّ ، لذا سأعيد تأثيث المرأى . مفردة المرأى ، أحسن من مفردة المشهد . سأزرع بطل العرق في خاصرة المائدة . سأترس الكأس صرفاَ وسكّاَ . سأيمم وجهي شطر وجه الولد نؤاس . سأكتب قصيدة . قصيدة نثر كما خططت . المسألة سهلة . سأفكك المكتوب وأطش الحروف وأسيّب النهايات . سأستعين ب ” يو تيوب ” جنازة ناظم الغزالي و ” اني ليحزنني أن تذهبوا به ” وسأقول لحمزة الحسن : لا يا صاحبي ، ليس لديّ منديل بكاء فائضا . سيفرح طالب وسيشتري لي وصلة أرض عند مدفنه . طالب كائن شاعر شاطر طيب ضحّاك . لقد خدع صاحب دكة المغسل ، ودسّ بجيب كفنه كمشة دنانير ، وهناك ، سيصنع لي مائدة مذهلة وتراتيل من دفتر ” طز ” !!

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter