ليبيا.. والناقدون من الكونجرس.. ودروس لم يتم تعلمها

 

 

جيمس زغبي

 

 

 

لأسابيعٍ وحتى الآن، واجه الرئيس الأميركي باراك أوباما وابلا من الانتقادات من الجمهوريين بسبب فشل إدارته في التدخل في الصراع الجاري في ليبيا. واتهم هجوم الحزب الجمهوري الرئيس بـ “الضعف” و “التردد” و “وانعدام القيادة”.. ولكن الهجمات ـ التي تأتي من نفس مجموعة الشخصيات الذين أفضوا بنا بشكل متهور إلى الحرب في العراق ـ يمكن إغفالها على أنها خطابية حزبية.

 

ثم، فيما بدا أنه تغير مفاجئ، تحركت الإدارة الأميركية بسرعة للضغط من أجل إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي التابع الأمم المتحدة يدعو إلى فرض “منطقة حظر جوي” بالإضافة إلى التدخل في ليبيا. ومستشهدةً بـ “القلق الإنساني المحدق”، بدأت الجهود التي تقودها الولايات المتحدة في شن هجمات وضرب الدفاعات الجوية الليبية والقوات البرية التي كانت تزحف على المدن التي يسيطر عليها الثوار.

 

وبينما بدأ قصف ليبيا، غادر الرئيس الأميركي واشنطن في مهمة تجارية مقررة مسبقا إلى العديد من دول أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية. وبعد محاولة لإدارة رسائل متضاربة عن الزيارة والأحداث المتكشفة في ليبيا، قطع الرئيس زيارته وعاد ليواجه حربا متنامية بالداخل مع المنتقدين من أعضاء الكونجرس والخصوم السياسيين من اليمين واليسار الذين أزعجتهم أفعال الإدارة.

 

وبعض من المخاوف التي أثارها أعضاء الكونجرس مشروعة، وبعضها الآخر يتسم بالطيش وانعدام الحكمة بصراحة، ولكنها كلها يجب أن تُعالج وتُواجه الآن. والمسائل المثارة يمكن تصنيفها عموما على النحو التالي:

 

ـ قليل جدا في وقتٍ متأخر جدا..

 

هذا هو استمرار لنهج الهجوم الحزبي لما قبل الأعمال القتالية ضد الرئيس الأميركي. لقد انتظر أوباما بحق ـ وقد انتابه القلق من أن تتدخل الولايات المتحدة عسكريا في بلدٍ عربي آخر بدون دعم إقليمي ـ حتى مررت جامعة الدول العربية قرارها الذي يدعو إلى فرض “منطقة حظر جوي” قبل الذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على تفويض بضرب ليبيا.

 

وعندما يشتكي جون ماكين من أن أوباما “انتظر طويلا جدا ويأسف على أننا لم نتصرف بسرعة أكبر بكثير”، وعندما يقول ليندسي جراهام “إننا نتبوأ مقعدا خلفيا بدلا من دور القيادة”، فإن كليهما تجاهل وقائع وحقائق ما بعد العراق في الشرق الأوسط. إن أولئك الصقور من الحزب الجمهوري الذين يزايدون الآن ويدفعون بأننا “ما لم نزيح ونقتلع القذافي” فإن المهمة تكون فاشلة، هم يطأون أرضا خطرة أيضا.

 

هم قد يطمحون إلى اليوم الذي تدمغ فيه أميركا نفسها على أنها “قائدة رعاة البقر” أو “الفارس الأبيض المغوار” ولكن ما ينساه هؤلاء هو أنه خلال العقد الزمني الأخير أطلق جورج بوش النار على الحصان ولطخ سمعة الفارس!

 

ـ الديمقراطيون الليبراليون معارضون:

 

هناك تمرد مختمر في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي الذي ما زال غاضبا إزاء تكاليف حربين فاشلتين وتخفيضات في الميزانية المقدمة إلى البرامج الاجتماعية. وقد اجتمعت مجموعة من أعضاء الكونجرس في الأسبوع الماضي وأعربت عن قلقها من بداية “حرب شرق أوسطية ثالثة” عاكسةً قلق دينيس كوسينيتش عضو أوهايو من “إننا لدينا أموال لحروب لا تنتهي، ولكننا لا نستطيع أن نعتني بأمورنا بالداخل”.

 

ـ لا تفويض من الكونجرس:

 

كمرشح للرئاسة، كان السيناتور أوباما آنذاك واضحا تماما في الإشارة إلى أن المطلب الدستوري الذي مفاده أن التدخل العسكري الأميركي يتم بتفويض من الكونجرس. وفي الوضع الراهن، دافع القائمون على أمر البيت الأبيض بأنهم أبلغوا وأخطروا الكونجرس، ولأن هذا العمل هو لفترة محدودة، فإن الإدارة الأميركية لا تحتاج إلى تفويض محدد، وهي حجة لا تكسب زخما في واشنطن. وأثار هذا القلق رئيس مجلس النواب الأميركي جون بوينر (وهو جمهوري من أوهايو) في الأسبوع الماضي، مشيرا إلى “أننا منزعجون من أن الموارد العسكرية الأميركية خُصصت للحرب بدون تحديدٍ واضح من الكونجرس لما هي المهمة”. وكان أكثر شيء شؤما بالنسبة للبيت الأبيض هو قول ويب ستيني هوير زعيم الأقلية الديمقراطي بالمجلس “إنني لا أعتقد أن هناك الكثير من التشاور قد تم”.

 

والذين سيضغطون على الزعيمين بالمجلس هم زملاؤهم بالمجلس الذين أكثر ميلا لطلب التمسك بالمبادئ. وقد بلورت عضوة “حزب الشاي” الشهيرة جوستين آرماش قضية دستورية قوية بالنسبة لدور الكونجرس، بينما تساءل كوسينسيتش عما إذا كان الرئيس، بعدم سعيه إلى طلب تفويض من الكونجرس، قد ارتكب جرما.

 

ـ ما هي المصلحة الأميركية الحيوية في ليبيا؟

 

ثمة قلق إضافي أثاره أولئك الذين يتساءلون ويشككون فيما هي المصالح الأميركية التي هي محل مخاطرة لتبرير التدخل العسكري الأميركي. فسكوت ريجيل (وهو جمهوري) يشير، على سبيل المثال إلى “أن أرواح الأميركيين لم تكن معرضة للخطر.. وأن ليبيا لم تكن تشكل تهديدا ملموسا للولايات المتحدة”، بينما يتساءل كانديس ميللر قائلا “ما هي المصلحة الأميركية الحيوية؟ وكم ستتكلف؟ وكيف تحددون النجاح؟”.

 

إن منتقدي الإدارة الأميركية لديهم مقصد معين عندما يدفعون بأن مسائل أساسية مثل “لماذا نقاتل” و “من الذي نقاتل من أجله” كان ينبغي أن تُناقش قبل بدء الأعمال القتالية.. ولأنها لم تُناقش قبل الأعمال القتالية، فإنها برزت إلى الواجهة بعد يوم بدء القصف. فقد كانت قصة غلاف مجلة” يو إس أيه توداي ” (أميركا اليوم)، على سبيل المثال، “خمسة تساؤلات كبيرة عن ليبيا”، بينما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” بشكل بارز موضوعا يثير تساؤلات عن ” من، وماذا، ولماذا ” هذا الصراع.

 

ـ النتيجة غير واضحة:

 

وكما انزعج بعض أعضاء الكونجرس من أنهم لم يتم استشارتهم بشكل كامل أو يتم إعطاؤهم الفرصة للتفويض باستخدام القوة، يقلق كثيرون بعمق من نقص الوضوح فيما يشعرون بأنه غموض والتباس بشأن الخطة، والالتزام، والنتيجة، لهذا التدخل العسكري.

 

واشتكى زعيم الجمهوريين في السياسة الخارجية بالكونجرس، وهو السيناتور ريتشارد لوجار (وهو جمهوري من إنديانا) من أن “الخطة ليست موجودة ببساطة.. وأن الأهداف، والغايات، والنتائج ليست واضحة”، بينما عبر الديمقراطي جيم ماك جوفرن عن القلق الذي يبديه كثيرون قائلا” لدىَّ هذا الشعور بعدم الارتياح، بسبب انعدام وضوح هذه المهمة”.

 

في الفترة المؤدية إلى حرب العراق، ضغطتُ على الحزب لتمرير قرارٍ يعارض الحرب ما لم يتم تحديد “تكاليف، وعواقب، وشروط الالتزام”، من قبل الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش. كما حذرتُ أيضا من أننا “لا ينبغي لنا أبدا أن نفكر في تدخل عسكري في بلدٍ لا نعرف شعبه وتاريخه وثقافته”. وفشلت الجهود المبذولة لوقف تلك الحرب، كما أن نتائجها ـ المؤلمة جدا إذا ما تأملناها ـ ما زالت باقية معنا. إن نفس الأسئلة التي كان ينبغي أن تُجاب قبل أن نغزو العراق كان ينبغي أيضا أن تُسأل وتُجاب قبل بدء الأعمال القتالية في ليبيا. وحقيقة أنها لم تُسأل ولم تُجب، وأن الدروس لم يتم تعلمها، أمر مزعج ومقلق للغاية.

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter