لم تصلح اربيل ولن تصلح الرياض ماأفسدته واشنطن والمنطقة الخضراء

مع مقاطعة اياد علاوي وطارق الهاشمي وماقيل عن انسحاب عادل عبدالمهدي ، من اجتماع قادة الكتل السياسية الثاني في بغداد بعد اجتماعهم في اربيل بدا تعقيد اخر في دوامة تشكيل الحكومة التي تعسرت ولادتها مذ ثمانية شهور.
ومع ان الجميع شركاء في العملية السياسية التي وضعوا قواعدها باشراف سيء الصيت بول بريمر الا ان خلافاتهم التي استعرت بعد الانتخابات لاتشي باختلافات منهجية وسيتسية قدر ماتشي بصراع على السلطة.
وسواء اتفقت الكتل السياسية العراقية على تشكيل الحكومة أم لم تتفق، وسواء ترأس الوزارة المالكي أو علاوي أو سواهما فإن المؤكد أنه لن يتغير الكثير من الوضع المأساوي الحالي للعراق وشعبه لأن العملية السياسية بكل تفاصيلها بنيت على باطل وسطرتها ونفذتها من ألفها إلى يائها أياد دولية وإقليمية -باستثناء الطرف العربي- وفق أهوائها ومصالحها، وسيظل المتنافسون الحاليون على المناصب يفتقرون إلى الشرعية التي تجعلهم قادرين على تحقيق أي إنجاز في أي مجال سواء كان سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا لأنهم ببساطة جاؤوا مع الاحتلال ولأن “الديمقراطية” العراقية تحمل تشوها خلقيا يناقضها جوهريا يتمثل بالمحاصصة الطائفية التي تجعل الجميع يتحدث هذه الأيام بلا مواربة عن “تقاسم” للسلطة وكأن الأمر يتعلق بغنيمة.
السياسة في العراق اليوم ليس مسرحها المؤسسات والمنابر الشرعية، بل هي ممارسة أقرب إلى المؤامرة التي تنسج خيوطها في الدهاليز المعتمة داخل العراق وخارجه، ووسائلها ليست الأفكار والمشاريع بل الأسلحة والسيارات المفخخة بدليل أن أي موعد سياسي هام يمكن أن يسفر عن مكسب لصالح هذه الطائفة أو تلك، وبما يرضي هذا الطرف الاقليمي أو الدولي أو ذاك، يترافق مع حلقة دموية من التفجيرات والاغتيالات. وأحدث الأدلة على ذلك تفجير كربلاء والذي سبق بسويعات اجتماع اربيل، وهو ما يكشف بشكل قاطع عن أن القوى الاقليمية والدولية المتنافسة على حكم العراق تتخذ من أرواح العراقيين وأمنهم ومستقبل أطفالهم وقودا لصراعها.
وإن ما يعمق المأساة العراقية هو الغياب العربي شبه الكامل عما يجري من صراع على البلد. ونقول شبه الكامل لأنه يوجد بالفعل دور عربي في ما يجري ولكنه باهت وتابع ولاحق على أدوار رئيسية أخرى يحاول بما أوتي من مال وإعلام أن يخدمها أو يغلّب أحدها على الآخر، وسنسوق أمثلة محددة على ذلك.
أحدث الأمثلة الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير خارجية تركيا إلى العراق ولقاؤه المسؤولين هناك عشية اجتماع أربيل الذي كان يتوقع أن يفضي إلى اتفاق حول تشكيل الحكومة ما يدل على أن أنقرة تدافع عن دورها ولا تريد أن يتم شيء هام في غيابها، على العكس من عواصم عربية آثرت الانتظار كما هو دأبها.
ثاني أوضح الأمثلة يتعلق بدور “الكومبارس” الذي يتقمصه بعض العرب في مسرحية السياسة العراقية ويتمثل في توظيف إحدى الدول الخليجية آلتها الاعلامية لمحاربة نوري المالكي في اللحظة التي بدا فيها أنه يقترب بشكل نهائي من ترؤس الحكومة مجددا ومباشرة بعد جولة قادته إلى دول عربية ثم إيران.
مثال آخر على الدور العربي الباهت في العراق واللاهث في ملاحقة أدوار اللاعبين الرئيسيين يتمثل بالدعوة السعودية المتأخرة جدا للفرقاء العراقيين إلى الاجتماع بجدة. والسؤال هنا لا يحتاج إلى إجابة بشأن مبرر انتظار الرياض ثمانية أشهر كاملة بعد “الانتخابات” العراقية والتي أفضت إلى فراغ في السلطة حتى تبادر بدعوتها تلك. أما كان يمكن للسعودية بما لها من وزن سياسي واقتصادي وديني في المنطقة أن تسبق واشنطن وطهران إلى محاولة لمّ شمل الفرقاء العراقيين -على علاّتهم- بما يخدم العراق، وعلى الأقل بما يحدّ من خسائره ومأساة شعبه، وقبل ذلك بما يخدم أمن السعودية واستقرارها باعتبار ما يمثله الوضع العراقي الحالي من مخاطر وما يطرحه من تحديات؟..
إن دورا سعوديا في العراق شبيها بالدور الذي لعبته الرياض في لبنان وتمخض عنه اتفاق الطائف أمر مطلوب، بل ممكن التحقق، بشرط أن يكون نابعا من إرادة عربية لا تابعا لدور دولي.
إننا لهذه الأسباب نجزم بأن اجتماع أربيل ومن ثم اجتماع بغداد -مهما كانت نتائجه- أعجز ما يكون عن رأب الصدوع الخطرة التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في لحمة المجتمع العراقي ووحدته، ولن يمثل نقطة النهاية لمأساة العراقيين بل هو استئناف لها ومواصلة لتفاصيلها بشكل آخر، فالفراغ الذي يتركه العرب دولا وجامعة، وتغلغل العرقية والطائفية في مفاصل السياسة العراقية كفيلان بأن يجعلا البلد ساحة مفتوحة لمزيد من الصراع الإقليمي والدولي الذي نجزم أننا سنرى حلقات وفصولا قادمة منه قد تجعل تقسيم العراق في النهاية أمرا لا مناص منه حين تتعمق الهوة بين أعراقه وطوائفه أكثر فأكثر ويغدو التعايش بينها مستحيلا
وكان قادة الكتل السياسية العراقية قد عقدوا الاثنين الماضي اجتماعهم في مدينة أربيل وفق مبادرة مسعود بارزاني. وجدد رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي وخصمه الأبرز رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي مواقفهما السابقة، وبدت الكلمات التي ألقياها على طرفي نقيض.وشهدت أربيل استعدادات وإجراءات أمنية مشددة تمثلت بانتشار عناصر الأجهزة الأمنية وسط المدينة وعند مداخلها ومخارجها. واقتصر الاجتماع على تبادل القادة كلمات، دعت إلى تشكيل حكومة شراكة وطنية حقيقية دون الغوص في التفاصيل، التي رأى البعض ضرورة ترحيلها إلى البرلمان أو الحكومة المقبلة، في محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع والتجديد للمالكي. وقال المالكي إن هناك “ثلاث نقاط مهمة هي الوحدة الوطنية والمصالحة والشراكة”. ودعا إلى “فتح صفحة جديدة لدفع التفاهم بين الكتل المختلفة والإسراع في تشكيل الحكومة، وشراكة وطنية حقيقية حيث يجب أن يكون الشريك شريكا حقيقيا من أجل تجاوز الماضي بكل جراحاته”. لكنه استدرك قائلا “إن البداية الجديدة مشروطة بالالتزام بالدستور بشكل كامل”، أي عدم الخوض في مسألة تعديل النص الدستوري مجددا. وقال أيضا إن محاولة التوصل لاتفاق يلبي كل الطلبات قد يؤخر تشكيل الحكومة أكثر من ذلك، وأضاف أنه إذا قرر القادة الاتفاق على كل شيء فإن الأمر سيستغرق عاما أو عامين من الآن، لكنهم بحاجة للاتفاق على ما يمكنهم الاتفاق عليه.وفي المقابل قال علاوي إن “المطلوب تحقيقه هو تشكيل حكومة سريعا وفق الاستحقاقات الانتخابية، تكون قادرة على تعديل مسار العملية السياسية، وقوية بما يكفي لتحقيق توقعات الناخبين”. ودعا إلى “المساواة في الحقوق والواجبات والصلاحيات وأن لا يكون لأحدنا اليد العليا على الآخرين، يجب أن تكون الصلاحيات موزعة ومتساوية وضامنة بعيدا عن الطائفية”. وقال “آن الأوان أن نتقدم بخطى واثقة وخطى ثابتة وخطى جريئة لكي نحقق العراق الذي نصبو إليه جميعا، أملي أن يحقق الله النصر لهذا الاجتماع وأن يخرج هذا الاجتماع بنتائج تنعكس إيجابيا على الشعب العراقي”. من جهته أعرب نائب رئيس الجمهورية المنتهية ولايته طارق الهاشمي عن اعتقاده بأن الاجتماع لن يتمكن من تسوية الخلافات العالقة. وقال إن “الكثير من النقاط الخلافية لا تزال عالقة ولا أرى إمكانية لحسم الخلافات خلال الاجتماع”. وأضاف أن “هذه النقاط تستلزم الكثير من الوقت وأولى المسائل العالقة إعادة النظر في الدستور”. وأكد النائب الثاني لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته عادل عبد المهدي أن العراق يعاني من مشاكل سابقة وحالية تراكمت بعد تغيير النظام السابق. ودعا إلى “تشكيل حكومة قوية يشارك فيها الجميع ولا تستبعد ولا تهمش أحداً”، مشيرا إلى أن “هناك إيجابيات كثيرة تحققت من حيث الدستور والانتخابات والديمقراطية وغيرها”.بدوره ألقى رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري كلمة دعا خلالها القادة إلى “تقديم تضحيات لأن الشعب ينتظر شيئا ملموسا”. وطالب أعضاء آخرون في ائتلاف العراقية بأن تناقش الاجتماعات أيضا قضايا مثل أجندة الحكومة الجديدة واقتراحات تشريعية ودستورية وأن تتفق عليها. فيما أعلن زعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم، أن النصر يمثل ان تحقق كل كتلة سياسية طموحاتها، وتتخلى عن بعض منها لصالح شركائها لتحقيق الشراكة الحقيقية.وقال إننا “نريد للجميع الخروج منتصرين من هذه الطاولة، ولا نريد خاسراً في العراق، لأن النصر يتمثل بأن يحصل كل منا على طموحاته ونتخلى عن البعض الآخر لصالح شركائنا الآخرين”.?ولم تظهر إشارات واضحة على تقارب الأفكار في اجتماع أربيل الذي استمر ساعتين وتم نقله على الهواء مباشرة، ليجري ترحيل الاتفاقات الحاسمة والتفاهمات حول الحكومة الجديدة التي استعصى تشكيلها حتى الآن إلى اجتماع ثان في بغداد، بعد مناقشة برنامج اجتماع قادة الكتل السياسية.وقال صالح المطلك إنه لا يعتقد أن يتم التوصل لاتفاق قبل يوم الخميس. لكن زعماء كبار في العراقية قالوا أمس إن من المتوقع أن يوافقوا في نهاية المطاف على التعاون مع المالكي، بينما هددت مجموعة من نواب البرلمان من العراقية بالانشقاق عليها إذا لم تفعل.وقال أسامة النجيفي النائب عن العراقية “هناك توجه للمشاركة في الحكومة، هناك بوادر اتفاق ما زال هناك مباحثات حول الإصلاح وتقاسم السلطة”. فيما قال النائب حسن العلوي عن العراقية إن “الهدف من مبادرة بارزاني هو إقناع العراقية بتولي رئاسة مجلس النواب بعد تمسك الأكراد بمنصب رئاسة الجمهورية”. وأضاف العلوي “أعتقد أن اجتماع أربيل لن يخرج بنتائج حاسمة وقد لا تقتنع العراقية بوجهة نظر التحالف بين كتلة المالكي والأكراد، وبالتالي يتم إعطاؤها فرصة أخرى”. من جهتها وصفت شخصيات سياسية اجتماع أربيل بأنه “محطة لإزالة الخلافات والإسراع بتشكيل الحكومة المقبلة”. وقال المحلل السياسي ابراهيم الصميدعي إن “اجتماع أربيل يهيئ خارطة طريق للسنوات المقبلة للتعامل بواقعية مع الورقة المقدمة، وخاصة ما يتعلق بإشكالية توزيع السلطة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter