لا وردة بباب الربيع علي السوداني

كان بودّي وعلى رأس خاطري أحبائي وحبيباتي أن أكتب معلّقة جميلة حميمة رحيمة ، لا تشلع القلب ، ولا ترفع ضغط الدم ، ولا تستدعي نهرَ دموع غزيرات ، إن ساحتْ فوق مدحلة داحلة ، نهض الشطُّ على حيلهِ وصاح أنا هنا يا صيّادي السمك البنّي والغناء .
كنتُ أريد إنشاء مدونة خضراء حلوة ، مثل ربيع تمّ زرعهُ فوق مصطبة الإحتياط ، بانتظار العمّ الحلم غودو، وغودو الغائب الأبديّ كما مهدي منتتظر لا يأتي ولا يجيء إلّا على صورة فكرةٍ بطِرة .
أنا الليلة القائمة في مفتتحها ، كما كنتُ من قبل وصرتُ ورسختُ من بعد ، لستُ في جبّ تضادٍ مع فكرة المخلِّص وهي فكرة إنسانية تأمّلية خلّاقة في صورتها الجوهرية ، وقد جيء على رسمها في مجمل الأديان والمعتقدات الأرضية ، وبأشكال وصور مختلفة ، لكنني ضدّ الفكرة أيّة فكرة عندما تتحول إلى إبرة مورفين أو وصفة قداسة ، أو علكة تحشيش بأفواه المهزومين المحبطين المعذّبين في الأرض ، الناطرين سماءً أقلّ قسوةً من الأولى الفانية .
إشتهيتُ حقّاً مكتوباً رومانسياً مبهجاً لي ولكم ، لكنّ البلاد التي جنتْ علينا، ولم نجنِ على أحد ولا على ماحود ، تأبى إلا أن تصبغ لونها بالأحمر، ويا ليته كان ذلك الأحمر الجوريّ المورّد الذي شافهُ المغنّي المدهش سعدي الحلّي ، فائراً مشعّاً فوق وجنتي الحبيب ، فصاح به وناح وتناوح مثل طير غريب حبيبي خدودك شيوعيّات
هذا وطنٌ غير محظوظ ، كان اسمه أرض السواد ، بلاد مابين النهرين ، من فرط خضرته وعذب مائه وتبغدد ناسهِ ، حتى أمطرت على أرضه ألأيام السود المسخمات ، فصارت القوم تسميه بلاد ما بين القهرين.
ألتدمير ممنهج ، والمخرج واحد وإن تبدلتْ أقنعتهُ ، وليس بمقدور قاموس السوء والدونية والوضاعة ، أن يجمع صفات الوضع القائم الآن ببغداد العباسية المحتلة حتى الآن احتلالات مركبة ومعقدة ، وثمة مفردات شهيرة تستعملها الناس هذه الأيام ، ومن قوة وكثرة استعمالها ، صارت مثل ماسحة كاشي عتيق بائتة في سطل سيان
في بلاد ما بين القهرين ومن دون خلق الله وأرضه ، لدينا مائة تلفزيون فضائيّ ، ومائة مذياع ومذياعان ، ومائة جريدة ، ومائة دكان تصنيع حكي ، ومائة مزاد ومطبخ مجتمع مدنيّ مدوهن ، من الصنف الذي يقف مالكوه ، على عتبة باب سفارة أمريكا بالمحمية الخضراء ، يصيحون بصوت مموسق موحّدٍ لله يا أمريكان يا محسنين ، فيخرج لهم من بطن السفارة المطبخ موظف الجنط صحبة كلبٍ شمّام ، ويزرع كل يد شحاذ وشحاذة ، بجنطة دولارات سمينة ، ولا ينسى أن يضرب كل واحد منهم ، أو واحدة منهنَّ على مؤخرتها، دلالة الرضا والتمام .
ألفضائيات والراديونات والجرايد والدكاكين كلها ، تقوم بزخّ الكلام على نهارات وليالي وسهرات الناس ، التي أدمنت السماع والفرجة والبلَهْ ، حتى تبلبلت العقول وتبلّدتْ ، وتجلجلت النيّات ، وانعدمت مديات الرؤيا والرؤى وضاقت كما لم تضق العبارة من قبل ، وصار من العسرة وثامن المستحيل على القوم الحائرة الدائخة ، تمييز الصدق من الكذب ، وفك الإشتباك بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.
لهذا النوع من الكذب والدس واللبس والتدليس والتلفيق والتزوير، ميزانية عملاقة ، قد تصل إلى حد ما تصرفه دولة سريلانكا ، من أجل اسكات قرقرة بطون وأجواف الفقراء.
شعبٌ ساكتٌ . حاكمٌ لا يستحي ولا يحلل ولا يحرّم . كأنَّ البلاد ضُربتْ بقوة تسع درجات على مقياس ريختر للهزّات التأريخية .

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter