لا تثقوا بالولايات المتحدة (9) د. حسين سرمك حسن

البرازيل : خدعة “عملاق الجنوب” ومؤامرة “الخصخصة”

 

تمهيد :
——-
البرازيل أو – رسمياً – “جمهورية البرازيل الاتحادية” هي أكبر دولة في أمريكا الجنوبية ، وثالث أكبر بلد في الأمريكتين ، وخامس أكبر دولة في العالم، سواء من حيث المساحة الجغرافية أو عدد السكان ، حيث تبلغ مساحة البرازيل (8.511.965) كم2 ، ويبلغ عدد سكانها (188.078.227) نسمة.
كانت البرازيل مستعمرة للبرتغال بدايةً منذ هبوط المستكشف “بيدرو الفاريس كابرال” فيها عام 1500 حتى عام 1815. في عام 1815، رُقّيت البرازيل إلى رتبة مملكة عند تشكيل مملكة البرتغال والبرازيل والغرب المتحدة . بقيت البرازيل مستعمرة برتغالية حتى 1808 عندما نُقلت عاصمة الإمبراطورية من لشبونة إلى ريو دي جانيرو بعد غزو نابليون البرتغال. وقد تحقق الإستقلال في 1822 عندما تم تشكيل الإمبراطورية البرازيلية، وهي دولة موحّدة يحكمها نظام ملكي دستوري ونظام برلماني. أصبحت البلاد جمهورية رئاسية في عام 1889، عندما أعلن الانقلاب العسكري الجمهورية في البرازيل، مع وجود مجلسين تشريعيين. يعود تاريخ التصديق على أول دستور إلى عام 1824. دستور البرازيل الحالي والذي وُضع في عام 1988، يُعرّف البرازيل بأنها جمهورية فدرالية. ويتكون الإتحاد من اتحاد منطقة العاصمة الاتحادية، واتحاد 26 ولاية.
وعود الرئيس الأمريكي إيزنهاور للبرازيليين :
———————————————
طمأن الرئيس إيزنهاور خلال زيارة عام 1960 البرازيليين بأن :
(نظام شركاتنا الخاصة  الواعية اجتماعيا يعود بالفائدة على جميع الناس ؛ الملّاكين والعمال على حدّ سواء. في ظل الحرّية ييرهن العامل البرازيلي بسعادة على مباهج الحياة في ظل النظام الديمقراطي) .
فماذا كانت نتيجة هذه الوعود الأمريكية ؟
الإنقلاب العسكري هو أول نتيجة للوعود الأمريكية :
————————————————— 
دبّرت إدارة الرئيس “جون كنيدي” الإنقلاب العسكري في البرازيل عام 1964 ، وساعدت على تحطيم الديمقراطية البرازيلية ، التي خُطّت في سبيل الإستقلال . دعمت الولايات المتحدة الانقلاب الذي وضع حجر الأساس لعمليات التعذيب والإرهاب على طريقة النازي . دمّر الإنقلاب الحياة البرلمانية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية ، وبدأت فترة دمويّة مُرعبة خرّبت الحياة في االبرازيل لمدة ثلاثة عقود . (مرّت الأرجنتين وتشيلي وغيرهما بفترة دموية مشابهة من منتصف الستينات إلى الثمانينات وسوف نتناولها قريباً) .
كيف قامت الولايات المتحدة بالتخطيط للإنقلاب العسكري ؟ :
———————————————————-
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتخطيط للإنقلاب العسكري بعد أن أصبح السيّد (خواو غولارت) رئيساً للبرازيل عام 1961 . قلق العسكريون من جاذبيّة هذا الشخص اليساري وخطابه الشعبي ، وأغضبتهم جهوده الهادفة لرفع الحد الأدنى لأجور العمال المدنيين ، وزادت مخاوف جماعة رجال الأعمال الأمريكيين عندما أصدر قراراً يفرض قيوداً على الاستثمار الأجنبي ويحدّ من تحويل الأرباح ، لأنّ هذا التحويل يستنزف الاقتصاد البرازيلي . وبالرغم من أن هذا الرجل كان معادياً للشيوعية إلّا أن رجال الأعمال الأمريكيين ومسؤولي السفارة الأمريكية شعروا بالخوف من علاقاته مع العمال والمنظمات الفلاحية وتعيينه عددا من الشيوعيين في مناصب عالية . اعتبرت وكالة المخابرات الأمريكية (السي آي أي) هذا نهجاً شيوعياً صريحاً . أخبر الجنرالات البرازيليون (وأغلبهم تمّ تدريبهم في الولايات المتحدة) السفير الأمريكي في البرازيل بأنّهم يحضّرون لانقلاب . بمبادرة شخصية من الرئيس “جون كندي” بدأ الدعم السرّي والعلني للمرشحين اليمينيين . أرسل جون كندي شقيقه “روبرت كندي” ليبلغ الرئيس البرازيلي “غولارت” بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية قلقة من مضايقات رجال الأعمال الأمريكيين والمستثمرين الأجانب ، وتسرُّب الشيوعيين والقوميين اليساريين المعادين للولايات المتحدة إلى الحكومة ، وأن على الرئيس “غولارت” أن يهتم بأن يشغل المواقع الإدارية والإقتصادية “المفتاحية” في البرازيل أشخاصٌ موالين للولايات المتحدة ، وأن يفرض السياسات الاقتصادية التي تريدها .
لم ينصاع الرئيس “غولارت” لهذه “الأوامر” ، فتوتّرت العلاقات . حثّ مدراء الشركات الأمريكيون آنذاك الولايات المتحدة على وقف تام للمعونات الإقتصادية لتسريع الانقلاب . حذّرت السفارة الأمريكية من أن “غولارت” يرقّي الضبّاط ذوي الميول القومية على حساب الضبّاط الموالين للولايات المتحدة وللديمقراطية (لاحظ أن الديمقراطية ترادف الولاء للولايات المتحدة بالنسبة للأمريكان) . زادت المساعدات العسكرية . قدّمت الـ CIA تمويلاً لتظاهرات في بعض المدن . وفي 31 آذار قام الجيش بانقلاب وصفه الأمريكيون بـ (العصيان الديمقراطي) ، ورحب السفير الأمريكي بالانقلاب باعتباره “ثورة ديمقراطية” ووصفه بأنّه (الانتصار الوحيد الأكثر حسما للحرية في منتصف القرن العشرين) وقال : (إن انتصار الحرية هذا – أي الإطاحة العنيفة بالديمقراطية البرلمانية وبالرئيس المُنتخَب – لا بد أن “يخلق جوّاً أفضل بكثير بالنسبة للإستثمارات الخاصة) . أهّلتْ تلك الإنجازات الولايات المتحدة للقب “مُلهمة انتصار الديمقراطية” ، كما أطلقت عليها الجريدة الليبرالية (نيو ريببلكان – الجمهورية الجديدة) . ويخبرنا “توم ولف” أن الثمانينات “جاءت بأعظم الفترات الذهبية في تاريخ الإنسانية” .
بعد الإنقلاب أُطيح بالنظام البرلماني بعنف ، وسُحقت الحركة العمالية . خُفّضت الأجور 25% خلال السنوات الثلاث الأولى . أُعيد توزيع الدخل لصالح جماعات الدخول العالية . اعتبرت “النيويورك تايمز” (القمع الوحشي والهجوم على مستويات المعيشة شرطاً أوّلياً لدورة جديدة من النمو الرأسمالي في الاقتصاد الداخلي البرازيلي) . الآن قدّم البنك الدولي أوّل قروضه بعد أن رفض ذلك لمدة 15 عاما ، وازدادات المعونة الأمريكية مع زيادة التعذيب والقتل والجوع والأمراض ووفيات الأطفال … وأرباح الشركات . صارت الولايات المتحدة تُشرف على كلّ جوانب السياسة الاقتصادية البرازيلية. 
تكتيك دخول البنك الدولي إلى ساحة اللعبة :
——————————————
بالطبع ، يبدأ العسكريون – وبتخطيط من الولايات المتحدة – بهمّة ، في صنع مأساة اقتصادية – وغالبا ما يكون ذلك باتباع وصفات المستشارين الأمريكيين – وبعيد الفراغ من ذلك ، يسلّمون المشكلات للمدنيين الذين سيجدون اقتصاداً مُصادراً ، وقطاعاً عامّاً مُباعاً ، وثروات مُستباحة يتلاعب بها 3 – 5 % من السكان ومن يرتبط بهم ، مقابل حالة من البؤس العارمة تطيح بأكثر من 80% من السكان . هنا يأتي حبراء البنك الدولي ليعرضوا خدماتهم لإنقاذ الإقتصاد المُحطّم .
وبالنسبة للولايات المتحدة – وفي كثير من الأحوال – لم يعد الاحتلال العسكري السافر ضرورياً ، فقد برزت وسائل حديثة مثل : صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي .
يُقرض البنك الدولي البلدان مقابل شروط تتمثل في سياسة “تحرير الاقتصاد” ، أي تهيئة الاقتصاد الوطني لاختراق المال الأجنبي ، وتحكّمه فيه ، مع تخفيضات حادّة في خدمة المجتمع . يكرّس هذا تقسيم المجتمع إلى أقلية ثرية وأكثرية تعاني الحرمان والفقر المدقع .
تهيء الديون والفوضى الاقتصادية التي ينجزها العسكريون – كما قلنا – الساحة أمام شروط وقواعد صندوق النقد الدولي ، إلّا إذا حاولت قوى سياسية وطنية ذات شعبية التدخل ، وفي هذه الحالة يعود العسكريون لاستعادة الاستقرار ! وفي حالة بلدان أمريكا اللاتينية – ومنها البرازيل – يكون عذر المخابرات الأمريكية حين تدبّر الإنقلابات هو إبقاء الشيوعية بعيدة عنها (المقصود بالشيوعيين أولئك الميّالون إلى الفقراء والذين طالموا رغبوا في نهب الأغنياء على حد تعبير “جون فوستر دالاس” وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك).
وتقدّم البرازيل حالة كاشفة على هذه السياسة التدميرية حيث تتمتع بثروات طبيعية تمكنها من أن تكون أغنى دول العالم . كذلك تمتعت بتنمية صناعية عالية المستوى . ولكن بفضل انقلاب عام 1964 ، ومن ثم “المعجزة الاقتصادية” التي يشيد الكلّ بها ، أصبح أكثر البرازيليين يعيشون مثل الأثيوبيين ، وأقلّ من سكان أوروبا الشرقية . دع عنك التعذيب والقتل والأساليب الأخرى لضبط عدد السكان كما سنرى ! .
أهداف الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عموماً والبرازيل خصوصاً :
———————————————————————
تتلخّص أهداف الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عموماً والبرازيل خصوصاً بما يأتي  :
– إبقاء المنطقة سوقاً مفتوحة لفوائض الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة وللاستثمارات الخاصة.
– استغلال احتياطيها الهائل من المواد الخام.
– منع النزعات القومية الاقتصادية.
– منع أي تطوّر صناعي مُفرط يمكن أن ينافس الشركات الأمريكية.
– وبالنسبة للبرازيل كانت القاعدة هي : (لا بأس بتنمية البرازيل طالما لا تتعارض هذه التنمية مع الأرباح والهيمنة الأمريكيتين ، وطالما استمر ضمان تحويل أرباح كافية للخارج) .
– تشجيع التنمية الزراعية طالما تجنبت برامج تقوّض الإستقرار كالإصلاح الزراعي ، وتعتمد على المعدات الزراعية الأمريكية .
– تشجيع البضائع التي تكمل الإنتاج الأمريكي كالبن والكاكاو والمطاط والجوت .
– خلق أسواق جديدة للسلع الزراعية الأمريكية مثل منتجات الألبان والقمح .
– تأتي الرغبات البرازيلية في المرتبة الثانية ، وهي مفيدة (للطبطبة عليهم قليلا وجعلهم يعتقدون أنك تحبهم كما يقول “جون فوستر دالاس” أيضاً) .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter