لا تثقوا بالولايات المتحدة (12) د. حسين سرمك حسن واشنطن تطيح بالرئيس البنمي المنتخب وتنصب زعيم عصابة للمخدرات رئيسا

فكيف استطاعت الولايات المتحدة تحقيق هذا الهدف واين؟

استطاعت الولايات المتحدة تحقيق ذلك عبر مناهج تدريبية خاصّة وبرامج تسليح مركّزة كانت تجري في مؤسسة عسكرية اسمها (مدرسة الأمريكيتين الحربيّة في بنما) . كانت مدرسة الأمريكيتين تدعو ديكتاتوريي أمريكا اللاتينية ورؤساءها ليرسلوا ابناءهم وقوّادهم العسكريين إلى هذه المؤسسة وهي الأفضل والأكبر خارج أمريكا الشمالية . هناك يتعلمون مهارات التحقيق والعمليات الحربية السرّية وحماية الشركات المتعددة الجنسيات وشركات البترول . كانت هذه المدرسة مثار كراهية شعوب أمريكا اللاتينية فيما عدا القلة الثرية التي تنتفع منها . كان معروفا أن المسؤولين عليها يدرّبون “فرق الموت” المتطرّفة والجلّادين الذين حوّلوا بلاداً كثيرة الى أنظمة دكتاتورية . وكانت المدرسة تدرّب الجنود اللاتينيين على قمع التمرد والعصيان والتحقيق والتعذيب والتجسس والاغتيال، وقد شمل خريجوها أسوأ الجنرالات والدكتاتوريين سمعة في أمريكا اللاتينية. وقد عرف توريخوس بأهداف هذه المدرسة التدميرية لأنّه كان – ومعاونه لاحقاً “مانويل نوريجا” – من خرّيجيها .

أعلنها توريخوس واضحة: إنّه لا يريد إقامة مراكز تدريب في بنما، وأمر بنقل المدرسة هذه من بلاده .

 

إلى أين نُقلت هذه المدرسة ؟:

نُقلت هذه المدرسة إلى ولاية جورجيا (نورث بيينغ) بالولايات المتحدة، واستمرت بتدريب الضباط ورجال الشرطة في بلدان أمريكا اللاتينية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتهدف هذه المدرسة – كما قلنا إلى تدريب الضباط ورجال الشرطة على استخدام وسائل القمع . وقد اعترفت وزارة الدفاع الامريكية بأن الكتب الدراسية المقرّرة في هذه المدرسة مازالت حتى بين عامي 1982 – 1991 توصي باستخدام التعذيب والإعدامات بدون محاكمة، واستخدام كل أساليب العنف بغية الحصول على معلومات من المعارضين وأعضاء الميلشيات السياسية أو العاملين في صفوف حرب الغوار . ووفقا للسلطات العسكرية فقد أجري تعديل منذ عام 1992 وبشكل سرّي . وكان على الرأي العام الأمريكي أن ينتظر حتى عام 1996 ليعرف حقيقة المناهج وحقيقة هذه المدرسة، وذلك بعد تحقيق أجراه الكونغرس عن دور المخابرات المركزية الأمريكية في تدمير غواتيمالا (كما سنرى في حلقة مقبلة عن غواتيمالا) . وقد قامت هذه المدرسة منذ تأسيسها عام 1946 بتريب 46 ألف طالب من 12 بلدا، وبلغت أوج مجدها في الستينات حيث كانت الولايات المتحدة منغمسة بعمق في دعم الأنظمة الموالية لها في أمريكا اللاتينية وتصفية الأنظمة الديمقراطية واليسارية . وقد أصبح عدد من هؤلاء الضباط بعد أن أصبحوا جلّادين مشهورين، رؤساء دول، وقد شكّلوا طبقتهم الخاصة. منهجها يتكون من سبعة كتب بالإسبانية وفصولها تتحدث عن التعذيب ونزع الاعترافات واحتجاز والدي وأقارب المقاوم والتهديد بالسجن والإعدام والتظاهر بتنفيذ الإعدام وغيرها . تم تغيير اسم هذه المدرسة إلى “المعهد العالمي الغربي للتعاون الأمني” لامتصاص النقمة . وارتباطا بحلقتنا السابقة (العاشرة) عن فنزويلا فإن هذه المدرسة وحسب اعترافات أحد ضباطها قد درّبت جيشا من مقاتلي الأدغال ويتكلمون الإسبانية لغزو فنزويلا (المشهورة بأدغالها والناطقة بالإسبانية) في السبعينات .

كان توريخوس يعلم خطورة الشوط الذي قطعه في مواجهة الوحش الأمريكي ولهذا كان يكرّر على سامعيه: “على رجال الوكالة أن يغتالوني بأنفسهم” .

 

بعد اغتيال توريخوس، الولايات المتحدة تعلن نوريجا كرمز للديمقراطية !:

بعد اغتيال توريخوس سيطر الجنرال “نوريجا” على الحكم في عام 1983، على الرغم من استمرارا “الإنتخابات” الرئاسية في اللعبة الديمقراطية المزيّفة.

هذا الجنرال “نوريجا” كان مُسجّلاً في قوائم المتعاونين مع وكالة الإستخبارات الأمريكية كعميل لهم، كان فاسداً ويسمّيه الشعب البنمي “المحتال” كما يقول “نعوم تشومسكي” . لكن هذا النمط من الحكّام هو الذي اعتبرته الولايات المتحدة النموذج الأعلى للديمقراطية في أمريكا الجنوبية . شيء لا يُصدّق ! أليس كذلك ؟ إذن تابعوا السفالة التي تتصرف بها الإدارة الأمريكية:

تعلم حكومة الولايات المتحدة أن “نوريجا” متورّط في تجارة المخدرات منذ عام 1972 إن لم يكن من قبل ذلك، وقد فكرت إدارة نيكسون في اغتياله، ولكنه ظل في كشوف مرتبات المخابرات الأمريكية . وفي عام 1983 استخلص تقرير إحدى لجان الكونغرس أن بنما مركز لتجارة المخدرات وغسيل أموالها .

استمرت حكومة الولايات المتحدة في تقدير خدمات نوريجا . وفي مايو عام 1986 أشاد مدير وكالة مكافحة المخدرات بسياسة نوريغا الشديدة في محاربة المخدرات !!. وبعد ذلك بسنة أشاد نفس المدير بتعاوننا الوثيق مع “نوريجا”، بينما أوقف المدّعى العام “إدوين ميسه” تحقيقات وزارة العدل عن نشاطات “نوريجا” الإجرامية . وفي أغسطس عام 1987 عارض “إليوت ابرامز” أحد مسئولي الخارجية الأمريكية (المسؤولين عن أمريكا الوسطى وبنما) قرارا للكونجرس يدين نوريجا. هل تصدّقون ذلك أيها السادة القرّاء ؟؟

وبعد ذلك كلّه عندما وُجهت الاتهامات لنوريجا عام 1988، رجعت الإتهامات كلّها عدا واحدا منها – إلى فترة ما قبل عام 1984، أي إلى الفترة عندما كان رجلنا يخدم مصالحنا بكفاءة واجتهاد كما يقول “تشومسكي” .

القصة معروفة ومتوقعة ومكررة ؛ يتحول الحاكم من الصديق اللطيف الذي يُعتمد عليه – فيستحق التأييد، ويُكال له المديح والثناء – إلى الطاغية الفاسد المستبد فور ان يبدأ بارتكاب جريمة الاستقلال واتخاذ القرارات بنفسه . الخطيئة الشائعة هي تجاوز سرقة فقراء شعبه – الأمر المقبول في حد ذاته لدينا – إلى البدء في التدخل في ما لا يعنيه من أمور الصفوة ومصالح رجال الأعمال والشركات الكبرى (الأمريكية بالطبع) .

 

لماذا أسقطت واشنطن الجنرال نوريجا رمز الديمقراطية:

مجموعة من الأمور جعلت واشنطن تقرّر إسقاط نوريجا . منها أنه رفض أيضاً عودة مدرسة الأمريكيتين الإرهابية إلى بنما ؛ المدرسة التي أخرجها توريخوس من البلاد . كذلك فإنه – من بين تهمٍ أخرى – تردّد في مساعدة منظمة “الكونترا” التي تدعمها الولايات المتحدة لإسقاط النظام اليساري في نيكاراغوا (راجع الحلقة السادسة). وبالطبع فإن استقلال نوريجا يهدّد مصالح الولايات المتحدة في قناة بنما . بدءا من 1 يناير عام 1990 تسترد بنما معظم قناتها، وتعود إليها القناة كاملة بحلول عام 2000، لذا وجب على واشنطن التأكد من أن بنما كلّها ستصبح في أيديها قبل أن تعود إليها قناتها .

ولكن بما أنها لم تعد تثق في نوريجا فيجب أن يذهب، تبدأ القصة المكرّرة بأن تفرض الولايات حظرا اقتصاديا لتدمير الاقتصاد البنمي، وبالطبع يقع العبء الأكبر على الفقراء – ومن ثم يُكرِه البنميون نوريجا (ولديهم أسباب كثيرة أخرى) وسيتمنون هم أيضا ذهابه .

أشياء لا تصدّق عن دعم الولايات المتحدة لنوريجا الديمقراطي

إعلام الوايات المتحدة الحرّ يساند رجل الديمقراطية نوريجا !!:

 

يقول تشومسكي:

(اتبع الإعلام الامريكي خط الحكومة طوال العملية واختار الأبطال والأشرار بدقة . وما كنا نصفح عنه صرنا نعتبره جريمة . فعلى سبيل المثال، فاز بانتخابات الرئاسة في بنما عام 1984 “أرنولف أرياس”، ولكن نوريجا تدخل وزوّر وسرق الانتخابات لمرشّح آخر عن طريق العنف والنصب .

في ذلك الوقت كان نوريجا رجلنا المطيع في بنما بينما كان أرياس يحمل في فكره وفكر حزبه جراثيم الوطنية الزائدة كما تقول الصحف الأمريكية.

إذن كان لابد على إدارة ريجان أن تصفّق لانتصار نوريجا وترسل وزير الخارجية “جورج شولتز” بتهنئة خاصة للديمقراطية الجديدة الخاصة في بنما.

لقد ترفّع الاعلام الأمريكي عن الخوض في نقد انتخابات بنما .

 

الإعلام الأمريكي الحرّ ينقلب على نوريجا بعد تأييده:

وفي عام 1989 سرق نوريجا انتخابات أخرى بعنفٍ أقل، لكنّه أثار غضب واشنطن وآلتها الإعلامية . لقد ارتكب نوريجا خطيئة الاستقلال عن تبعية واشنطن كما قلنا، وأظهر تخاذلا في عدم تقديم الدعم لسادته في واشنطن الذين كانوا يقومون بحرب إرهابية ضد نيكاراغوا ويحتاجون فيها إلى مساعدته . فورا صار نوريجا في الصحف الأمريكية:

“من أعضاء الجمعية الدولية للزعماء السذج الذين يكرههم الأمريكيون”

“واحدا من أكثر المخلوقات التي عرفناها كراهية”

“رأس قائمة حثالة تجار المخدرات في العالم”

 

أغرب رسالة تهنئة في التاريخ:

كانت الانتخابات عام 1984 بمثابة النموذج الثابث الذي تم فيه استخدام أشكال مختلفة من الاحتيال والعنف لصالح السفاح نوريجا، وكان وقتها صديقا لواشنطن ولهذا باركت جهوده “الديمقراطية” . قدّمت ادارة ريجان التهنئة لذلك السفاح بعد أن كانت قد موّلت حملته للفوز، وكانت رسالة التهنئة قد وصلته قبل سبع ساعات من التصديق على نتيجة (انتخابه) !!!

كما سافر وزير الخارجية “جورج شولتز” بنفسه ليشرعن عملية الإحتيال وليقدم الثناء ل “عملية الديمقراطية الرائدة” – كما وصفها التي وقفت بالمرصاد للساندنستيين، لتضاهي معايير بنما الراقية في العملية الديمقراطية . هكذا حالت الولايات المتحدة بدعمها نوريجا دون فوز “أرنولفو أرياس” الذي اعتبرته وزارة الخارجية “قوميا متعصبا غير مرغوب فيه “، بينما كان نوريجا – وهو تلميذ سابق لجورج شولتز – “حسن السلوك” حتى لو عُرف في بلده بنما باسم “المحتال” كما يقول تشومسكي.

 

لكن لماذا كان جورج شولتز فرحا بالسفاح نوريجا ؟:

كيف يسافر وزير حارجية الولايات المتحدة بجلالة قدره، ليهنّىء سفّاحا هو نوريجا على التزوير ويعتبره رائداً للديمقراطية، وهو يعلم بأنه عميل لمخابراتهم ويتاجر بالمخدرات ؟

يجب علينا الإشارة إلى ظاهرة مخيفة في الحياة السياسية الأمريكية – سنقف عندها في حلقات مقبلة – وتتمثل في خضوع السياسة للإقتصاد وتحديداً لنشاط الشركات الأمريكية الكبرى .

لنأخذ أمثلة محدّدة:

من مدير شركة فورد للسيارات إلى وزير دفاع ثم مديرا للبنك الدولي !!!!:

وزير الدفاع الأمريكي “روبرت مكنمارا” صعد مثل الشهاب من مجرد مدير تخطيط الى محلل مالي في شركة فورد للسيارات عام 1949، ثم الى منصب رئيس الشركة شخصيا عام 1960، وهو أول رئيس للشركة يختارونه من خارج عائلة فورد، ليصبح بعد وقت قصير وزيرا لدفاع كنيدي . ثم رئيسا للبنك الدولي . وقَبِل الوظيفة بسرعة بعد ترك منصب وزير الدفاع ويرمز إلى ارتباط الجيش بالصناعة، فاحتال على البنك الدولي وجعله وسيلة الامبراطورية العالمية الأكثر شرا في التاريخ . وأرسى الأساس للتنقل بين السلطات المختلفة في مجموعة (الكوربوقراطية Corporatocracy) .

الآن أرجو أن يركّز معي السادة القراء على هذه المعلومات العجيبة فهي المفتاح لفهم السبب الذي جعل الولايات المتحدة تطيح بعميلها في بنما، وتغتال الرئيس توريخوس قبله، مثلما تظهر السبب الحقيقي للبرقية المستعجلة ولسفر شولتز المستعجل:

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter