صاحب الامتياز
رئيس التحرير
عبدالرضا الحميد

لا تثقوا بالولايات المتحدة (11) د. حسين سرمك حسن

 

مأساة بنما: تغتال الرئيس الشريف وتعتبر الرئيس المحتال “نوريغا” ديمقراطياً

 

كيف تتحكم شركة “بكتل” في السياسة الأمريكية؟

 

نبذة عن جمهورية بنما:

تقع جمهورية بنما في أميركا الوسطى، وهي حلقة الوصل بين أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية. عاصمتها بنما سيتي. يحدها «البحر الكاريبي» شمالاً، و«كوستاريكا» غرباً، و«المحيط الهادىء» جنوباً، و«كولومبيا» شرقاً. مساحتها: 75,517 كلم2. عدد سكانها: 2,735,943. أصبحت باناما، بين 1739م و1819م جزءاً من مستعمرة غرينادا الجديدة الإسبانية K وعندما نالت المستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية إستقلالها، نالت باناما استقلالها في 28 تشرين الثاني عام 1821م وانضمت إلى كولومبيا.

 

كيف استولت الولايات المتحدة على بنما:

كانت بنما جزءاً من كولومبيا عندما قرر المهندس الفرنسي “فرديناند دي لسبس” الذي اشرف على حفر قناة السويس حفر قناة عبر برزخ امريكا الوسطى ليربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي . من 1881 إلى 1889 قام الفرنسيون بجهد خارق تعرّضوا خلاله لكوارث كثيرة، طبيعية (انتشار الأوبئة والأمراض) وهندسيّة (خطأ في الحسابات)، ومالية، ولكنهم لم يستطيعوا أكمال العمل حتى النهاية، فقاموا ب “بيع !!” حقوق ملكية القناة إلى الولايات المتحدة التي كانت أعينها تترقب الحدث بحذر شديد وتنتظر اللحظات المناسبة لاقتناص الفرصة، فاشترت حقوق الملكية من الشركة الفرنسية، وبدأت بالتخطيط لانفصال بنما عن دولة كولومبيا التي عرضت عليها في أثناء الأعوام الأولى من القرن العشرين التوقيع على معاهدة تحويل البرزخ لاشراف اتحاد شركات “أمريكا الشمالية”، لكن كولومبيا رفضت. وقد تحقّق للولايات المتحدة المراد عبر مؤامرة حرّضت فيها العديد من السياسيين البنميين وإغرتهم بالأموال والمناصب في الدولة الجديدة، التي ظهرت معالمها في الخامس من نوفمبر 1903.

كانت الولايات المتحدة قد دفعت لرجالها المنشقين 100 ألف دولار للشخص الواحد وعمدت إلى تزويدهم بوثيقة جاهزة للاستقلال وعَلَما مشابها للعلم الأمريكي، ودفعت بقواتها العسكرية لحماية الدولة الجديدة، ومنعت تقدّم الجيش الكولومبي، الذي لم يكن يرغب في الانفصال، قبل أن تضغط بثقلها حتى جاء اعتراف الدول العظمى (الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا) بالدولة الجديدة بنما، التي سارعت الولايات المتحدة إلى توقيع اتفاقية معها لاستغلال القناة ومنحها السيطرة المطلقة عليها وعلى الأراضي المحيطة بها لمدة 100 عام المقبلة،

في عام 1903 أرسل روزفلت أسطوله البحري حيث هبط الجنود، وقتلوا الميليشيا المحلية، وأعلنوا بنما دولة مستقلة، ونصّبوا حكومة عميلة من الأقلية البيضاء، وتم التوقيع على معاهدة القناة الأولى التي منحت الولايات المتحدة الشرعية للتواجد العسكري على جانبي القناة، وحق التدخل العسكري، والسيطرة على تلك الدولة الحديثة التي يُزعم أنها مستقلة .

 

احتقار الشعب البنمي:

والمفارقة أنّ من وقّع على تلك الاتفاقية هما وزير الخارجية الأمريكي والمهندس الفرنسي “فيليب بونو فاريللا” الذي كان عضو فريق العمل الذي شقّ القناة، ولم يوقّعها بنمي واحد، فتصوّر الإستخفاف بإرادة الشعوب واحتقار الشعب البنمي .

 

خمسون عاماً من البؤس في ظل السيطرة الأمريكية:

ظلّت بنما لأكثر من نصف قرن تحكمها حكومة أقلية ثريّة تخدم واشنطن، وتساعد شركة بترول استاندرد أويل للبترول التي يملكها روكفلر آنذاك، وشركة الفواكه المتحدة (يونايتد فروت) (التي باعها جورج بوش الأب) والتي تحكمت بحكومات أمريكا اللاتينية طوال القرن العشرين . كان الشعب في فقر ويعمل أغلب أفراده أمّا كعبيد أو كبغايا . وبين اعلان الاستقلال كدولة مستقلة وعام 1968 تدخلت القوات الامريكية عشرات المرّات في الشؤون الداخلية البنميّة .

كان وضع الشعب البنمي يتدهور بصورة مستمرة مع نمو ثروات الشركات الأمريكية خصوصا شركة “بكتل” مالكة القناة . كانت نسبة البطالة بين الشعب 30%، ودَخْل المواطن في مركز العاصمة أقل من ألف دولار سنوياً !!، فكيف الحال بالمواطنين الذين يعيشون في أطرافها ؟!

كان الأمريكان يملكون كل شيء في بنما حتى محلات الحلاقة والمطاعم وصالونات التجميل .. ولهذا كان البنميون يسمّونهم “دولة داخل دولة” .

 

الشعب يتحرّك:

بدأ التواجد الأمريكي الكثيف في بنما وتحكمها المطلق في كل شيء نتيجة قوانينها العنصرية ضد الشعب يثير حنق الشعب البنمي، الذي بدأ حالة من العصيان في التاسع من يناير 1964، تلتْها مظاهرات واحتجاجات بدأها الطلبة البنميون ضد التواجد العسكري الأمريكي، وتم بموجبها اختراق السياج الأمني المضروب حول منطقة القناة والأراضي المحيطة بها، وتسارعت وتيرة المواجهات حتى سقط قرابة (20) شهيدا ومئات الجرحى، وأخذت البلاد تمور بالغضب والثورة حتى وقع الانقلاب العسكري على التواجد الأمريكي عام 1969، حيث أطاح برئيس العائلات العميلة، وهو الأخير في سلسلة متعاقبة من الدكتاتوريين، وتولّى الجنرال “عمر توريخوس” السلطة في بنما على الرغم من أنّه لم يشارك في الإنقلاب بنفسه بصورة مباشرة .

 

نهج عمر توريخوس الوطني يغيظ الولايات المتحدة:

كان عمر توريخوس إنساناً بسيطاً مُحباً للفقراء من ابناء شعبه، فقد نشأ في بيئة ريفية . كان يتجوّل ماشياً في الأحياء الفقيرة، ويتبرع بأموال قليلة مما يملكه للعائلات المنكوبة بالأمراض والمآسي .

لم يسمّ توريخوس رسميا برئيس الجمهورية، لكنه بدلا من ذلك أطلق على نفسه ألقابا منها “القائد الأعلى لثورة بنما” و”الرئيس الأعلى للحكومة”.

وحين تسلم الحكم بدأ بحركة للاصلاح الاجتماعي والإقتصادي حققت نتائج باهرة . جعل بنما ملاذاً لكل المطاردين حتى من كانوا ضد حلفائه مثل كوبا . تدخّل كثيرا للاصلاح بين دول امريكا اللاتينية لإنهاء خلافاتها . لم يستسلم لاغراءات موسكو وبكين للدخول في تحالفات معهما . كان منهجه الأساسي كما أعلنه هو التحرّر من الولايات المتحدة دون التحالف مع أعدائها . توريخوس وقف ضد الولايات المتحدة، لكن ولأول مرة في أمريكا اللاتينية لم يكن شيوعياً .

قبل توريخوس سيطرت الصفوة الأوروبية على مقادير بنما، على الرغم من أنها أقل من 10% من السكان . لكن ذلك تغيّر في عهده حيث سمح للسود والمستيزو (الأجناس المخلّطة) والفقراء بالإشتراك ولو بنصيب متواضع في حكمه .

 

خبراء البنك الدولي يفشلون .. خبراء الإغتيال يتحضّرون:

بدأ “خبراء البنك الدولي / التكنوقراط” بالمجىء إلى بنما يعرضون على توريخوس قروضاً بالمليارات “من أجل تطوير بنما ” و”تحقيق معجزة اقتصادية فيها”، ولكن توريخوس كان يدرك أن هذه خديعة لتكبيل بنما بالديون، وتسليم عنقها ومستقبلها للولايات المتحدة . أي الآن خطوة التآمر الأولى في المخطط الثلاثي (راجع الحلقة السابقة العاشرة) فشلت . يأتي الآن دور ثعالب وكالة المخابرات االأمريكية كما يسمّونهم عادة . ليدبّروا عمليّة اغتياله .

ورغم أن توريخوس كان يوصف بأنه “دكتاتور يساري !”، إلّا أنه لم يكن بهذا المعني الصريح، فهو لم يعلن نفسه زعيما أو امتدادا لخطوات مثل خطوات جيفارا أو كاسترو أو سالفادور الليندي , وهم نماذج يسارية في أمريكا اللاتينية وقفت ضد هيمنة الولايات المتحدة، بل كان هدفه هو استقلال بلاده من الهيمنة الأمريكية وفرض سيطرة الدولة كاملة على قناة بنما دون إثارة نعرات أو شعارات معادية للولايات المتحدة، وكان يري أيضاً انه من الأفضل التعامل مع الولايات المتحدة والاستفادة منها دون معاداتها خاصة وأنّه يهمه مصلحة شعب بلاده الفقيرة والتي يجب أن تستفيد من عائدات قناتها، ولذلك لقي دعم الولايات المتحدة في البداية لكونه معارضا للشيوعية. ولهذا أيضاً وقّعت معه المعاهدة التي أعطت بنما السيادة الكاملة على قناة بنما عام 1979. وجاءت المعاهدة في إطار مجاراة الولايات المتحدة لأهداف توريخوس، وسعيها في نفس الوقت إلى إعادة سيطرتها علي قناة بنما . وكانت المشكلة تكمن في أن توريخوس من وجهة النظر الأمريكية لم يكن فاسداً، ولم يكن قابلاً للإفساد، وبالتالي فهو ليس نموذجا للنظام الأمريكي المُفترض والذي يقوم على أساس أنّ من يحتلون المناصب العليا في الدول التي تحيى تحت هيمنتها فاسدون بشكل أو بآخر. حين يأتي شخص ما ويهدم هذه القاعدة فإنه يمثل تهديداً للنظام في باقي الدول الأخرى (تفّاحة فاسدة كما تسمّيها)، ونموذجاً لكيفية رفض الهيمنة الأمريكية يمكن أن يحتذيه آخرون، وبالتالي تم تفجير طائرة عمر توريخوس عام 1981 بأيدي (أبناء آوي – جاكالز)، وهو تعبير أمريكي عن رجال الاغتيالات التابعين لل “سي.أي.ايه”.

 

ما الذي جعل الولايات المتحدة تغتال الرئيس توريخوس؟

اغتيل الرئيس عمر توريخوس عندما انفجرت به طائرته وهي في الجو في عام 1981، وكان ذلك بتدبير من وكالة المخابرات الأمريكية، وذلك لأسباب عديدة في مقدّمتها سببان رئيسيان بالإضافة إلى الأسباب السابقة:

 

أوّلاً: الإصرار على استعادة قناة بنما إلى السيادة الوطنية:

أعلن عمر توريخوس في أكثر من مناسبة عن عزمه على استعادة القناة إلى السيادة الوطنية . وهدّد بأنه قد يزرع القناة بالألغام في بعض المواضع التي يحتاج تنظيفها إلى سنتين . دخل في مفاوضات شاقة مع الإدارة الأمريكية تكللت – كما قلنا باتفاقية جديدة تنص على إعادة القناة إلى بنما في بداية عام 1990 . وقد مثّل هذا انتصارا عظيما لتوريخوس ولشعب بنما .

 

لكن هناك ما هو أكثر استفزازاً للولايات المتحدة في هذا المجال !

ما هو؟

كان توريخوس يريد لا استعادة القناة فقط، بل تشييد قناة جديدة لتستوعب سفناً أكثر ومنع التكدس الذي يضر بأكبر مستخدمي القناة وهي اليابان . بدأ بمحاولات للتفاهم مع اليابانيين للقيام بهذا المشروع، وهذا كقيل بأن يثير جنون الوحش الأمريكي الذي اضمر له الإنتقام لمنع هذه التفاحة الفاسدة من إفساد باقي التفاحات في السلّة .

 

ثانياً: إلغاء مدرسة الأمريكيتين الحربيّة:

من الظواهر المُلفتة للنظر في تأريخ أمريكا الجنوبية الحديث هو كثرة الإنقلابات العسكرية الموالية للولايات المتحدة ضد الحكومات اليسارية بمجرد تفكيرها في الخروج عن هيمنة الولايات اتلمتحدة وبدءها استعادة ثروات الشعب . حتى بدأ التندّر بأن هذه القارة تشهد انقلاباً عسكرياً بين انقلاب عسكري وآخر . فما هو السبب ؟

إن السبّب الرئيسي هو خطة الولايات المتحدة الجهنمية في تحويل جيوش أمريكا اللاتينية من جيوش للدفاع عن الحدود إلى جيوش لإداء مهمات الأمن الداخلي والقمع .

لقد حوّلت إدارة كنيدي مهمة العسكريين في أميركا اللاتينية من مجال “الدفاع الوطني” إلى مجال “الأمن الداخلي”، فكان لهذا القرار نتائج مصيرية، ابتداءً من الانقلاب العسكري الوحشي والإجرامي في البرازيل . كانت واشنطن تنظر إلى العسكريين على أنهم “جزيرة تعقّل” في البرازيل .

بعد عامين من قرار الرئيس الأمريكي كنيدي، أبلغ وزير الدفاع “روبرت ماكنمارا” العاملين معه بأن: (سياسات الولايات المتحدة تجاه العسكريين في أمريكا اللاتينية كانت فعّالة في مجملها في تحقيق الاهداف المحدّدة لها حيث حسّنت قدرات الأمن الداخلي، وأوجدت نفوذاً عسكرياً أمريكيا طاغيا، وأصبح العسكريون في أمريكا اللاتينبة يفهمون مهماتهم ولديهم التجهيزات للقيام بها بفضل برامج كنيدي الخاصة بالمساعدات العسكرية والتدريب. وتشمل مهمات الجيوش الآن الإطاحة بالحكومات المدنية حالما يشعر العسكريون بأن تصرف الزعماء أصبح يضر برفاه الأمة) . 

Facebook
Twitter