كوريانكو وعدنان القيسي علي السوداني

وهذا بابٌ جديد من بيبان قُلْ ولا تقلْ . لا تقلْ انَّ العالم مصطفى جواد قالَ ، بل قلْ أنَّ جواداً قالَ ولم يقلْ . لا تقل أنّ طريقك موحشة وأنك الليلة تشتهي حضن أمّك ، بل قلْ هي طريقي وخلفي يمشي الأنصار والمريدون والأوس والخزرج والبطون والأفخاذ من كل فجٍّ وفجّ .
لا تقلْ إنّ محمداً قد مات ، بل قلْ إنَّ الله حيّ لا يموت . لا تقلْ إنَّ الصحبَ قالت وفي حلقها ماء ، بل قلْ إنّ صحبك لفي ضلالٍ مبين . لا تقلْ إنَّ في السلة بعض رطبٍ ، بل قل إنّ مَن هزّ النخلةَ لم يكن أنسيّاً . لا تقلْ بلادي وإن جارتْ عليّ عزيزةٌ ، بل قل ولو أنني أعرى بها وأجوعُ .
لا تقل إنّ أمريكا كانت عرجاء ببلاد ما بين القهرين ، بل قل انها كانت وغدة مثل جريمة همجية تمشي على قدمين . لا تقل أنّ أصابع أهل العراق البنفسجية هي حلّ بل قل هي بعض حلٍّ من بعض . لا تقلْ إنّ أدباء البلاد والمشتغلين بباب الفنون الجميلة ، قد كانت ضمائرهم مفتوحة صائحة مثل جرح ، بل قلْ أنّ جلَّهم قد انسحق وانهرس تحت أسنان سلطة المال القاسية ، وساخن الشراب وباردهِ ، وطيّب الطعام حتى صارت بطونهم مقبرة عملاقة لمذبوحات ومشويات ومسلوقات ومبهّرات السمك والدجاج وهراف الخرفان وما ترك الغزاة على سور مائدة النطيحة والشبيهات .
لا تقل إنّ علي السوداني كان مزروعاً خلف عربانة رزق حلال طيب طعمه ، بباب سينما سميراميس ، ينادي على بضاعته أُم ثلاثية حَبْ سكائر علك ، بل قل إنّ الفتى كان على أزيد من عشر سنوات ، قائماً ساهراً على عربانته بباب سينما بابل بشارع عبد المحسن السعدون ، من أعمال وأطيان بغداد العباسية المذهلة . لا تقل نَّ مُطيعم كبة الكبة كان بشارع الخيّام ، بل قل انّ دكان الكبة البديعة هذا ، كان على يسار سينما ميامي والثانية الحمراء قبل تفليشهما مع الذكريات . لا تقلّ انّ يوسف قد أكلهُ ذئب البوادي وتوزّع دمهُ ولحمهُ وشحمهُ بين العشائر ، بل قل عسى الله أن يأتيني باليوسفيين جميعاً .
لا تقل إنّ الحرامية الأمريكان إذا دخلوا بلاداً عمّروها ، بل قلْ إنّ هؤلاء المنغلة إن دخلوا مدينةً فقد دخلها شرٌّ عظيم . لا تقل إنَّ الملغّمات المفخخات التي تهرس وتشوي أجساد الناس ، معمولة من بارود وحديد ، بل قلْ إنها ابتداءً مخلوقة من مفخخات حروف وفكر مريض .
لا تقل إنَّ شريط أبي فوق الشجرة الطويل قد انعرض أول مرة في مفتتح السبعينيات بسينما أطلس ، بل قل إنّ هذا الفلم الحليميّ البديع قد شافتهُ العشّاق الدائخة من على شاشة سينما النصر التي على أول يسارها عربانة علي وحسين أبو العمبة ، وفي يمينها العميق دكان سيّد رسول ولفّات العروق المخللة الطيبة . لا تقل إنّ رعية السبعينيات المبهجة ما باعت الحكومة البزازين والعتاوي التي تموء وتهرهر ، بل قل ان الحكومة كانت اشترت من الناس ، القطة بمائة فلس والعتوي ابن العتوي بمائة وخمسين فلساً أحمرَ ، وهذا أمرٌ عنصريٌّ مريب ربما صار تالياً ، توطئة لحملة صبغ رجلين وزرور نسوان الميني جوب الحلوات المعطرات .
لا تقلْ إنّ عدنان القيسي قد سقط بعكسية واحدة من الأسكتلندي كوريانكو بملعب الشعب والسبعينيات الرحيمة ، بل قلْ إن الدبّ القويّ كوريانكو قد تضعضع وباد تحت ثقل عكسية واحدة لا تثنّى من عدنان القيسي ، البطل المنصور بهلاهل العراقيات اللذيذات . لا تقلْ إنّ الفتى علّوكي قد ذهب بنا صوب الشطّ والشطيّط ، وأعادنا عطاشى ، بل قل إنّ الولد قد طار بنا صوب أيامٍ حلوةٍ أو أقلّ قسوة أو ممكنةٍ ، انقرضت ولن تعود .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter