قضية الجنس عند عبد الرحمن مجيد الربيعي داود سلمان الشويلي

منذ سنوات ، وحتى كتابة هذه السطور ، كان هناك موضوع يلح عليّ، وكنت اتابع بعض تفاصيله هنا وهناك فيما اقرأ ، واتلمس بعضا من خيوطه المتشعبة ، الا وهو قضية الجنس في الادب القصصي العراقي، وكنت عندما اقرأ اسجل بعض الاجوبة لاكثر من سؤال اطرحه على ما اقرأ عن هذا الموضوع – القضية، ومن هذه الاسئلة : كيف تعامل المبدع العراقي مع هذا الموضوع – القضية؟ وما هي تصوراته الخاصة عنه ؟ وهل يمتلك هذا المبدع نظرية ما ؟ – او على اقل تقدير – وجهة نظر معينة ينطلق منها عند تناوله لهذا الموضوع – القضية ، ام ان ما يطرحه كان عبارة عن تصورات ذاتية يستخلصها بنفسه من واقع الحياة اليومية التي تعيشها شخوصه ، وهل ترتقي تلك التصورات لان تكون نظرية ، او وجهة نظر رصينة ، ام لا ؟
اجابات كثيرة حصلت عليها وانا اتابع هذا الموضوع – القضية على مدى اكثر من خمسة عشر عاما ، حتى اذا قررت الخوض في غمار الكتابة ، وجدتني اقف حائرا امام مسألتين مهمتين لهما علاقة بهذا الموضوع – القضية ، الاولى : هي قضية المصادر والمراجع التي تناولت هذا الموضوع – القضية ، والثانية :هي قضية اختيار النماذج التي ستكون ميدانا لهذه الدراسة .
كان الكتاب الوحيد – حسب علمي – الذي تناول هذا الموضوع – القضية ، هو كتاب الناقد المصري غالي شكري ، المعنون : (ازمة الجنس في الفصة العربية – 1971 ) ، اذ درس فيه هذا الموضوع – القضية (الازمة كما اسماها) عند مجموعة من الكتاب العرب من مصر وسوريا ولبنان ، ولا اعرف ان كان خلو المكتبة العربية ، وكذلك العالمية ( المترجمة الى العربية ) من كتابات لها علاقة بهذا الموضوع – القضية ، كان بسبب اجتماعي / اخلاقي ام لاسباب اخرى ؟ – على الرغم من ان تراثنا العربي / الاسلامي يزخر بالعديد من الكتب التي تناولت هذا الموضوع – القضية بكل حرية – الاان هذا الموضوع – القضية يبقى موضوعا حيويا وقضية هامة في الحياة التي يقدمها العالم الروائي والقصصي لا يمكن التغافل عن دراسته وابداء الرأي فيه .
اما المسألة الثانية ، فقد وجدت نفسي اقف حائرا – ايضا – في اختيار نماذج دراستي ، ذلك لان المتتبع للنتاج الروائي العراقي منذ نشأته وحتى كتابة هذه السطور ، يجد ان من اهم ما طرحه ذلك النتاج هو علاقة الرجل بالمرأة ، وخاصة احد جوانب هذه العلاقة ، وهو ( الجنس) كظاهرة انسانية بدأت منذ خلق الانسان وتواجد على الطبيعة ، اذ ان الرواية العراقية قد اهتمت بهذه العلاقة ( الظاهرة – القضية) كأهتمامها بالعلاقات الاجتماعية الاخرى التي تطرحها الحياة ، لهذا وجدتني اضع مجموعة من المؤشرات الهادية لي عند الاختيار ، فكان اختبار ثلاثة روايات من مجموع نتاج الربيعي بسبب نضج النتاج الابداعي لهذا الكاتب في جانبيه الفني والفكري ، اضافة لما يتمتع به من مكانة ابداعية في العراق وخارجه .
***
لم يحتفل الوسط الثقافي والادبي، عراقيا وعربيا ، كما احتفل بنتاجات عبد الرحمن مجيد الربيعي القصصية والروائية ، لما فيها من جديد ومثير من ناحية الفكر ومن ناحية التعبير .
ولم يلق كاتب عراقي ما لقيه الربيعي من ابواب مفتوحة ومشرعة بوجه نتاجاته ان على مستوى النقد ام على مستوى الدراسة والبحث ،لاسباب كثيرة نذكر منها : ذلك الاقتحام ( الثوري ) الذي قام به الربيعي لمعاقل عالم القصة القصيرة خاصة في الستينات ، تلك الفترة التي كانت من اشد فترات عدم الاستقرار السياسي التي مرت في التاريخ المعاصر للعراق والوطن العربي ،وقد توجت تلك الانكسارات في العراق بنكسة حزيران 1967 ، على المستوى الوطني والقومي ، ونحن هنا لا نريد ان نتحدث عن مسيرة الربيعي الادبية ، بقدر ما نريد ان نجعل من هذه السطور مدخلا لدراستنا هذه والتي سنتناول فيها قضية “الجنس ” عند الربيعي ، خاصة في رواياته الثلاثة مبعدين عن اهتمامات هذه الدراسة قصصه القصيرة .
***
ان قضية ” الجنس ” من القضايا التي كانت وما زالت محورا مهما من المحاور التي حفلت بها الرواية – والقصة القصيرة كذلك – في ادبنا العراقي منذ نشأته حتى كتابة آخر نتاج ابداعي من هذا النوع الادبي ، وما سيكتب مستقبلا ، ما دام “الحنس ” بنوعيه المشروع او غير المشروع – اذا صحت التسمية – واحدا من العوامل المؤثرة في شخصية الفرد والجماعة كذلك ، ودوره الكبير في رسم الصورة الحقيقية لعلاقة الرجل بالمرأة على السواء باعتباره يارومترا لقياس مدى توازن المجتمع ، اذ أن القاعدة المعرفية تقول ان : (( المجتمع المتوازن يفرز علاقات جنسية متوازنة وليس العكس )) ،الا ان المسألة التي هي اشد خطورة من كل ذلك ، هي زاوية النظر التي من خلالها يمكن للكتاب ان ينظروا الى هذه القضية .
فمن الكتاب من يجعل هذه القضية محورا اساسيا لمجمل كتاباته مهما كانت وجهة نظره وزاوية الرؤية لها ، مثل كتابات حازم مراد ـ كما بينا ذلك في الفصل الخاص بنتاجاته الروائية ، ومنهم من يجعل هذه القضية واحدة من القضايا التي تزخر بها الحياة – الواقعية او الفنية – على السواء .
والربيعي واحد من الكتاب الذين زخرت نتاجاته الروائية بهذه القضية ، الا انه لم يجعل منها محورا رئيسيا تدور حوله احداث الرواية لتكون من ثمّ واجهة اعلامية لتحسين صورة ما يكتب امام القراء خاصة ممن يستهويهم مثل هذا الموضوع ،بل ان قضية الجنس عنده اخذت لها ابعادا خاصة بها ، من خلال ما يحمله الكاتب من وجهة نظر مميزة لهذه القضية التي ترتبط بمجمل القضايا التي تطرحها الحياة المعيشة لأبطاله ، وصورة من عدة صور كان لها الوقع الخاص والمميز على صعيد الواقع .
ولما كانت كتابات الربيعي قد ( تشم ) منها رائحة التاريخ الذي يموه عند بعض القراء نظرتهم الفاحصة عند القراءة ، الا ان تلك النتاجات تبقى في المحصلة النهائية ليست روايات تاريخية ، لأن الربيعي لم يكن في أي من رواياته ، معنيا بكتابة التاريخ ، و لا كتابة الرواية التاريخية المتعارف عليها ، وانما كان التاريخ ، او ذاك النسغ التاريخي الصاعد في اجواء الرواية ( من احداث واقعية ، وزمن محدد معلوم … الخ ) ما هي الا وسيلة فنية لاظهار ما يريد ان يظهره الكاتب من خلال هذه الرواية او تلك ، لهذا فأننا في ( الوشم ) لم نلتق بالتاريخ ، كما التقينا به في ( الانهار) او في ( القمر والاسوار) وفي ( الوكر ) ، حتى في روايته الاخيرة ( خطوط الطول … خطوط العرض ) الى حد ما ، بل نجد التاريخ كإطار عام للعمل الفني ، يأتي ضمن مستويات عدة حسب حاجة النص الروائي ، وما تقتضيه الضرورة الفنية والفكرية في طرح قضية ما في شكل ادبي محدد ، لهذا فإننا لا نجد قضية الجنس عنده هي المحور الرئيس لعمله الابداعي ، وانما نجدها كواحدة من القضايا التي يطرحها ذلك العمل وحسب الزمن التي استلت منه ، ولكن برؤية فنية تأخذ من الواقع الشيء الكثير لتصقله في بوتقة الفن .
وتأسيسا على ذلك ، نجد ان هذه القضية عند الربيعي تأخذ لها عدة مسارات حسب عواملها واسباب تكونها ، والظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية ، كذلك ، للفترة التي تتخذ منها الرواية زمنا لها ، اضافة لذلك ، فإن اشكال هذه القضية تتلون عنده ، الا انها – في النهاية – تتبلور في اشكال معينة معروفة لهذه القضية في اغلب رواياته ، وهذا ليس عيبا يسجل ضد المنهج الفكري وكذلك المنهج التعبيري للكاتب ، بقدر ما هو حسنة تضاف الى حسنات عمله الابداعي والفني لأن الواقع الذي يتحدث عنه هو الواقع العراقي بكل ثوابته ومتغيراته ، ضمن فترة تاريخية محددة ، وستبين لنا دراسة الجنس عنده صحة هذا القول .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter