قصة إغصاب البكر على الاستقالةكيف محق صدام حسين القيادة الجماعية ولماذا نسب اعمال البكر لنفسه؟ القسم الثاني والاخير

* خرجت الصحف العراقية في اليوم التالي تحمل على صفحاتها الأولى صورة كبيرة لصدام واصفة إياه بـ «الفارس الشجاع»، وهي تثني على قدرته العظيمة في تصفية الحزب من بؤر التآمر والخيانة. ولكن هذا الوصف لم يمنع مجلة «الحوادث» اللبنانية من اعتباره «ستالين» الذي حول الحزب الشيوعي إلى آلة بيده يوجهها كيفما يشاء.

ولم تمنع مقالات المديح والإطراء في الصحف العراقية، انتشارَ الإشاعات والأقاويل في سماء العراق، وداخل صفوف الحزب أو بين المحللين السياسيين والدبلوماسيين، حول الأسباب الحقيقية التي دفعت صداماً إلى «اكتشاف» مؤامرة نسج خيوطها رفاقه في القيادة. لقد أشيع، مثلاً، أن الهدف من اتهام عدنان الحمداني وغانم عبد الجليل بالتآمر، ومن ثم تنفيذ حكم الإعدام بهما، بالرغم من علاقاتهما الوطيدة بصدام، هو إعطاء الإشارة الحمراء لبقية أعضاء القيادة، بأن صدام حسين هو الرجل الأقوى في السلطة، وعلى الجميع طاعته من دون قيد أو شرط.

وقيل أيضاً إن صداماً أراد التخلص من فكرة الوحدة الاتحادية بين العراق وسورية، فضرب القياديين الثلاثة: الحمداني وعبد الجليل وعايش، الذين تصدروا المفاوضات العراقية ـ السورية، وكانوا أكثر المتحمسين للإسراع بإعلان الوحدة.

وحاول عدد من المسؤولين العرب في هذا الجو الملبد بغيوم الإشاعات والأقاويل، التوسط بين صدام حسين وحافظ الأسد لدرء احتمالات تأزم الوضع بين العراق وسورية، في وقت كان يتطلب تعاون البلدين لمقاومة اتفاقيتي كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. وبعث الأسد من أجل ذلك، برسالة خطية إلى الملك حسين حملها نائبه عبد الحليم خدام ، وبعث الملك حسين برسالة خطية إلى صدام حملها عبد الحميد شرف.

وعندما لم تثمر وساطة العاهل الأردني، اتصل الأسد بصدام مؤكداً له أن سورية لم يكن لها أي دور في «المؤامرة»، مقترحاً تشكيل لجنة عراقية ـ سورية أو لجنة محايدة للتحقيق في ادعاءات العراق.

رفض صدام قبول المقترح، وبقي مصرّاً على رأيه، موجهاً بدوره رسائل إلى جميع رؤساء الدول العربية باستثناء سورية ومصر واليمن الجنوبي، يؤكد فيها قناعاته حول سورية ودورها المزعوم في «المؤامرة».

وعلى الرغم من كل تلك الإشاعات والأقاويل حول وجود مؤامرات تحاك في الظلام ضد سلطة البعث، فقد كانت الحقيقة المُرة التي لا بد للبعثيين بجميع فصائلهم وأجنحتهم من إدراكها، هي أن مشاكل البعث في العراق، وصراعاته المتتالية على مر السنين، إنما تنبع من داخل منظومته بعدما تسلمت السلطة. ففي عام 1963، تسلم البعث السلطة في العراق ، ولم تمض أشهر قليلة حتى احتدم الصراع بين جناح علي صالح السعدي وجناح طالب الشبيب، ثم سقط الطرفان.

وجاء البعث إلى السلطة مرة ثانية عام 1968، ولم يمر سوى وقت قصير حتى تصارعت الأجنحة بين عماش وحردان. ثم جاء عام 1973 وإذا بناظم كزار مدير الأمن العام ومجموعته من القيادة القطرية، يحاول انتزاع الحكم بحجة «تصحيح» المسيرة. ثم جاءت بعدها مؤامرة القيادة عام 1979، وسالت الدماء، وأُعدمت مجموعة كبيرة من قياديي الحزب وكوادره المتقدمة.

وكانت في كل مرة تتصارع أجنحة الحزب في ما بينها حول السلطة، تبرز فئة متسلطة لتتسابق في البكاء والعويل وذرف الدموع، حتى أصبح البكاء تقليداً وناموساً ينتقلان من جيل بعثي إلى جيل بعثي آخر كلما حدث صراع على السلطة داخل الحزب.

فصدام حسين بكى عندما تحدث عن مؤامرة .1979 كما بكى طه الجزراوي وطارق عزيز لبكاء صدام، أو فرحاً بعدم ورود اسميهما بين أسماء المتآمرين. وقبل هؤلاء، بكى «القائد المؤسس» ميشيل عفلق في المؤتمر القطري لحزب البعث في دمشق في كانون الأول (ديسمبر) 1965 عندما بدت بوادر الخلاف بين أعضاء المؤتمر. كما بكى عفلق في شباط (فبراير) 1966 مرة أخرى عندما طُرد من الحزب، وسيطر صلاح جديد وزمرته على مقاليد الحكم في سورية.

* تحدثتُ في ما مضى عن صدام حسين كما عرفتُه منذ عام 1968، عندما كان يزاول مهامه من غرفة صغيرة في القصر الجمهوري، من دون أن يكون له موقع رسمي معلن. ثم عرفته عندما أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة. إلا أن معرفتي به توطدت بشكل كبير عندما أصبح رئيساً لمجلس التخطيط. ففي ذلك الوقت لم يكن صدام حسين المسؤول الظالم، كما تكشَّفَ في ما بعد، ولا الزعيم الأوحد و«الفارس الأمجد» كما أراد أن يوصف.

كان صدام تلك الفترة، يخطط بهدوء وتأنّ لمستقبله السياسي، ووضع في خدمته أجهزة المخابرات ومؤسسات الحزب لتصفية مناوئيه من جهة، ولبناء قاعدة حكمه المقبل من جهة أخرى.

لقد حرص صدام، خلال الفترة التي كان فيها أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة، على إظهار القيادة العراقية على أنها قيادة جماعية. ولكنه بعد تسلمه منصب الرئاسة، لم يسمح إطلاقاً باحتمال وجود خصومات داخل القيادة، أو اختلاف في وجهات النظر حتى وإن كان الاختلاف منطقياً أو صغيراً، كما لم يسمح بأن يكون هنالك شريك له في السلطة، سواءً كان الشريك فرداً أو مجموعة.

وأبعد من ذلك، تحرك صدام نحو تقليص دور مجلس قيادة الثورة كإطار للقيادة الجماعية، فابتدأ أولاً بعقد جلسات دورية لمجلس الوزراء بصفته رئيساً للمجلس، ثم اتجه إلى إعطاء الوزراء صلاحيات أوسع في شؤون وزاراتهم. أما الخطوة الثانية فكانت منح المجلس الوطني الكثير من السلطات التشريعية التي كان يتمتع بها مجلس قيادة الثورة. وكانت الخطوة الثالثة في خطوات تحجيم مجلس قيادة الثورة، التركيز على استخدام سلطات «رئيس الجمهورية» وصلاحياته بدلاً من سلطات «رئيس مجلس قيادة الثورة» وصلاحياته. وعليه، فقد تعمد صدام الإكثار من إصدار «المراسيم الجمهورية»، و«توجيهات السيد الرئيس»، و«إرشادات الرئيس القائد»، و«مكرمة الرئيس»، وغير ذلك من الصفات التي تُلصَق بالفرد، أو تصدر عنه بدلاً من صدورها عن قيادة جماعية، وإن كانت تلك القيادة شكلية في مضمونها كمجلس قيادة الثورة.

إن دراسة خاطفة لتقارير المؤتمرات القطرية لحزب البعث العراقي، وللمنشورات والأدبيات الحزبية التي صدرت خلال الفترة من 1974 حتى 1982، تُرينا بوضوح كيف أن صدام حسين قد حوّل الحزب بكافة كوادره ومكاتبه، والدولة بجميع مؤسساتها وأجهزتها، إلى منظومة واحدة تردد كلمتين فقط: صدام حسين. كان المؤتمر القطري الثامن عام 1974 بداية الطريق في بناء صرح عبادة الفرد.

هناك لم يُذكر اسم صدام حسين إلا مرة واحدة تحت صورته التي تصدرت الصفحة الثانية من تقرير المؤتمر، بعد صورة أحمد حسن البكر.

وكان المؤتمر القطري التاسع عام 1982 نهاية الطريق في إكمال بناء صرح عبادة الفرد، حيث ورد اسم صدام حسين في تقرير المؤتمر الذي يقع في 366 صفحة أكثر من ألف مرة.

في هذا المؤتمر قال صدام: «علينا أن نقيس إخلاص الحزبيين وكفاءتهم، على أساس تناقص أعداء الثورة والحزب. إنني مؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يفعل كل شيء مما هو ليس من واجبات الإله» وقال المؤتمرون في صدام كل عبارات التمجيد والتعظيم، وأسبغوا عليه الصفات المقترنة بالفروسية والبطولة، وألقاباً لم تمنح لأي شخصية في التاريخ.

ونسي المؤتمرون مبادئ الحزب التي تغنوا بها سنوات طويلة، وحولوها إلى كلمات أناشيد وأغان، بطلها صدام.

يقول التقرير في صدام، إنه كان القائد الأول في تحقيق الثورة وفي الحفاظ عليها، من خلال عمله، من خلف الستار، في إطار مؤسسة لا يعرف سوى عدد قليل اسمها أو مستواها في الدولة، وهي «مكتب العلاقات العامة»، وذلك لإجراء «التصفية الشاملة» لأوكار التجسس والعمالة للصهيونية، ولأميركا، ولبريطانيا، وإيران، والشبكات الماسونية، وللضباط المغامرين.

ويصف التقرير صداماً بأنه قائد من طراز خاص، لأنه «يستأصل السرطان، لكنه يُبقي على الجسم حيا». لذلك، فإنه استطاع في تموز (يوليو) 1979 القضاء على أعضاء القيادة الذين أرادوا تعطيل تسلمه المسؤولية الأمامية له ويبرر التقرير إعدام صدام لرفاقه في القيادة عام 1979، بأن أولئك لم يكونوا سوى دخلاء على الحزب، ولم يكن لهم حق في القيادة، (وفي هذا ينسى صدام أنه هو الذي أتى بهؤلاء إلى القيادة).

وتبلغ محاولات مسخ التاريخ حدود اللامعقول، عندما ينتقل التقرير إلى وصف صدام بأنه:

واضع السياسة النفطية، المخطِّط الأول لعملية التنمية الشاملة، واضع استراتيجية البحوث النووية وخططها الاستراتيجية والتكتيكية، المخطِّط العسكري للقضاء على التمرد في الشمال، الموجِّه للفكر والثقافة والإعلام، هو الذي كان ولا يزال يرسم سياسة الحزب في الميدان القومي والدولي، هو الذي صمم كيفية إدارة العلاقات مع الأقطار العربية، هو الذي يضع الخطط للأحداث القومية، هو الذي وضع استراتيجية علاقات العراق الدولية، هو الذي كان المحاور الأول مع الزعماء والقادة الأجانب.

ولا يكتفي التقرير في وصف «إنجازات» صدام على نطاق القيادة القطرية، بل ينتقل ليمسخ أيضاً دور القيادة القومية للحزب، إذا كان لها دور حقيقي، فيقول: «لأول مرة في تاريخ الحزب وضع (صدام) بدقة وبأسلوب خلاق ومتجدد نظرية العمل البعثية في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والتنظيم».

وقد أكد التقرير ترسيخاً للاتجاه الفردي وعبادة الشخصية، أن جميع المنجزات، إن وُجدت، إنما هي من صنع صدام. ولكنه كان في السابق ينسبها إلى ( الرفيق) الذي يحتل رسمياً الموقع الأمامي، (ويقصد التقرير بذلك أحمد حسن البكر) أو إلى القيادة الجماعية، ناكراً ذاته.

ويغرق المؤتمرون في الخوف والرعب، فيصفون صداماً بالشخص الذي صار مع الزمن «الضرورة الوطنية»، لأنه القائد الذي انتظره العراقيون مئات السنين، وقد وُلد العراق بولادة هذا «القائد الضرورة» ولادةً جديدة.

هذا هو صدام حسين كما يراه العقائديون!! لكنهم لا يذكرون كيف أن صداماً قد امتهن كرامة العراق من دون أي مبرر أو منطق، وسحق المواطن العراقي فجعله مزدوج الشخصية وغير قادر على التحرر من الخوف، وحارب الفكر بـ«القرباج»، والقلم بالسيف، والرأي بالاعتقال، والعدل بالعضلات، وألغى حلقات التاريخ بحيث أصبح بطلُ الأمس خائناً، ومفكرُ اليوم جاهلاً.!

* حكومة صدام الأولى

صدام حسين: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء

طه ياسين رمضان الجزراوي، نائب أول لرئيس الوزراء

نعيم حداد ، نائب رئيس الوزراء

طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء

سعدون غيدان، نائب رئيس الوزراء، ووزير المواصلات

عدنان حسين الحمداني، نائب رئيس الوزراء، ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية

عدنان خير الله، نائب رئيس الوزراء، ووزير الدفاع

الدكتور سعدون حمادي،وزير الخارجية

محمد محجوب الدوري، وزير التربية

الدكتور منذر إبراهيم الشاوي، وزير العدل

ثامر رزوقي، وزير المالية

محمد فضل الحبوبي، وزير الأشغال والإسكان

الدكتور طه إبراهيم العبد الله، وزير التخطيط

الدكتور رياض إبراهيم حسين، وزير الصحة

طاهر توفيق العاني، وزير الصناعة

عصام عبد علي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي

تايه عبد الكريم، وزير النفط

حسن علي العامري، وزير التجارة

كريم محمود حسين، وزير الشباب

عامر مهدي، وزير الزراعة والإصلاح الزراعي

حامد علوان الجبوري، وزير الدولة للشؤون الخارجية

لطيف نصيف جاسم، وزير الثقافة والإعلام

عبد الوهاب محمود عبد الله، وزير الري

بكر محمود رسول، وزير العمل والشؤون الاجتماعية

الدكتور أحمد عبد الستار الجواري، وزير الأوقاف

خالد عبد عثمان، وزير الدولة لشؤون الحكم الذاتي

هاشم حسن، وزير الدولة

عبيد الله مصطفى البارزاني، وزير الدولة

عبد الله إسماعيل أحمد، وزير الدولة

عزيز رشيد، وزير الدولة

عبد الفتاح محمد أمين، وزير الدولة لشؤون الحكم المحلي

سعدون شاكر، وزير الداخلية

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter