قراءة في رواية الدهشة: خط الفزع .. البحث عن مقاصد الذات النبيلة

د. عبد المطلب محمود

هذه رواية مدهشة ومثيرة للدهشة في آن، وسأحاول تأجيل الكلام عن الجوانب المدهشة في موضوعها وفي أسلوبها السردي المتميز، ريثما أسمح لنفسي ـ وأستأذن القارئ أولا ـ بأن أوضح شيئا من أسباب إثارتها لدهشتي قارئا، وفي مقدمة هذه الأسباب، وببساطة متناهية أن هذه الرواية مثلما ذكر كاتبها (إدريس بلمليح) في صفحتها الأخيرة حملت تاريخ (الرباط 1988ـ 1993)، وتم نشرها ضمن منشورات (أفريقيا الشرق 1998)، ولم تصل إلى يدي إلا في أيلول (سبتمبر 2010) لأنهمك في قراءتها طوال يومين متصلين، مأخوذا بدهشة الاكتشاف ـ وإن متأخرا ـ ودهشة الأسلوب المتميز والمفاجئ ودهشة الموضوع الذي بدا شديد الصلة تماما بهذه المتغيرات الحياتية المرعبة التي نعيش، في معظم مدننا العربية الرئيسة، ولاسيما بعد الغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003، وما تركه وأظهره من آثار فاجعة على الحياة الإنسانية وتحوّلاتها في بنية المجتمعات العربية، على اختلاف توجهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكأنها ـ الرواية ـ نبوءة عرّاف استبق الأحداث من جانب، أو كأنه عاش أحداثا مبكّرة شكّلت ما يُشبه المقدمات الدقيقة لما حدث، فأراد أن يُنبّه إليها من جانب آخر، من دون أن يتنبّه أحد إليها.. ويا للأسف.
لقد اجتمعت في رواية (خط الفزع) هذه خمس سنوات كتابة إلى خمس سنوات انتظار نشر، إلى اثنتي عشرة سنة من الجهل بوجودها ـ من جانبي على الأقل ـ قبل أن تقع بين يدي ذات مصادفة، أو بمحض مصادفة عابرة، لتكشف عن سارد مبدع مدهش، تبيّن بعد قليل أنه من كتّاب المغرب الشقيق، وأنه أستاذ للأدب في جامعة الرباط (أكدال) وأنه سبق أن أصدر روايتين وعددا من الكتب في الدراسات الأدبية. فما الذي تثيره هذه الرواية؟ وأين مواضع الدهشة فيما تثيره؟
بأسلوب السارد كليّ العلم أو كليّ المعرفة، يروي لنا بلمليح (الدكتور في الأدب فيما بعد) تاريخ حقبة تقع زمنيّا بين أوائل العقد الستيني من القرن الماضي وأواسط الثمانينيات منه، تجري أحداثه مكانا بين مدن : فاس (المكان الأساس، المكان الأصل والروح) و الدار البيضاء (العالم الواسع المتشابك العلاقات المادية المتسارعة) وطنجة (المكان الثانوي الذي يُضئ تارة وينطفئ أخرى)، فضلا عن أماكن أقلّ ثانوية ً، مثل مدينتي تازة ومكناس اللتين نلمحهما لمحا ًفي هذه الرواية، ناشرا في روح المتلقي وأعصابه لغة متفرّدة بشاعريتها و”غناها وغنائيتها” حتى ليبدو السارد عليما ًأيضا بالشعر والغناء الشعبي والصناعات التقليدية (أعمال النحاس والنسيج والأحذية والعطور)، فضلا على الفلسفة والجغرافيا والتاريخ وعلم النفس، من خلال بطله الصبي (عمر) فالشاب المراهق فالمدرّس العاشق الذائب في العشق في هذه المراحل الزمنية كلها، الذي ينتقل من “شيطنة” الطفولة والصبا في حواري (فاس) وأزقتها وأضرحة أوليائها وروح التعامل البسيط مع ما حوله، إلى “عقلنة” العلاقات التي ما أن يأخذه التفكير الجاد بها حتى يجد نفسه في الطريق إلى أحد أمرين : الجنون أو الاستسلام لأفكار السلفية المقيتة التي لا تُري معتنقها إلا الظلام وسطحية العلاقات الدينية المنشغلة بتوافه الأمور عن الحقيقي منها، ثم إلى السعي الحثيث للخروج من المآزق الروحية الصعبة إلى فضاءات العلاقات الإنسانية المكتنزة بالمهم من  أمور الحياة وشؤونها.
فالبطل / السارد كليّ المعرفة (عمر) ابن صانع الجلود التقليدية الذي لم يشأ أن يتحول إلى صناعة الجلود الرومية (الحديثة)، والذي سيموت اختناقا ًبسبب المواد التي يستعملها في عمله والتي تتسبب في أمراض الرئة، سيُطلعنا على مسيرة حياة تبدأ من (باب الوفاء) أحد أبواب مدينة فاس القديمة، عندما كان جدّه لأمّه التاجر المحترم عاشقا لمغنيّةٍ تدعى (بريكة) حدّ الجنون، من دون أن يسمح له أبوه بالزواج منها رسميا، ومن علاقته الحميمة بجدّته التي ستكون محورأ مهما من محاور هذه الرواية، لا بل ستغدو “روح” هذه الرواية وبها تُختتم، لأنها لم تكن إنسانة عاديّة من لحم ودم، بل الإشعاع الذي يمدّ روح الراوي ـ السارد بالحياة ويدفعه إلى الأمل، إذ تغيب عنه الرؤية ويكاد يتلاشى في “معمعان” الظروف المتشابكة المرعبة التي قادت صديقه الأحب (عبد اللطيف) إلى جنون مفاجئ ثم إلى تحوّل نحو الماضي السلفي، مثلما قادت حبيبته الأولى (ياسمين)، حفيدة المغنية وعشق الصبا والتفتح العاطفي البكر المكتنز بالبراءة والسذاجة إلى واقع مرير شديد المرارة، وقادت الحبيبة الثانية (سعاد)، طالبة معهد الرياضيات المتفتحة على الحياة، واللا مبالية بما يجري من حولها، التي سينقلها حبها لبطل الرواية (عمر) إلى الاهتمام بنفسها وبقدراتها الذاتية لتلتفت نحو دراسة الرسم، إلى القتل بأبشع الأساليب (تقطيع الأوصال) قبل أن يعثروا عليها في إحدى حافلات نقل المواد المهرّبة.
ولأنها ليست رواية عادية، ولأن كاتبها شاء أن يجعل من فصولها السبعة عشر معزوفة موسيقية متوالية المقاطع والحركات، يسترجع كل منها شيئا من الماضي المليء بالمحبة ويربط في الوقت نفسه بينه وبين واقع / حاضر التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الذي يسود العلاقات القائمة داخل أسرته الصغيرة (الأب والأم والشقيقتين المختلفتي التوجهات، فالجدة أرملة عاشق المغنية وزوجها الثاني الضرير)، وينقل عبره التحولات الموازية داخل الكيان الاجتماعي العام لبلده، جعل من هذه الفصول انتقالات سريعة تعرض وقائع الواقع المتحوّل من دون أن يتخلى السارد في خلالها عن تأكيد ارتباطه الروحي الشديد الأثر إلى الماضي الحامل لقيم الألفة والصدق والمحبة ـ بل المحبة قبل أية قيمة أخرى ـ سواء محبة الأسرة الصغيرة أو الكبيرة وألفتها وتآلفها مع الآخرين، أم الصدق في التعامل حد كراهية الغش في العلاقات أولا وانعكاسه في الأعمال الصناعية والتجارية، الذي لم يشأ الكاتب أن يجعل من مدينة روحه (فاس) وما تمثله أصلا من عمق روحي متجذر في حياة الناس في المغرب، أولى مظاهره وخطوات استفحاله ـ من بعد ـ بل سرعان ما ينقل مظاهر الغش وأساليبها الملتوية إلى مدينة أكبر وأوسع انفتاحا وأقدر على “تضييع” المحبة والألفة والصدق (الدار البيضاء)، لتتحوّل انتقالة البطل (عمر) الاضطرارية إليها بعد تخرجه في قسم الفلسفة وتعيينه فيها، إلى عامل شد سردي عنيف يضيف إلى (خط الفزع) نفسه الطالع من أعماقه والمربك لوجوده وأفكاره ومشاعره، الكثير من أسباب التصادم الملتبسة داخل هذا النفس حتى لتكاد تضيع تماما مثلما ضاعت قبلها نفس الصديق الوحيد (عبد اللطيف) وروحه، أوان سبق (عمر) في التخرج من معهد المعلمين وجرى تعيينه فيها، ليلقاه المتلقي كافرا بالبراءة والصدق والمحبة حتى مع أحبّ الناس إليه (مريم) الإنسانة الجميلة الطيبة النبيلة ابنة (الأسطى معاطي) الرجل الشريف المتمسك بأصوله وجذوره وقيمه، الذي لم يقطع والد (عمر) صلاته به على الرغم من كونه من أبناء (الدار البيضاء)، لأنهما كلاهما لم يتلوّث بما تلوّث به الآخرون.
ولا أغالي إذا ما ذكرت واثقا أن رواية (خط الفزع) هذه سعت إلى تعرية المجتمع البرجوازي المتكوّن في تلك الحقبة الزمنية، وما جرّته التحوّلات المتسارعة عليه من ويلات ومصائب، وما ترتب عليها من قفزات اجتماعية نحو رتب اجتماعية أعلى مشوّهة العلاقات، حتى كانت محنة الشعور العارم بالفزع مما يجري، أعني محنة بطل الرواية (عمر) تطبق على أنفاسي شخصيا، وصرت أخشى على مصير هذا الشاب المتطلع إلى الحياة الحميمة الصادقة، الممتلئ بالمحبة والمشاعر النبيلة الأخرى وقد اعتمدها الكاتب (بلمليح) نسيجا متماسكا لروايته هذه، وقدّمها بلغة شعرية عالية، ليس من اليسير التوقف على هذا الجزء أو ذاك منها لما يمكن أن يتسبب فيه أي اقتطاع أو توقف مجتزأ من إخلال واضح في بنائها الهيكلي العام وفي تفاصيلها، وهو إخلال من شأنه الإساءة الأكيدة لها وإلى كاتبها.
إنها رواية قدّمت (الفزع) بلغة الشعر وروح عبقة بأغنيات المحبة الحق، أغنيات ماضٍ جميل عشقه الجد الراحل وعشق المغنية (بريكة) من خلاله، وتاه في كلمات أغنياتها ـ أو كاد ـ لا بل “قتلته” أصلا، مثلما تدّعي الجدة العجوز، فقد “كانت تغني له، كان صوتها رائعا حزينا. الرجال يعشقون نغمة عودها وسُمرتها، والنساء يكرهن جمالها ويتعلقن بأغانيها” (ص11)، وهي رواية تغنت ـ بدورها ـ بالمحبة عميقة الجذور، المحبة التي نسجت الحياة في زمن الطفولة والصبا حول أضرحة الأولياء الذين تزدحم بهم مدينة (فاس)، وفي المقدمة منهم (المولى إدريس)، وما كان يشكّله ضريحه القائم في العدوة القديمة للمدينة من مظاهر عبادة روحانية وتآلف اجتماعي بين الكبار والصغار على السواء، ثم ما استغله التجّار وصنّاع الأواني النحاسية التقليدية والسجّاد وغيرها من ارتباط بعض أنواع صناعاتهم وتجارتهم باسمه، من قدسية اسمه المبارك، وسيلة للغش والإثراء بالربح الحرام
 وربّ ملاحظتين اثنتين تثاران هنا تتعلق إحداهما بـ “ثيمة” الرواية الرئيسة التي سبق أن عالجها عشرات الروائيين العرب والأجانب، أعني “ثيمة” التحوّلات المرعبة المثيرة للفزع بالفعل، بينما تتعلق الأخرى بموضوعة الارتباط الروحي والنفسي بمدينة معيّنة يمكن أن نطلق عليها صفة (مدينة الطفولة) بلا تردد، وما يُحدثه ـ في العادة ـ الانتقال منها إلى غيرها، لا بل الانتقال ما بين حواريها وأزقتها، ولاسيما بالنسبة لمدن المملكة المغربية الشقيقة القائمة على أساس انفصال تام بين الأجزاء القديمة (ذات الإرث الإسلامي) لها وبين أجزائها الجديدة المتشبهة بالطرُز الأوربية الحديثة، بيد أن معالجة الكاتب إدريس بلمليح لهاتين الثيمتين أخذت ـ من خلال اللغة الشعرية ـ طابعا سلسا يقترب من طابع الروح الصوفية العاشقة المكتنزة بمواجد العشّاق الحقيقيين الصادقين مع أنفسهم أولا، حتى بدا التشبّث بحياة الطفولة والبراءة وبعشق الصبا البريء وأول النضوج في حياة بطل الرواية (عمر) شبيها بـ “نشيد إنشاد” لا ينفك يجري على لسان هذا البطل، حتى إذا ما صادف في الدار البيضاء تحديدا إنسانا مأخوذا جرّاء الظروف المعيشية المضطربة ـ بلا شك ـ يصيح : “ضاع مني خاطري، ضاع مني خاطري!” ورأى الناس يضحكون منه ويسألون : “كيف يضيع الخاطر؟”، وجدناه يُعلق على ذلك قائلا : “ولكن الرجل على حق! نعم قد تضيع كل الأشياء، ثم قد نجد بعضها ونفقد بعضها إلى الأبد، أما الخاطر حين يضيع فإنه لا يمكن أن يُعوّض.أرى أن ألم هذا الرجل أكبر من كل ألم، هو يُشبهني إلى حدّ بعيد، ولكنني لا أستطيع أن أصيح، وهذا ألم آخر أضفته إلى محبتي المفقودة” (ص)131
وبعيدا عن مواصلة الغوص في المزيد من التفاصيل الحكائية (السردية) التي نجح الكاتب في عرضها بلغته الشيّقة، يهمني هنا أن أشير إلى ما يمكن عدّه “حُسن تخلّص” بلغة نقدانا القدامى من جانبه، عندما تمكن من الوقوف بالمتلقي عند “خط الفزع” من دون أن يتجاوزه ويسد على متلقّيه منافذ الأمل، مثلما تمكن بنجاح طالع من ذكاء معالجته لهذه النهاية من التغلب على “قتامة الظروف” وتشابكها العنكبوتي القاسي الذي عاش في مواجهته، بإرادة محددة وتصميم وبوعي مسبق ولامبالاة معا، ليقف بمتلقي روايته هذه على خط آخر مقابل، هو خط الطمأنينة والتصالح مع النفس ومع الحياة من خلالها، خط الخروج من مأزق الوقوع في وهاد (الجنون)، حتى لنقف على عبارة شديدة الإيحاء بهذا في الصفحة قبل الأخيرة من الرواية، عندما يُتّهم بإخفاء مخدّرات في بيته، وتحديدا في ضريح جدّته الذي أقامه وسط بيتها القديم، وزاره أفراد من السلطة وحفروا الضريح بحثا عن الأدلة الجُرميّة، لم عبارة تقول ـ وأحسبه قالها بصوت عالٍ تماما ـ وإن خاطب البطل نفسه بها : ” لم أكن خائفا، لقد تعوّدت منهم أكثر من أن يكسّروا محابق الغرس والحفر عن الأجساد، تعوّدت منهم أن يحفروا في قلبي، مرة قالوا لي : إن نبضك نبض مغشوش! فتساءلت إثر ذلك : هل أنا المسؤول عن هذا النبض؟ ثم أجبت نفسي : إنهم يكذبون ويتابعونني بتهمة عدم تصديق هذا الكذب، هل أصدّق أناسا يقتلون الصدق؟ لربما تكون العلاقة بيني وبينهم علاقة مفقودة بشكل تام، فأرادوها علاقة مغشوشة ثم اتهموني كي أصدّق بأنني أنا المغشوش”(ص285).
 ولا أحسب أنني ـ من جانبي ـ بحاجة إلى مزيد عرض أو تبيان لمواضع (التشابه) التي تقيم أكثر من صلة بمجمل التحوّلات التي تشهدها حياتنا العربية، ولاسيما منذ الغزو الأميركي للعراق واحتلاله وما تركه ويتركه على مسيرة هذه الحياة، لأنها تحوّلات مثيرة للفزع بالفعل يُراد لها أن “تقلب” وجودنا من خارجه، بعد أن فشلت ـ على نحوٍ ما ـ مخططات قلبه من داخله.
ـــــــــــــ
(*) باحث أكاديمي من العراق

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter