قالت : بلى وانه لقريب

نادية العبيدي

كنت اسير بمحاذاة نهر دجلة وبحوزتي هموم تهرول في فيافيي وتتدحرج امامي فوق الرمال الذهبية الساخنة وبين الحين والحين تعلق على شفتيها ابتسامة شريرة وترمقني اينما ذهبت .. حتى اصبحت تجرجرني وراءها دون نقاش… 

 

 رأيتها تجلس بكل كبرياء رغم حزنها العميق الذي ظهر واضحا للعيان وهو ينحت اساساته على ذلك الوجه الصبوح الذي حاولت ان تغطيه بكلتا يديها حينما اخذتها الاهات المكبوتة فوق ظهر الموج الصاعد لاقطة انفاسها بين الحين والحين وصوت نشيجها يعلو شيئاً فشيئا.. حاولت ان اقترب منها دون ان يصدر مني اي صوت كي لا اقطع عليها خلوتها .. او كي لا تعتقد
اني فضولية واتطفل عليها واطلع على حزنها .. فلقد آثرت ان احترام كبرياءها بأنزوائها بعيداً عن الناس….
 

 

  جلست قربها دون ان انبس ببنت شفة .. كانت تغمغم بأشياء غير مفهومة وبكلمات متقطعة مبهمة .. وكنت بالكاد استطيع التنفس …حبست انفاسي وقررت ان اداعبها بلطف علي استطيع مد العون لها .. لملمت شجاعتي ووضعتها في صندوق صدري .. وشددت عزمي وحسمت امري .. اقتربت منها وصوت انفاسي ووجيب قلبي مرتبك .. دنوت من ذلك الوجه ..!!! همهمت ورفعت صوتي في حضرتها قليلاً بالسلام … واضفت قائلة : سيدتي .. هل لي بمساعدتك ..؟ وما هي الا ثوان معدودة حتى رأيت اروع ما خلق الله .. طالعني ذلك الوجه الصبوح بحزن يتمدد دون حرج على اجزائه … فترجلت من صمتي بعد ان ايقنت بأنها حزينة وحيدة .. سيدتي .. من انت ولم حزنك وبكائك…؟ّّ!! 

 

 كان صوتها ارق من ان يسمع واعذب من ان ينسى اجابت وهي تشيح بوجهها البريء عني كي لا المح العبرات النافرة قائلة …: انا  بغداد  

 

 وبحدقات مغرورقة ودموع ساخنة تنساب بلهيب يستعر فوق الوجنات .. انسدل شعرها الليلي الحالك دون ان تعير ايما احد يمرق او مرق من امامها اي انتباه .. حاولت ان اكفكف حزنها بلطف اناملي واصبرها على ما ابتلاها لكنها بدأت تسرد لي احزانها … تشكو لي كيف اصبح اولادها يتقاتلون حتى الموت … شكت لي ما حمل دجلة من مخلفات وقاذورات اطبقت على انفاسه حتى انقطع عن التنفس وامسى يسترجع ويلفظ كل مافي داخله بدون صوت هادر كما تعودناه 

 

 شكت لي كيف ان اولادها غادروا حضنها واحتموا بأحضان قريناتها .. وبقي الصمت وعويل الكلاب الضالة ينخر في درابينها الحالكة ليلاً دون رحمة .. تفوح من كل زاوية وركن نتانة الموت الكريه التي تشل اوصالها كلما تذكرته .. وتعصف في ارجائها ريح صرصر تتخطف مبدعيها وخيارها وكرامها وغياراها فتذروهم في المنافي والشتات والمهاجر اطلالا عراقية او اشباح ذكريات لامس عراقي غابر، وتدوي في مسامعها قهقهات رعناء لاشباه ناس واشباه رجال ركبوا ظهور احصنة الاحتلال فخسفوا الارض باطهر بقعة وابدع مكان. 

 

 قلت: ذهبوا؟ 

 

 قالت: لن يذهب الا الزبد 

 

 قلت: أوسيمكثون؟ 

 

 قالت: تماما كالخير عينه 

 

 

 

 

قلت: ولم الحزن اذن؟ 

 

 قالت: لعله بسبب الرعاع. 

 

 قلت: وهل استراح يوما في ربوعك اي صنف من اصناف الرعاع؟ 

قالت: بل اوسدتهم قوة الخير تاريخ السفلة
قلت: هل ثمة وعد؟ 

 

 

 

قالت: بلى وانه لقريب 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter