في طريق الهجرة الى اوربا : قتل واغتصاب وسرقة اعضاء بشرية رحلة امتهان كرامة وذل ومطاردات وسجون واستجداء

“أنا آسف يا أمي لأن السفينة غرقت بنا ولم أستطع الوصول إلى هناك (يقصد أوروبا)، كما لن أتمكن من إرسال المبالغ التي استدنتها لكي أدفع أجر الرحلة. لاتحزني يا أمي إن لم يجدوا جثتي. أنا آسف يا أمي كان لا بد لي أن أسافر كغيري من البشر، مع العلم أن أحلامي لم تكن كبيرة كالآخرين.

أنا آسف يا حبيبتي لأنني بنيت لك بيتاً من الوهم، كوخاً خشبياً جميلاً كما كنا نشاهده في الأفلام، كوخاً فقيراً بعيداً عن البراميل المتفجرة وبعيداً عن الطائفية والانتماءات العرقية وشائعات الجيران عنا.

أنا آسف يا أخي لأنني لن استطيع إرسال الخمسين يورو التي وعدتك بإرسالها لك شهرياً لترفه عن نفسك قبل التخرج. أنا آسف يا أختي لأنني لن أرسل لك الهاتف الحديث الذي يحوي “الواي فاي” أسوة بصديقتك ميسورة الحال.  أنا آسف أيها الغواصون والباحثون عن المفقودين، فأنا لا أعرف اسم البحر الذي غرقت فيه، اطمئني يا دائرة اللجوء، فأنا لن أكون حملاً ثقيلاً عليك. شكراً لك أيها البحر الذي استقبلنا بدون فيزا ولا جواز سفر، شكراً للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي. شكراً لقنوات الأخبار التي ستتناقل خبر موتنا لمدة خمس دقائق كل ساعة لمدة يومين، شكراً لكم لأنكم ستحزنون علينا عندما ستسمعون الخبر. أنا آسف لأني غرقت”.

هذا بعض من الرسالة التي تداولها ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، ذكروا أنها وجدت في جيب أحد اللاجئين العراقيين الذين انتشلت جثثهم بعد غرق مركبهم الذي كان يحوي المئات من المهاجرين “غير الشرعيين” في البحر الأبيض المتوسط.

مرة اخرى، يعود موسم هجرة العراقيين للخلاص، فبعد هجرات عدة بدأت منتصف الاربعينات واستمرت طيلة العقود الماضية وربما شهد كل عقد هجرة طبقة أو شريحة أو قومية أو طائفة عراقية، لكن هجرة مابعد 2003 لها شؤون اخرى واحداث اخرى ربما تكون اكثر مأساوية من الهجرات السابقة، فهذه المرة الهجرة غير شرعية عبر البحر والغابات، وفي ظروف صعبة جداً، لايتحملها الشباب فكيف بالأطفال والنساء وكبار السن.

المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق حذرت من مخاطر زيادة الهجرة غير المشروعة وخاصة من الشباب والأسر، لكونها تؤثر في مستقبل البلاد، مطالبة الحكومة بضرورة وضع الخطط الكفيلة باستقطاب الطاقات الشبابية.

وقال عضو مجلس المفوضين المفوض مسرور أسود محيي الدين ، هناك آلاف العراقيين خلال السنة الماضية بدأوا بالهروب خارج العراق باستعمال طرق غير مشروعة عبر عصابات ومافيا متخصصة، مؤكداً، أن أغلب هذه الطرق محفوفة بالمخاطر وأدت الى وفاة وغرق عدد منهم، وقسم آخر يقع ضحية مهربين يقومون بابتزازهم والاحتيال عليهم، مشيراً الى ان هذه الهجرة التي تتزايد تؤثر في الدولة العراقية من خلال هروب الكثير من الطاقات الشبابية اصحاب الشهادات خارج العراق.

(علاء شامل) شاب في العشرينات من عمره، من عائلة ميسورة، اكمل كلية الهندسة حاسبات، اتخذ قراراً بالهجرة غير الشرعية عبر تركيا، اتفق مع مهرب مختص بالأمر ودفع المبلغ المطلوب، وارسل رقم هاتف المهرب الى ذويه، ورقم الحوالة التي أودعها في تركيا. وصل الى اثينا، لكن في المطار تم مسكه، إذ تبين ان جواز سفره كان مزوراً، ولأن المهرب لم يتسلم امواله تحرك واخرجه من السجن، وطبعاً الأمر هنا يشير الى وجود شبكة تهريب كبرى، علاء يقول، ان ضابط الشرطة اليوناني ابلغه “ان عليك تكرار المحاولة مرة أخرى، فالكثير من امثالك يفشل مرة وثانية الى ان ينجح”.

في هذا الشأن، ذكر وزير الداخلية الالماني توماس دي مايزير، ان المانيا تتحمل العدد الاكبر بين دول الاتحاد الاوربي الــ (28) بنسبة تزيد عن (43%) من مجموع المهاجرين الى اوربا مع تزايد اعداد الهجرة غير القانونية التي تجتاح اوربا الآن قادمة من بلدان الشرق الأوسط.

واضاف الوزير الالماني في بيان رسمي، ان المانيا تستعد لاستقبال ما يزيد عن (800.000) لاجئ خلال العام المقبل بنسبة اربعة اضعاف زيادة عن عام 2014. مبيناً، ان ما يقرب من الـ (360.000) مهاجر قد اجتاحوا المانيا خلال هذا العام مع توقعات بالزيادة بنسب كبيرة غير متوقفة، في الوقت الذي تتضاءل فيه قدرة المانيا على استيعاب هذه الاعداد الهائلة مع تزايد النقص في وحدات الاسكان المؤقت الذي يجب ان توفره المانيا لهؤلاء المهاجرين، مضيفاً، حيث تصل قدرة المانيا على الاستيعاب الى (45.000) شخص، بينما يتوقع ان تحتاج قبل نهاية هذا العام الى ما يزيد عن (150.000) مشدداً على ان حكومته “تعمل الآن على حل المشكلة.”

عن طريق احد الاصدقاء في تركيا تمكنت من الاتصال بشخص عراقي يعمل ضمن شبكة تهريب من تركيا الى اليونان ومن هناك الى دول اوربا اذ يقول لـ(المدى)، تبدأ الرحلة من احدى المدن التركية المطلة على البحر المتوسط، وغالباً ما يكون الاتصال عن طريق شخص يعمل في بغداد بعد الاتفاق على المبلغ يتم ايداعه في مكتب حوالات يرتبط بالمجموعة، وبرقم سري، ما ان يصل الشخص الى اية دولة  خارج اليونان يتصل بنا ويعلمنا بالرقم، اما اذ حاول الاحتيال فأذرع الشبكة موجودة في كل مكان، واسترسل “بعد ذلك يتم نقلهم بقوارب بعد حدود المياه الاقليمية وحسب المبلغ المدفوع فالباخرة بحدود (12) الف دولار، وقوارب مطاطية من (7000 الى 8000) الآف دولار، وطبعاً تتم مراعاة وضع العائلة.

واضاف، اذا وصلوا للجزيرة اليونانية يتم الاتصال بمهرب آخر يأخذهم عبر صعود جبل سيراً على الاقدام الى معسكر للجيش يمنحهم بطاقة مرور توصلهم الى العاصمة اثينا عبر الباخرة، مضيفاً، هناك تبدأ رحلة اخرى عبر الادغال والجبال الى صربيا أو مقدونيا أو هنغاريا من ثم الى النمسا أو بلجيكا أو فنلندا، إذ يسلم نفسه للسلطات التي تضعه في كامب مسيطر عليه من قبل الحكومة، حينها يأخذ طريقه في سلم الحياة الاوربية، ويبقى الامر مرهوناً به وبمدى تأقلمه مع الوضع الجديد من عدمه.

من جهتها، ذكرت وزارة الخارجية العراقية، انها لا تتمكن اطلاقاً من أن تقوم بأي دور أو عملية لنجدة أو مساعدة أي مهاجر عراقي غير شرعي، لأن المهاجر غير الشرعي يعد خارجاً عن القوانين المحلية والدولية، وقال المتحدث باسم الوزارة احمد جمال، إن مسألة الهجرة غير الشرعية خصوصاً الى الدول الاوربية هي احدى اهم المشكلات العالمية الموجودة في دول حوض البحر المتوسط، وللأسف بسبب الوضع الحالي في العراق، مضيفاً، ان هؤلاء المحتالين لا يوفرون طرقاً مؤمنة للمهاجرين ما يتسبب بغرق الكثيرين وموتهم في البحر، فضلاً عن استحصال اموال كبيرة من العراقيين.

(زين الغياض) نحات شاب من مدينة واسط تعرض للتهديد بسبب ارائه من بعض القوى الدينية، لذا لم يكن امامه سوى النفاذ بجلده، الغياض تحدث عن رحلته ومستقره الآن في النمسا قائلاً ، من تركيا عبرنا البحر بزورق “الموت” مثلما يطلق عليه، غرقنا في السواحل اليونانية وتم انقاذ البعض منا، من اليونان أخذونا الى ألبانيا، أردنا ان نكمل الطريق الى الجبل الأسود، لكن مسكونا في ألبانيا واودعونا السجن ليومين والبقية سجنوا عشرين يوماً، مضيفاً، ارجعونا الى اليونان، ومن اليونان اتجهنا الى مقدونيا حيث مسكتنا الشرطة المقدونية مرتين وفي كل مرة يقولون لنا عاودوا المحاولة مرة اخرى!! حاولنا المحاولة الثانية ولم ننجح فعدنا هاربين الى اليونان.

ويسترسل الغياض بحديثه، في فندق معروف لدى جميع المهاجرين هربنا من المافيات الافغانية والباكستانية. عاودنا الطريق الى مقدونيا ونفذنا من الشرطة وأكملنا الطريق الى صربيا ذهبنا الى الشرطة الصربية كي نحصل على ورقة طرد تسمى “بالخارطة” رفضت الشرطة وقالت، أكملوا طريقكم الى هنگاريا دخلنا هنگاريا ليلاً ونقلونا بسيارات الى النمسا وذهبنا سلمنا أنفسنا الى السلطات النمساوية، أما بقية أصدقائي فقد أكملوا طريقهم الى بقية الدول الاوربية، منوهاً انهم يمشون يومياً من خمس الى ثماني عشرة ساعة وكل وجبة تهرب تقريباً من (300) الى (400) شخص، قضينا أياماً دون ماء وطعام كما شهدتُ حالات اغتصاب وخطف وقتل ومتاجرة بالأعضاء.

واضاف الغياض الذي تحدث عبر الهاتف من النمسا، وانا جالس قرب المهرب بين الحدود الصربية والمقدونية جاءه اتصال لا اعرف مصدره، لكني فهمت من لغته الايرانية التي اجيدها ان الشخص المتصل يطلب منه تحويل مبالغ مالية الى أفغانستان، مبيناً، ان المهربين استولوا واشتروا مقاطعات كبيرة جداً من الاراضي لا يسمح لأي أحد الدخول اليها حتى الشرطة، موضحاً، ان كل الدول تفتح الطريق للناس ويسهلون امورهم كثيراً، في هنگاريا مثلاً، جميع المساعدات تأتي من “السعودية” إذ تسلم الى الحكومة الهنگارية لتوزع فيما بعد على اللاجئين. مشيراً، الى ان للإرهاب دوراً بهذا الامر فقد اختفى البعض من الاصدقاء خاصة اولئك الذين خرجوا بسبب الطائفية، كما انهم كانوا يراقبون من يقوم بالصلاة وكيف يؤديها.

زين الآن يعيش في بيت مع مجموعة من اللاجئين من مختلف الجنسيات، بينهم سوري وصومالي ونيجيري ومغربي وتشادي وايراني وحتى اميركي، أما العائلة فيضعوها في بيت خاص.

 الكاتب والاعلامي (عمار السواد) عن هذه الظاهرة قائلاً، أخي يفكر منذ مدة، بالخروج من العراق عبر طريق “الغرق”، بالنهاية لا استطيع أن أقول له لا، لا امتلك البديل له، بل اني لا امتلك بديلاً لي، لكن جربت أن اسأله السؤال البديهي عن السبب الذي يستحق أن يخاطر بحياته من أجله.

ـ أريد الحرية، ولا اريد ان يتحكم تافه بتصرفاتي. (أريد اشوف لبنتي حياة أحسن)

هذه أسباب الكثيرين ممن يريدون مغادرة العراق، يخاطرون بحياتهم، وربما يتركون خلفهم أيتاماً، فقط لأن البلاد لم تعد صالحة للعيش. لا أفق فيها، وحتى اللحظة مفقودة.

ويضيف السواد، في زمن الحصار، هرب العراقيون أيضاً من الجوع ومن رعب النظام السابق، خاطر كثير منهم بحياتهم. ففي عام 2000 غرقت سفينة في عرض المحيط الهادي، مات حينها اكثر من(400) عراقي بينهم أصدقاء، مضيفاً، وفي أواسط التسعينات حاولت مجموعة من العراقيين الوصول الى الكويت من إيران، لكن “اللنج” غرق بهم، هم أيضاً كانوا يفتشون عن وطن ولو مؤقت، أذكر حينها الدور السيئ لإحدى قوى المعارضة.

واسترسل السواد، اليوم، بحر إيجه والبحر المتوسط مقبرتان لأجساد عراقية وسورية ولبنانية وافريقية، هرباً من أوطان غارقة في وحل الموت والجوع، فيطفون غرقى على سطح الماء، وربما في بطون الأسماك.

الى ذلك عزز تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا عبر تركيا تجارة الزوارق المطاطية وستر النجاة، مؤدياً إلى ارتفاع مبيعاتها بشكل كبير. ويجد التجار في تركيا صعوبة في تلبية الطلب الكبير على ستر النجاة والقوارب بسبب الأعداد الكبيرة من المهاجرين. ويتراوح سعر الزورق المطاطي الذي يتسع لأربعة أشخاص ما بين 1500 و5000 ليرة تركية، وسترة النجاة تتراوح ما بين 50 و250 ليرة تركية ومن الصعب جداً العثور عليها. كما أن المهربين الذين يساعدون المهاجرين في تخطي الحدود بشكل غير قانوني ولا يولون اهتماماً لسلامة المهاجرين حيث يقومون بوضع 20 شخصاً في القارب المخصص لـ 5، ما زاد الطلب على ستر النجاة. (الدولار = 2.95 ليرة تركية)

هناك مقدمات تؤدي في العادة الى ميل الناس في بلد ما، وخصوصاً الشباب، إلى ترك بلادهم والهجرة الى بلاد أخرى وربما يكون في مقدمة الأسباب هو نوع النظام القائم في ذلك البلد، وعلى نوع النظام هذا يعتمد الكثير من ملامح الحياة الأجتماعية والسياسية. والمهم هنا هو قدرة هذا النظام على توفير فرص العمل، والحد الأدنى من الحريّات، ومثلها من فرص اكتساب المعرفة والتخصص لكي يجد المرء نفسه وقد وضع قدماً على الطريق الطبيعية التي تؤدي الى تطوّر هو الآخر طبيعي من حيث الارتقاء في سلم الوظيفة .

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter