في المسكوت عنه : (مُعلّقة دمشق) لمحمد مظلوم فيوضات الشعر وتقنيات السرد المدهشة سعد جاسم

بدءاً يمكنني القول : ان الشاعرمحمد مظلوم قد استطاع في كتابه الشعري الموسوم ( معلقة دمشق) ان يكتب دمشق كلها كحاضرة ومدينة وانثى وزهرة ياسمين وجرح ووجع وهاجس خفي عن ماسيؤول اليه مصير دمشق التاريخ والاسرار والاحلام والوقائع والرؤى والدم والحرائق .
يفتتح الشاعر مظلوم معلقته هذه بما يُشبه الاستهلال السيمفوني الموشح بهالات البهاء والاحتفاء الروحي بدمشق ؛ حيث يقول :
)
دمشقُ يادمشق
ياهبةَ الشمسِ للعارفين
ويامكحلة الاعمى
يانصفَ الابدية التائه
وبراعة الهواء في الامساك بريشةٍ تبني المدن
شيّدها المتسللونَ من الفردوسِ
وعادوا يتجادلونَ مع الندم)
وقد تمكّن مظلوم ببراعة الشاعر والصانع والصائغ الماهر ؛ من كتابة دمشقهدمشقنا مستخدماً بذلك ومستثمراً كل اشكال الشعر المعروفة من تفعيلة وعمود ونثر شعري هو المكوّن الجوهري لقصيدة النثر في بنيتها وتشكّلها النصي في اقصى تجلياتها واشراقاتها الباذخة … وقد تجلّى ذلك في اشتغالاته الثرّة والوهاجة
كما في هذا المقطع الذي يتخذ من البناء الشعري العمودي مبنى له:
(هذِي دِمَشْقُ تَمَهَّلْ أيُّهَا الأَبَدُ)
يُمَشِّطُ الدَّهْرُ فُوْدَيْهَا فَيْنَعَقِدُ
كَفِضَّةٍ نَثَرَتْ فِي الرِّيحِ أَدْمُعَهَا
فَجَمَّعَتْهَا جِهَاتٌ مَسَّهَا الرَّمَدُ
دِمَشْقُ أَضْلاعُكِ اهْتَزَّتْ وَمَا انْكَسَرتْ
وَلَمْ تَمُتْ بَعْدُ فِي قِيْثَارَتِي أَكَدُ
مَنْ كَانَ يُخْفِيْ بِلادَاً فِي تَرَحُّلِهِ
فَإنَّنِي يَخْتَفِي فِي رِحْلَتِي البلد)

وكذلك استثمر واستخدم مظلوم تقنيات السرد وفيوضاته المدهشة حيث استطاع
من خلالها فتح نوافذ الذاكرة الجمعية لما هو سيروي وزمكاني ومغيّب وايروتيكي وسري
ويشتغل مظلوم على تشكيل نصه بكرنفالية وهارمونية تسعى الى كشف جوهر العالم في تحولاته الميتافيزيقية
والميتا- جمالية التي هي في المحصلة النهائية جوهر الشعر الخالص :
(وَفِي الْجِوَارِ،
لا يَزَالُ فُنْدُقُ «فِكْتُوْرِيَا»
يَنْتَظِرُ «فِكْتُوْرِيَا»
لِتَهْرُبَ مِنْ مَوْتِهَا الإنْكلِيْزِيِّ
وَتُلْقِي بِتَاجِهَا مِنْ فَوْقِ الْجِسْرِ
عَلى رُؤُوسٍ،
تَتَدَافَعُ نَحْوَ «سَاحَةِ الْمَرْجَةِ»
وَهْيَ تَخْرُجُ مِنْ حَانَاتٍ صَغِيْرَةٍ
فِي «شِارِعِ شِيْكَاغُو»
كَانَتْ نَادِلاتُهَا نِسَاءً «بِالْمِيْنِي جِيْب»
هَرَبْنَ مِنْ مُشَاحَنَاتٍ يَوْمِيَّةٍ،
مَعَ الطَّائِرِيْنَ قُرْبَ سِيْقَانِهِنَّ،
وَاشْتَغَلْنَ فِي حُجُوْزَاتِ طَيَرَانٍ آخَر)

واستطيع القول ان (معلّقة) مظلوم هذه تنتمي الى النص الشعري الملحمي الذي يسعى الى قول الكثير
مما هو جوهري ومنصوص عليه ومسكوت عنه
كما في انثيالاته المتدفقة ادناه :
(يَارِحْلةَ الْحُسَيْنِ فِي نَوْمِهِ،
عَلَى رُمْحٍ طَوِيْلٍ.
يَا جَنَّةَ الْغُرَبَاءِ الْهَارِبِيْنَ مِنَ الْحُرُوْبِ وَالطُّوْفَانِ،
وَقَصَصِ الْحُبِّ الْعَاثِرَةِ.
غَادَرَكِ الْمُزَارِعُوْنَ إِلَى قُرَاهُمْ،
حَيْثُ يَخْتَبِئُ قَتْلَى الْفِتَنِ الْقَدِيْمَةِ.
غَادَرَكِ الصيَّادُوْنَ، إِلَى مَوَانِئِهِمِ الْمَدْفُوْنَةِ فِي الذِّكْرَيَاتِ.
غَادَرَكِ السَّائِحُوْنَ إِلَى الأَنَاضُوْلِ وَمَرَاكِشَ وَالْبَلْطِيْقِ.
هَتَفُوا بِاسْمِكِ بَأَدَوَاتِ مَطابِخِهِمْ،
بِمَلاعِقَ تَعْبُرُ الْحُدْودَ جِائِعَةً
وَسَكَاكِيْنَ يَسِيْلُ مِنْهَا لُعَابُ الشَّهَوَاتِ
لِعَوْدَةِ الْمَذْبُوْحِ فِي التَّوْرَاةِ.
بِصُحُوْنٍ تَلْتَقِطُ الدِّمَاءَ مِن السَّمَاءِ الْجَرِيحةْ)ِ
وكذلك فان ( معلقة ) مظلوم تنتمي الى القصيدة الطويلة والكتاب الشعري الشامل الذي ينبني على ثيمة وفكرة تتجوهر وتتمحور ثم لاتلبث ان تتشظى الى ثيمات متعددة في حيّز الوجود وفضاءات العالم .. ثم تعود لتتوحد وتتماهى مع ذاتها بوصفها ثيمة كلية الجوهر وعضوية المعنى .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter