فجائع المواطنين المفقودين: متاهات سجون خفية ام مقابر جماعية جديدة

مع تباطؤ العملية السياسية في العراق، وتردي مستوى الامن والخدمات، لم يجد مراسلو الصحف الاميركية، سوى توثيق اللحظات الانسانية للعراقيين، وما خلفته سبع سنوات من الاحتلال، منها اكثر من سنتين من العنف الطائفي الدامي.مراسل صحيفة النيويورك تايمز في بغداد جاك هيلي، رصد بعضاً من هذه اللحظات من خلال برنامج تلفازي مباشر تبثه قناة بغداد الفضائية، يتناول هموم العوائل التي فقدت احباءها خلال سنوات العنف الطائفي.يقول هيلي: في كل مساء سبت ولمدة ساعة تقطعها فترة اذان المغرب، تظهر امرأة بملابس محتشمة على قناة تلفزيزنية عراقية وتستقبل نداءات هاتفية من اقارب عراقيين مفقودين.وصاحب فكرة البرنامج ومنتجه هو رياض البرزنجي الذي كان يجلس في غرفة السيطرة اثناء بث الحلقات. والبرنامج عراقي بامتياز، فهو محاولة اسبوعية لاقتفاء اثر الاف العراقيين الذين اختفوا ومحاولة تحديد مكانهم. وكل هؤلاء المفقودين اما كانوا من ضحايا عمليات الاختطاف الطائفي أو انهم من المعتقلين الذين يقبعون في سجون العراق المنيعة، والتي تكون المعاملة فيها وحشية احيانا. والاشخاص المتصلون يعودون الى النهاية المسدودة نفسها لكن بطرق مختلفة. وكلهم يعرضون عمليات البحث في السجون والمستشفيات ومراكز الطب العدلي والتي لم توصلهم كلها الى مفاتيح للعثور على ذويهم.وقالت متصلة اسمها سلوى وهي تتحدث عن اخيها الذي فُقِدَ “نحن لا نعرف أي شيء. ماذا يحدث؟”.والبرنامج الذي يدور حول رعاية المضطهدين هو وجه من وجوه العراق القاسية، وجزء من الثقافة الاعلامية المتحزبة، فهو يبث من محطة بغداد الفضائية وهي قناة تلفازية يمتلكها الحزب الاسلامي العراقي. وعلى الرغم من ان البرنامج ليس سياسيا الا ان كل حلقة فيه تعرض حادثة تتسم بنقد مبطن للحكومة.وتقول مقدمة البرنامج سهير العزاوي التي كانت تقدم برنامجا من برامج التلفزيون الواقعي وكان يتم تقديم المساعدات فيه للعوائل المحتاجة “لا احد يعتني بالسجناء”.وبعض اصوات المتصلين غمرتها العاطفة. اما الاخرون فمضوا يتحدثون عن قصصهم بذلك الارهاق المألوف من اشخاص عرضوا قضاياهم الى محامين وسجانين ومسؤولي محاكم لاحصر لهم، من دون ان يصلوا الى شيء. وفي بعض الاحيان يصل صياح الاطفال عبر الهاتف عند الحديث عن اختفاء الوالد او الابن. وعلى الهواء مباشرة تحث سهير العزاوي المتصلين على ذكر اسماء المفقودين كاملة وتأريخ ولادتهم واوصافهم الجسمانية وآخر مكان كانوا فيه، وهل تم ارسال المفقود – ودائما يكونون من الرجال- الى سجن معين؟ واين عاش؟.وتقابل مقدمة البرنامج خبراء بسياسة الاحتجاز وتبث مقاطع قصيرة عن الحياة داخل السجون العراقية. وتعرض صورا للمفقودين وتخبر المتصلين انها ستدقق قوائمها التي تتضمن اسماء معتقلين وتتصل بوزارة العدل للحصول على معلومات. وتتمنى لكل متصل ان ينجح في العثور على قريبه، قبل ان تحيي المتصل الجديد بـ “السلام عليكم”.وتقول سهير العزاوي التي بدت مجهدة بعد تقديمها البث المباشر للحلقة الاخيرة من البرنامج “من النادر العثور على اي مفقود. فكلهم تقريبا في سجون سرية أو تعرضوا للاغتيال”.ويكاد يكون من المستحيل وضع سجل بالمفقودين في العراق، وما الذي حدث لهم واين يمكن ان يكونوا. فبعضهم في السجون الحكومية واخرون قتلتهم فرق الموت الطائفية او المتمردون او العصابات الاجرامية.وتقدر منظمة العفو الدولية المحتجزين من دون محاكمة بثلاثين الف شخص. وتقول المنظمات الحكومية العراقية والمنظمات المدنية غير الربحية انه تم الابلاغ عن فقدان ما يقرب من خمسة عشر الف شخص خلال عامي 2005 و2006 وهما من اسوأ سنوات الحرب الطائفية.ولا يزال الناس يتصلون، بالعشرات في الساعة الواحدة، شاغلين الخطين الهاتفيين للاستوديو. وهناك اتصالات من جبال كردستان الوعرة بالاضافة الى اتصالات من المدن المقدسة جنوبا. ويقول هيلي انه عند ربط الاتصالات ببعضها البعض سيتشكل التأريخ الشفوي للحرب خلال السنوات الثمان الاخيرة.ويقول المتصل عزيز حسون الذي اعتقل اخوه قبل اكثر من ثلاث سنوات انه يعرف ان احتمالات الرد على طلبه للحصول على معلومات ستكون ضئيلة. ويضيف ان من المعتقد ان اخيه الذي كان جنديا موجود حاليا في احد السجون العراقية في جنوب البلاد وانه ما زال حيا. وكان هناك اتصال من فراس من الموصل، حول ابن عمه الذي اختفى اثناء دورانه في متاهة السجون التي تديرها مختلف الاذرع في العراق بعد اعتقاله عام 2005. واتصال آخر كان من سلمان من هيت الذي اختطف اخوه قبل ثلاث سنوات.ويقول المنتج وصاحب فكرة البرنامج رياض البرزنجي “انا اتفهم معاناتهم”.وكان البرزنجي ابتدأ البرنامج قبل سنة كذكرى من نوع ما لاخيه الاكبر الذي أختطف من حي الدورة ببغداد الذي كان احد اسوأ ساحات المعارك في بغداد عام 2005. ويقول البرزنجي ان اخاه كان نقل الى احد البيوت الامنة التابعة لميليشا مسلحة واختفى بعدها.ويعتقد البرزنجي ان من المحتمل ان يكون اخوه المختطف الذي عمل سائقا في قناة بغداد، قد تم دفنه في احد القبور غير المعروفة. ولذلك فهو يجلس كل يوم سبت في غرفة السيطرة الضيقة ويحول المتصلين الى سهير العزاوي التي تقول ان “الناس يستمرون بالسؤال واستجداء المعلومات حول ذويهم. انه امر من العيار الثقيل”.ومرت اربع سنوات على السيدة صبيحة فاضل خلف 62 عاما منذ ان قبلت ابنها عباس قبلة وداع حين غادر سامراء. ومنذ ذلك الحين ظلت هي وابناؤها يبحثون عنه. وذهبوا الى كل السجون في مختلف ارجاء العراق ودفعوا الاف الدولارات لرجال غامضين وعدوا باطلاق سراح الابن وما كان هدفهم سوى الافلات بالمال.وما انعش امالها هو اعتقادها أنها لَمحت وجه ابنها في تقرير تلفزيوني عن المحتجزين. وفي كل إسبوع طوال الشهور الأربعة الماضية كانت السيدة صبيحة تتحدث عن عباس في البرنامج على امل ان شخصا ما سيتعرف على اسمه ويبعث اشارة تدل على كونه لا يزال حيا.وتقول السيدة صبيحة في مقابلة “لا زلت احلم بعودته الى البيت، ولهذا السبب اتصل بالبرنامج. ولربما انتظاري في كل اسبوع سيكون الامل الوحيد المتبقي لي”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter