غائب طعمة فرمان رائد الرواية العراقية

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-bidi-font-family:Arial;}

زهير قاسم محمد

 

لقد ابتدأ مسيرته في الاتجاه الرومانسي كغيره من الرواد ، بعدها انتقل إلى المدرسة الواقعية نتيجة اطلاعه على الأدب الروسي وقراءة غوركي ودستوفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم ،  وعندما تعددت مصادر ثقافته واتسعت تجربته حيث أغنته الغربة  بمصادر الإبداع ، أصبح غائب طعمة فرمان  رائدا حقيقيا للرواية العراقية دون منازع  .

لقد تأثر غائب طعمة فرمان بالثقافة العربية بشقيها القديم والحديث مع الثقافة الأجنبية أثناء سفره إلى موسكو ليعمل مترجما ً في أحد دور النشر فيها .

لقد تمتع الروائي غائب طعمة فرمان برؤية دقيقة وذكية أستطاع من خلاها تفسير الأحداث المحيطة به وتصويرها بدقة فنية عالية  ،  ومن يقرأ جميع ما كتبه تتجسد له وللوهلة الأولى قدرته الفائقة على التقاط لصور المؤثرة في المحيط الذي يعيشه

ومنذ الأربعينيات وهو يكتب بنشاط متجاهلا ً مرضه حتى إذا اطل عام 1954 أطلت معه مجموعته القصصية  ( حصيد الرحى ) ، وفي عام 1959 ظهرت إلى النور مجموعته القصصية الثانية ( مولود أخر )  وبعد عشر سنوات كانت  ( النخلة والجيران ) ، هذه الرواية الأولى له والتي تعد بحق الانجاز الأهم في تأريخ الرواية العراقية  ، فقد نجح في رسم معمارية رائعة ضمن عالم خاص حرك أبطاله الى درجة التلاحم نتيجة نفاذه إلى عمق الحدث لاستجلاء  جوهر الحقائق الرئيسة وبلغة ابتعدت عن الترهل والإنشائية والتقريرية ،وانتهجت منهجا ً خاصا بها نستطيع أن نطلق عليه منهج غائب طعمة فرمان .

ما يثير الاستغراب أن الكاتب كان بعيدا عن وطنه عندما كتب معظم أعماله لكن الوطن كان حضوره قويا في كل إعماله المبدعة  .

بعد سنة واحدة من صدور ( النخلة والجيران ) كتب رواية ( خمسة أصوات ) وتوقف حتى عام 1973حيث رواية ( المخاض ) ، والــ ( القربان )  عام 1975 تلتها رواية ظلال على النافذة عام 1979 ، وفي عام 1980 عاد ليكتب مجموعته القصصية  ( الآم السيد معروف ) وفي عام 1986 ظهرت له رواية ( المرتجى والمؤجل ) وينتهي برواية  ( جزيرة أم الخنازير ) عام 1989 .

ولكي نطلع على مزيد مما كتبه الروائي غائب طعمة فرمان ونلقي الضوء على مسيرته الرائدة  لابد من التعرف على سيرته بشكل موجز :

في حي فقير من أحياء بغداد ، وفي عام 1927 ولد الروائي الرائد غائب طعمة فرمان من أسرة فقيرة  وأنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها .

أصيب بمرض السل الرئوي مما دفعه إلى السفر للقاهرة ، وهناك عكف على دراسة اللغة الانكليزية، وأستطاع التعرف عن قرب بالمشهد الثقافي المصري وأن يلتقي بأدباء مصر الكبار أمثال نجيب محفوظ واحمد حسن الزيات لينشر نتاجه الأدبي في مجلة الرسالة المشهورة .

كان الشعر يستهويه من صباه فكتب الكثير من القصائد إلا أنه تركه وبدأ يكتب القصة التي دخلت اهتمامه  .

دخل إلى عالم الصحافة وعمل محررا في الصحيفة الأدبية وكانت له علامات بارزة في هذا الميدان .

بعد الانتهاء من دراسته عام 1954  خرج ثانية إلي سوريا ولبنان  بحثا عن عمل هناك بعد ان رفض التعيين في العراق .

عاد إلى ارض الوطن عند منتصف السبعينيات وبقي فترة قصيرة بعدها غادر إلى موسكو وأستقر هناك حتى وفاته عام 1990 ودفن هناك .

هذا الاستعراض السريع  يعطي أشارة سريعة الى ان غائب طعمة فرمان لديه نزعة ذاتية نحو الطيران الى حاضنات يستطيع من خلالها الإبداع  ، وأن يتعرف على المزيد من الثقافات وأن يتعلم كل اللغات وأن يدخل كل الساحات المغمورة بالنور وكان تأثير الأدب الروسي واضحا على قلمه وخصوصا تورجينيف  وغوركي وتولستوي وبوشكين ودستوفسكي ولاتيماتوف وهذا التأثير هو الذي قاده الى المدرسة الواقعية حيث نلاحظ ان جميع أبطاله من الفقراء والمسحوقين الذين يدورون في عالم أهم ما يميزه حدة الصراع الطبقي وهيمنة الأغنياء وظلمهم على الطبقات المسحوقة .

لقد كتب غائب طعمة فرمان روايته الأولى  ( النخلة والجيران) والتي تعد بحق أول رواية عراقية كتبت بطريقة فنية مستوفية كل شروط النجاح رغم ان  قسما من الحوار أو المنولوجات الداخلية كتبت باللغة العامية الدارجة .

لقد تكاملت عناصر الفن الروائي في  ( النخلة والجيران )  فخرجت متميزة عن كتابات الرواد التي كانت تفتقر إلى الشروط الفنية في كتابة الرواية لهذا فأننا نستطيع أن نقول بأن هذه الرواية جعلت غائب طعمة فرمان يأخذ الصدارة في تأريخ الرواية العراقية ، وجعلته بحق رائدا ً لهذا الفن الحديث على الساحة الثقافية العراقية، فلا يمكن لأي باحث ان يتحدث اليوم عن الراوية العراقية دون ان يكون غائب طعمة فرمان في الصدارة ودون ان تكون  ( النخلة والجيران ) في المقدمة ولا يمكن للقارئ أن يتجاهل أعمال هذا الرائد الكبير، وسليمة الخبازة وحمادة العربنچي ودبش ومظلومة لازال تأثيرهم في نفسه ( ان الصلة الوشيجة التي تربط الإنسان بالمكان تظهر بكل تجلياتها من خلال تفاعله وإحساسه بالألفة معه وقد يكون المكان تعبيرا مجازيا عن الشخصية التي تعيش فيه، من هنا يكون المكان مكونا أساسيا في النص الروائي ويجعل هذا المكون يبدو كما لو كان خزانا حقيقيا للأفكار والمشاعر حيث تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة متبادلة يؤثر كل طرف فيها على الأخر هكذا تتشكل العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان الذي يحيى فيه من خلال عملية التأثر والتأثير وعلاقته بالإنسان الذي يعد جزءا  منه يجري عليه ويؤثر فيه كل ما يحدث في المكان .

كما نلاحظ ان هناك ترابطا وشيجا بين عالم غائب وأعماله الروائية لأنها نتاج تجارب شخصية أو ذكريات ذاتية ، انه لصيق التجربة الشخصية والإحساس الذاتي بالغربة والحنين إلى الجذور العميقة للوطن والطفولة والماضي،  ومنحى العودة إلى الماضي يعد من  أهم المناحي في أعمال غائب طعمة فرمان، وغالبا من يستخدم الروائي أسلوب الذكريات لتصوير الحنين .
كما أهتم غائب طعمة فرمان بالزمن الروائي بنوعيه الطبيعي والنفسي، وهذا الاهتمام إلى امتزاج الزمنيين في رواياته وأحيانا نجد هيمنة

أحدهما على الأخر في النص  كما ان التلاعب بالزمن سمة بارزة في روايات غائب طعمة فرمان نتيجة تقديم الحوادث أو تأخيرها .

 السرد عند غائب طعمة فرمان يسير متدفقا دون تكلف وبأسلوب روائي جميل ، والوصف لديه يأتي  في خدمة ثيمة  الرواية فلا ترى ترهلا  في السرد ولا  وعورة في اللغة بل على العكس فقد أستطاع أن يستخدم اللغة العامية الدارجة من اجل أن يقدم رواية ناجحة من خلال الاعتناء بشخصياته ونقل المكان من صيغته الميكانيكية إلى مكان تسري فيه الحياة بطريقة انسيابية جميلة .

ولابد من تسجيل مشاعر غائب طعمة فرمان حول روايته ( النخلة والجيران ) حيث قال فيها  ( في الحقيقة النخلة والجيران فكرت فيها في أواخر الخمسينيات وظلت تلازمني عندما بدأت أكتب فيها تطورت الشخصيات والأحداث ، بحيث اني بقيت  اكتب فيها دون أن احس بمجرى الأحداث  ، وأعتبرها مساهمة مني لوطني  العراق والذي هو جو طفولتي ولاني كنت انقل صورة حية لذلك الجو فانا أديت شيئا لوطني) .

 لقد قال الأديب والناقد الكبير جبرا أبراهيم جبرا ما نصه ( يكاد يكون غائب طعمة فرمان ) الكاتب العراقي الوحيد الذي يركب أشخاصه وأحداثه في رواياته تركيبا حقيقيا ، ولأن  ميله الى التلوين بالأسود والأبيض فيما يكتب  ، فتفوته مناطق الظلال الغنية  ، التي هي مناطق الروائيين الكبار  ).

وتحدث الروائي الدكتور عبد الرحمن منيف وهو الذي عانى طويلا من الآم الغربة عن صديقه الغائب عبر وسائله النابضة بالحنين للوطن  قائلا  ( لا أعتقد أن كاتبا عراقيا كتب عنها كما كتب غائب طعمة فرمان  ، كتب عنها من الداخل في جميع الفصول ، في كل الأوقات  ، وربما أذا أردنا  أن نعود للتعرف على أواخر الأربعينيات والخمسينيات لابد ان نعود الى  ما كتبه غائب ) وكتب الكثير عن التجربة الروائية لـ غائب طعمة فرمان  وعن ذكريات البعض معه أمثال الكاتب سعد الله ونوس والناقدة الدكتورة يمنى العيد والناقد خيري الذهبي والدكتور فيصل الدراج والكاتب الدكتور محمد دكروب  و الروائي زهير الجزائري والدكتور زهير شلبية  .
ومن جميل ما كتب عنه محمد جمال باروت  : ( كان غائب عراقيا في كل شيء حتى في الرواية التي رآها برلمان الحياة الحقيقي ، إذ كثف في هذه الرواية كل فهمه لطبيعة الرواية ووظيفتها .
أما الدكتور علي جواد الطاهر فقد قال ( غائب طعمة فرمان كاتب عراقي مقروء  ، وليس هذا قليلا  ، وكاتب مجيد وأكثر من مجيد).

وعن الناقد العراقي شجاع العاني حيث كتب : ( النخلة والجيران )  أول رواية عراقية فنية وكاتبها غائب طعمة فرمان الأب الشرعي لمثل هذه الرواية  ، حققت الرواية العراقية قفزة نوعية على صعيد الفن الروائي في العراق  ، ذلك  أن كل الأعمال الفنية التي سبقت هذه الرواية كانت مطولة لم ترقَ الى مستوى الرواية الجديرة بهذه التسمية وهناك الكثير من النقاد ما تحدثوا عن غائب طعمة فرمان ، وليس لدينا المجال لذكرهم جميعاً .
نستنتج من كل ماورد أن  الروائي غائب طعمة فرمان كان رائدا حقيقيا للرواية العراقية وأن روايته الأولى ( النخلة والجيران ) كانت الرواية العراقية الرائدة في مسيرة الإبداع  والتي بقيت الى يومنا هذا علامة مميزة في تأريخ السرد العراقي .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter