عناصر الشر في التاريخ الأسلامي

عالية محمد حسن

حمل المبشرون حملتهم المليئة بالجرأة والتضحية تحت تأثير منيع وسند يقوي من ضعفهم ليستلوا من الأفئدة نورها وايمانها وليخلقوا لتثليثهم كيانا ً رصينا ً خالدا في اصقاع المسلمين وليثبتوا المراكز السياسية لدولهم التي اوفدتهم وزودتهم بما لديها من قوة وذخيرة لهذا الغرض المشرف لها والرافع من مقامها بين امم الارض وشعوبها فكان لحملتهم اثر عظيم على اخلاق العوام والنفسيات الضعيفة الخانعة المتفككة ، وصادفت قبولا ً من لدن اناس يزعون الى كل باطل ويهيمون شغفا ً بكل تمويه وضلال ويندفعون الى الاخذ بكل مايجدون فيه معنى الاخلاص والانطلاق من بعض حدود الدين والانعتاق من ربقة الاخلاق والاحكام والنظريات الدينية المبتنية على ذلك الاساس … وهذا شأنهم وموقفهم ازاء كل مبدء فأنهم اذا شاهدوا فيه اقل مايزعمون انه تجدد ارتفعت اصواتهم جهارا ً بالتأييد والمناصرة وراحوا يعززون تلك المبادئ المنطوية على الشر والدناءة والضعة والمستكملة لحلقات الفساد والضلال بما تمليه عليهم سخافاتهم  وسوء اختياراتهم وخبث سرائرهم وفساد تفكيرهم وقلة تزودهم من التقوى وضعف الفطرة والعاطفة الدينية عندهم ولعدم استكمالهم المؤهلات التي بها يتذوقون معنى رقي المبدء ويتحسسون روح الكمال فيه .

كل هذه الرزايا انحدرت علينا وتواردتنا ولايزال سيلها يطغى واثرها يعظم وسمها ينفث فيميت الروح السامية والنفس الملكوتية اللدنية بنت الأزل ولكن ماذا كان دفاعنا !!!

من المؤسف جدا ً ان نرى الكتاب المسلمين والمفكرين من حملة الاقلام والمتجددين منهم بفلسفته ومبادءه راقدين على فراش النسيان سادرين في الغفلة ، ذاهلين عن التصدي لهذا الشأن المهم بل هم جادون بكل عزم وثبات في تحقيق مالايجدي ديانتهم نفعا ً او يكسيها جاها ً عظيما ، او معنوية تزيل الشكوك والريب المزعومة . او ينير لها السبل لتسير بسلام ولتتوغل في النفوس وترسخ في الافئدة ان لم يحرجها ويرهقها ويورثها ذلا ً وهوانا ً وخسفا . اذ لم نر واحدا ً منهم رفع عقيرته بالاحتجاج صارخا في وجوه الظالمين الطغاة . ولامن تصدى للدفاع عنها ورد العادية بقوة الحجة وناصع البرهان وقاطع الدليل . اللهم الا نفر يسير لم يحكم الصولة ولا اجاد التنقيب ولا احسن فهم اغراض الناقدين على انهم قليلون مستضعفون من جميع الحيثيات .

فبدلا ً من ان نجمع الشمل ونوحد المرامي وننهج خطة معلومة تكفل لنا النجاح وكسب الحظ وجني الثمرة اليانعة في سبيل الجهاد الفكري ومقابلة الخصوم بمثل سلاحهم رحنا منساقين بعوامل ومؤثرات قد لاتخفى عن النابه اللبيب الى البحث في الشئون الطائفية والتنقيب في الاثار والاخبار التاريخية التي تخص هذا النوع من البشر وهذه الطائفة من طوائف الارض . لا لنستنبط الحقائق العلمية ولنقف على عظمة هذا الدين وروحانية ورقي هذه الشريعة وسموا الروح والتعاليم والكرامات والاخلاق والتربية العقلية والجسمية وخواصهما والفلسفة اللاهوتية الحقة لتتخذها سلاحا ً جاهزا ً ننحر به الخصوم ونستدرجهم الى الميل معنا في التصدي الى ما تصدينا اليه من طرق الاستنباط لعلهم يكفون عن تماديهم في غيهم والركون الى سفاسفهم او على الاقل يكونون جادين في معارضتهم متعقلين في عداوتهم متزنين في عقليتهم سليمين في نفسياتهم وتنزوي الحثالات منهم الذين فطروا على التسميم والدس والايقاع ولكن بطرق المكر والخديعة ….. او لنهجها في الحياة ونتخذها الامثل الاعلى السامي لنهيئ لنا طرق الكمال ونعد انفسنا للسيادة المطلقة والعظمة وسمو الجاه ورفعة الشأن لنقبض على السعادة المنشودة والامل الضائع …..

بل لنلقي الفتن بين الطوائف التي لاقت من جرائها مالاتتحمله ضخام الجبال من الارهاق والتعذيب والاهانة والتقتيل والنفي والتشريد . ولنشعل نيران العداوة والبغضاء ونوغر الصدور ونبعث الاضغان التي عفت معالمها منذ ايام طوال من مكامنها ونرجع ذلك العهد المظلم الذي ضاعت الحقيقة الناصعة والاية الصريحة الناطقة بالحق والدليل البين المرشد الى الصواب بين ظلمته الحالكة والشدة والرهبة والسطوة ولم نكتف بنقلها وتدوينها مرة ثانية بل ارتأينا جهلا ً وحمقا ان نعلق عليها بالا راء الفلسفية العصرية التي لاتخلوا من الاهواء الفاسدة والنظريات المغلوطة والتفكير السقيم والنزعة المعنوية التي تبعثها العاطفة وسوء التدبر والفهم .

فاصبحنا ونحن مشرفون على الهلكة ولم يبق لنا في الحياة الاذماء يتداعى الى النضوب ولامن صفات الاحياء غير حركات موجهة من احادنا وجماعتنا الى انفسنا استزافا ً للرمق الذي بقى بعد ذلك التطاحن والتناحر الذي سود التاريخ وكان ناصعا ً مليئا ً بالمفاخر والعظام .

في العرب كما في غيرهم من امم الارض مؤرخون وقصاصون يعنون بجمع الاثار المختلفة في الماهية والصفة وبتدوين ما للأمة التي يعيشون بين ظهرانيها وتحت كنفها ورحمتها من مفاخر ومحامد وعلو شأن ومكانة ونفوذ وجاه وسيادة وما تأتيها به طوارق الحدثان وما يطرأ عليها في ادوار حياتها المختلفة اثناء نهجها للطرق التي ترسمتها لنفسها من تطور في المعيشة وتبدل في الاوضاع السياسية ولم تكن اذ ذاك قد عرفت ووضعت الشرائط والخصال والاداب التي يلزم توفرها في المؤرخ حسب النظرية السائدة في هذا القرن ولذلك فأن جل ماكتبوه ودونوه وابرزوه للناس كان مبتنيا ً على العاطفة المجردة وعلى الشعور المتكون تكونا ً خاصا ً لا اثر فيه للتعقل والروية والمحاكمة ولا شك بان تلك النزعة المتمشية في تلك الاساليب المعلومة من التاريخ لم تتولد اعتباطا ً في انفسهم ولم تتكون بدون علل جعلت وجودها قهريا ً .

ولسنا نرغب في تبيين تلك العلل وشرحها وازاحة الستار عن الغامض منها لان جلها معلوم للمفكرين المنزهين عن الخبث واللؤم ورداءة الطبع وفساد السليقة ولان موقفنا هذا والعجالة التي تستدعي الاختصار تلجأنا الى الترك والكف ،. والبرهان الجلي الذي يدعم حجتنا هو وجود هذه الفصول التاريخية بصورة مضطربة متناقضة بعيدة عن الصواب مجردة من الحقائق الكاملة لا يستسيغها العقل ولا يؤمن بها الوجدان.

أفمن المعقول ايها القارئ النبيه ان يكون ائمة المسلمين وعظماء هذه الامة وقادتها ونورها المتلألأ وكيانها القويم الرصين وكلمات الله العليا والهدات الاشراف والصراط المستقيم الى الحق الذين جمعوا بين التقوى والعدالة وشرف النفس والعفة وطيب السريرة والحمية والاباء والسخاء والعصمة وضاعين دساسين يفترون على الله الكذب ويأمرون وينهون بما ليس من عنده وانهم ينتحلون طريقة تناقض طريقة الرسول الاكبر(ص) ويضعون فقها ً خاصا ً بهم كما يزعم احد اولئك المؤرخين!!!!

أمن الجائز ان نحكم على هذا بانه ممن يدينون بهذه الشريعة الحنيفة ويقدسون مبادئها وينهجون على مقتضى التعاليم المودعة فيها وهو قد وصم القادة الاطهار ورماهم بالوضع والتدليس واختلق تلك الفرية حبا ً بالباطل وتزلفا ً للظالمين .

أليس من الصحيح ان نرمي هذا بالدس والوضع والتخرص المشين لاغراض سافلة وهوى في النفس لا يلائم الشريعة بذاتها .

فان التمسنا عذرا ً لاولئك ووجدنا لهم من مجموع تلك الاحوال وتلك الظروف ومن فقدان الشرائط المرعية بنظر هذا العصر في شخصية المؤرخ وفقدان الاداب المطلوبة منه عند تحدثه عن اثر محمود وخلق جميل او سلوك معتدل او شجاعة نادرة او كرم فياض او خصلة حميدة او مبدء سام او عقيدة نيرة او اية مأثرة اخرى كما تستدعيه اضداد هذه الخصال ما يبرر خطيئاتهم ويقلل من عظيم ذنوبهم ونزوعهم الى الباطل رغبة او رهبة فاننا لا نستطيع ولااي منصف اخر ان نجد عذرا لهولاء المهوشين الاغرار ومهربا ً لهم من خطاياهم وظلمهم وعدوانهم وتجرئهم على الافتراء والتخرص وخوضهم الغمرات الى الباطل حتى كونوا لهم مجموعة من الاكاذيب والاضاليل وبرهنهوا عليها باسخف الحجج واوهى البراهين ومن العجيب انهم سموا كل ذلك بالمحاكمات التاريخية او فلسفة التاريخ وهم يعتقدون انهم احسنوا الى التاريخ الاسلامي صنعا ً واضافوا اليه عناصر جديدة في البحث والاسلوب والنظم وساروا به بزعمهم على النهج المتبع اليوم في بلاد الحضارات والمدنيات ولو علموا انهم يلعبون بالنار وانهم يهدمون المجد الاسلامي ويقبرون ماثره ومحامده ويمحون اثار الحكمة والفضيلة منه ويوسعون المجال للتقول عليه ونقده والنيل من كرامته والحط من شأنه لما اعتدوا وافتروا ، ولكتبوا فصولهم التاريخية باعتدال ودونوا الاثار الاسلامية بدون ان يعمدوا الى نبش القبور وخرق الستار وبعث الضغائن وفتح باب المنازعات والمناقشات في وقت نحن في اشد الحاجة الى الامتزاج والتلاحم والتكاتف وصد العدو عن المضي في عدوانه وظلمه ورد اباطيله وحجمه على ان من الجهل والسخف ان يوسع المؤرخ منظاره لمساوي طائفة دون اخرى ويستقري غلطاتها ومواضع خطئها وسخف مبادئها وسفالة ماصارت اليه .(ان يكن هذا ثابتا ً ) بروح عاطفته الخاصة وشعوره المعلوم لان كل طائفة ترى انها على حق وان غيرها من الطوائف على باطل وعمى .ولويسر الله لها مؤرخين وفق طلبة العصر لنحوا هذا المنحى من البحث ولجاؤا بمثل هذه المحاكمات والعلل ولافاضوا بما يشابه هذا البيان . اذا ً فما بالكم ضالون لاتهتدون!!!.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter