عمر البشير : ندعم المقاومة في العراق وقرار المحكمة الدولية ازاد رصيدي بين شعبي

الخرطوم: سوزان كولبل وفولكهارد ويندفر *
قال الرئيس السوداني عمر البشير إن صانعي القرار الفعليين داخل الولايات المتحدة، ومسؤولي مكتب المباحث الفيدرالية (إف بي آي) ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) يعلمون تمام العلم أن ما يقال بشأن السودان عار من الصحة. ويؤكد في مقابلة لـ«دير شبيغل» الألمانية أن المحكمة الجنائية الدولية «أسدت لي معروفا لم أكن أحلم به، حيث قفزت شعبيتي على الصعيد الداخلي على نحو غير متوقع نتيجة صدور قرار التوقيف ضدي». جدير بالذكر أن البشير تولى السلطة عبر انقلاب عسكري غير عنيف منذ نحو 21 عاما، وفي عام 1993 جرى التصديق رسميا على كونه رئيسا للبلاد. وفي عام 2005، وافق على معاهدة توسطت فيها دول غربية أنهت عقودا من الحرب الأهلية في جنوب البلاد الذي تهيمن عليه أغلبية مسيحية، وفي ظل هذه المعاهدة، تقرر تحديد الجنوب ما إذا كان سينفصل عن باقي البلاد عبر استفتاء عام في يناير (كانون الثاني) 2011.

المثير أنه في الشمال المسلم، استفاد البشير من قرار التوقيف الصادر بحقه، حيث أعلنت جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي دعمهما له، وأثارت إدانة المحكمة له موجة تعاطف جماهيري معه. ويتوقع المراقبون أن يجري التصديق مجددا على البشير كرئيس في الانتخابات المقرر عقدها في منتصف أبريل (نيسان).

وخلال المقابلة يصف البشير الاتهامات الموجهة له بأنها «لا أساس لها» وتشكل «مؤامرة من الخارج». وإلى نص المقابلة:

* سيدي الرئيس، سيادتكم أول رئيس دولة تصدر المحكمة الجنائية الدولية ضده قرار توقيف خلال فترة وجوده في الرئاسة لاقترافه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. علاوة على ذلك، يجري النظر في توجيه اتهامات ضدك بارتكاب إبادة جماعية. وتعد أكثر من 100 دولة، أي نحو نصف دول العالم، ملزمة بتنفيذ قرار التوقيف. كيف ترد على هذه الاتهامات الخطيرة؟

– ببساطة، ليس من الصحيح أن 100 دولة أو أكثر اتخذت موقفا ضد السودان. في الواقع، تطالب الكثير من الدول الأفريقية بإعادة المحكمة الجنائية الدولية النظر في القرار، بل وهددت بعض الدول بالانسحاب من المحكمة بسبب هذا القرار.

* الملاحظ أن مزيدا من الدول تعمد إلى إقصاء نفسها عنك، بما فيها جامعة الدول العربية.

– نتمتع بعلاقات ممتازة مع جنوب أفريقيا. وقد زارنا نائب الرئيس، واتخذنا الترتيبات اللازمة لزيارة رئيس جنوب أفريقيا لنا بعد الانتخابات المقررة في أبريل. وتلقيت دعوة شخصية من فنزويلا، وسأعلن قبولي لها بعد الانتخابات. وأعترف بالفعل أن هناك مشكلات، بصورة أساسية في الدول الأوروبية، لكن يبقى نمط السلوك الأكثر غرابة ذلك الصادر عن الولايات المتحدة، التي تصر على تنفيذ قرار التوقيف، رغم عدم اعترافها مطلقا بالمحكمة الجنائية الدولية.

* يبدو أنك لا تبدي قلقا كبيرا حيال أمنك هنا، رغم استمرار شائعات بشأن تعرضك لتهديد من فرقة قوات خاصة يمكنها تنفيذ الأمر ونقلك إلى لاهاي.

– أشعر بأمان كامل في وطني، بل على العكس، لقد أسدت إلي المحكمة الجنائية الدولية معروفا لم أكن أحلم به، حيث قفزت شعبيتي على الصعيد الداخلي على نحو غير متوقع نتيجة صدور قرار التوقيف سالف الذكر.

* ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن جرائم مروعة وقعت في إقليم دارفور المتوتر. طبقا لعريضة الاتهامات ضدك، فإنك توليت السيطرة على ميليشيا الجنجاويد سيئة السمعة أثناء شنها غارات منظمة ضد قرى في دارفور وذبحها أبرياء.

– هذه اتهامات لا أساس لها. منذ البداية، كان الأمر مؤامرة من الخارج عمدت إلى مساندة التمرد في دارفور، سياسيا وعسكريا وماليا. في بداية الأمر، ساند هؤلاء المتآمرون المتمردين بجنوب السودان، ثم نجحت قواتنا في أن تكون لها اليد العليا وتراجعت حدة الصراع. إلا أنه فيما بعد ساندت هذه العناصر الأجنبية ذاتها متمردين في دارفور، مستغلة في ذلك الصراعات التقليدية التي تنشب بين المزارعين والرعاة خلال فترات القحط.

* لكن من ارتكبوا المذابح في دارفور لم يكونوا من الأجانب.

– بالطبع وقعت جرائم، بل جرائم بشعة، لكن هذا يحدث في كل مكان في العالم تظهر فيه عصابات مسلحة تثير المشكلات وتعارض الحكومة. ومن واجب قواتنا المسلحة التصدي للمتمردين. إن كل المزاعم التي يجري الترويج لها في الخارج حول ميليشيا الجنجاويد والهجمات المزعومة التي تشنها لا ترمي سوى إلى تشويه الحقائق.

* دعنا نتحلى بالوضوح بهذا الشأن: لقد وقعت جرائم حرب في دارفور. هل تقول إن الصفوف الدنيا فقط من جيشك هي التي اقترفت المذابح هناك؟

– لقد عملت قواتنا المسلحة دوما في إطار العمل الذي يرسمه القانون. وتجري محاسبة أي فرد في الجيش أو الحكومة ينتهك القانون. مثلا، كان أحد ضباط الشرطة في يوم من الأيام يطارد عصابة من المسلحين وأطلق النار على زعيمهم. ولأجل هذا، صدر ضده حكم بالإعدام. في قضية أخرى، قتل عضو بالقوات الأمنية مواطنا في دارفور. وعليه، جرى تقديمه هو الآخر إلى المحاكمة ونفذ بحقه حكم الإعدام.

* باعتبارك القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الدولة، هل تتحمل المسؤولية الشخصية عما وقع في دارفور؟

– إن أحد واجباتي ضمان الالتزام بالقوانين، وأتحمل مسؤولية كل ما يقع أثناء اضطلاعي بهذا الواجب.

* لم يكن لبلادك علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة منذ 12 عاما. ومع ذلك، يبدي الأميركيون اهتمامهم بثروة دارفور النفطية والاستقرار في المنطقة. وتعاونت وكالات الاستخبارات لدى الجانبين بصورة مكثفة في إطار جهود مكافحة الإرهاب لبعض الوقت. وتستخدم الاستخبارات السودانية معدات أميركية، وزار الرئيس السابق للاستخبارات السودانية الولايات المتحدة عدة مرات. هل يعني ذلك أنه على الصعيد السري تربطكم علاقات طيبة مع الولايات المتحدة؟

– يعلم صانعو القرار الفعليون داخل الولايات المتحدة، ومسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) تمام العلم أن ما يقال بشأن السودان عار من الصحة. لكن جماعات ذات مصالح قوية تمارس نفوذا على الحكومة الأميركية. وهذا هو السبيل الوحيد لتفسير التناقضات في الموقف الأميركي.

* دائما ما يخالجك الشك في النفوذ الإسرائيلي وراء كل شيء، رغم أنك الشخص الذي يقدم العون للمتشددين الفلسطينيين في قتالهم ضد إسرائيل؟

– نعم، نساند النضال المشروع لحماس وحزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة ضد الغزاة الأميركيين في العراق وأفغانستان التي فرض فيها رئيس محدد على الشعب.

* لكن هل تجري أي مفاوضات سرية بينك وبين الأميركيين ؟

– يجري حوارنا مع الولايات المتحدة من خلال المبعوث الأميركي الخاص سكوت غرايشن. ونرى أن هذا الجنرال السابق رجل عقلاني وواقعي. لقد تولت الشركات الأميركية إدارة شؤوننا النفطية التجارية فيما مضى. لكنها قررت الرحيل عن السودان، وربما ساورها ظن بأن أحدا لن يحل محلها.

* قام مؤخرا وفد اقتصادي من الجمعية الألمانية – العربية بجولة في السودان. هل من الممكن تنفيذ نشاطات تجارية مربحة داخل السودان، التي يفرض ضدها الاتحاد الأوروبي، والأهم من ذلك، الولايات المتحدة، عقوبات شديدة؟

– نحن على استعداد للتعاون الاقتصادي في جميع المجالات، ولحماية المشروعات الألمانية إذا لزم الأمر. لا تسبب العقوبات أي مشكلات لنا. على سبيل المثال، في ذات اليوم الذي أعلنت «سيمنس» انسحابها من السودان، وقعنا اتفاقا مع شركة صينية كبرى. في قطاع البترول، وقعنا حاليا عقودا مع شركات صينية وهندية وماليزية، وهذه العقود أفضل بكثير من تلك التي كانت تربطنا بالأميركيين. لقد احتفظ الأميركيين بـ70% من أرباح النفط لأنفسهم، بينما حصلت الحكومة السودانية على 30% فقط. اليوم، تحصل الحكومة على 70% من الأرباح. كما يتولى الصينيون تدريب فنيين وخبراء. وينتمي غالبية المهندسين العاملين داخل الحقول النفطية اليوم إلى السودان.

* لماذا عرضت استضافة الزعيم الإرهابي أسامة بن لادن حتى عام 1996، لمدة 4 سنوات؟

– كان أسامة بن لادن في بداية الأمر نشطا في أفغانستان، حيث تمتع كمجاهد بدعم كامل من الأميركيين. في الواقع، تابعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عملياته العسكرية. بعد انسحاب السوفيات من أفغانستان، أتى بن لادن إلى السودان وبنى مطارا في بورتسودان. وجرى تمويل مثل هذه المشروعات من جانب الحكومة السعودية، وتولت «مجموعة بن لادن» السعودية التنفيذ. بمعنى آخر، لم يكن بن لادن أثناء وجوده هنا إرهابيا، وإنما كان مستثمرا ورجل أعمال. لكنه بعد ذلك شرع في خلق مشكلات مع السعودية.

*.. بسبب انضمام متطرفين إسلاميين إليه في السودان وإثارته المسلمين.

– على أي حال، لم يعد لدينا استعداد حينذاك للاستمرار في دعمه في هذا الصراع. لكنه لم يتوجه إلى السعودية، لأنه كان سيقدم إلى المحاكمة هناك، وإنما بدلا من ذلك سافر إلى أفغانستان.

* أعلنت عن عزمك السماح للجنوب الثري بالنفط الانفصال إذا كان ذلك ما يرغبه السودانيون. هل يعني ذلك أنك خضعت أمام الضغوط الدولية؟

– لم يأتِ هذا الموقف استجابة لضغوط من الخارج، وإنما لأننا أدركنا أن مثل هذا الحدث التاريخي المهم لا يمكن البت فيه سوى من قبل ممثلين شرعيين عن الشعب. قبل أن نعقد الاستفتاء الشعبي حول ما إذا كان الجنوب سيبقى جزءا من الاتحاد الفيدرالي، نرغب في توفير الظروف الضرورية للانتخابات المقرر عقدها في أبريل.

* إذا ما أقرت نتيجة الاستفتاء خيار الانفصال، هل سيقنع الجنوب المستقل بـ50% فقط من عائدات النفط، رغم وجود 3 أرباع احتياطيات النفط في الجنوب؟

– ستجري تسوية مثل هذه التفاصيل بعد الاستفتاء.

* على أي حال، سيبقى الشمال على سيطرته على الشؤون النفطية على مدار المستقبل المنظور لأن خطوط الأنابيب المتجهة إلى البحر الأحمر تمر عبر شمال السودان، الذي يضم كذلك معامل التكرير.

– بعد 50 عاما من الحرب، اتفقنا على حل سلمي. وأرى أن كل من يعتقدون أنه من غير الممكن التوصل إلى تسوية غير عنيفة للصراع جانبهم الصواب، بغض النظر عما يقرره أهل جنوب السودان. لقد كان التشيك والسلوفاك أحدث من وضعوا نموذجا للتعايش السلمي والودي بين دولتين كانتا متحدتين في وقت من الأوقات.

* تحتفظ الأمم المتحدة بأكبر قوة لها لحفظ السلام، يتجاوز قوامها 30.000 جندي، في جنوب السودان. هل ستصبح هذه القوات بلا ضرورة حال نجاح المفاوضات مع المتمردين في دارفور أيضا؟

– حال استقرار الوضع في السودان وإقرار السلام، لن تكون هناك حاجة لقوات الأمم المتحدة. لكن إذا ظل الجنود الأجانب داخل البلاد بعد إنجازهم مهمتهم، لن يخلق هذا سوى المشكلات.

* «نيويورك تايمز» و«دير شبيغل»

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter