على جنحي زاجل ابيض سآتيك

نادية العبيدي

كان الطريق طويلاً وفوضى السيارات وزمجرتها يملأ المكان وشمس آب تلهب الاسفلت وتفتت استار البيوت وتحرق الاشجار والقلب المولع بالالم … كنت احاول ان اشغل نفسي برواية صغيرة بين يدي وان كنت لا افقه حرفا واحدا مما اقرأ لكنها محاولة للعزوف بعيدا عن شوقي واشتهاء روحي للالم والتلظي بنار الحزن والاحتراق بها .. ومن بين كل هذه الاشياء كان هناك صوت يصدح من مسجل السيارة دافئا  حنونا ينطلق من حنجرة عذبة يجسد المشاعر الرقيقه والحنان … أغنية تجعل الغربة وطنا والغربة حنينا وتدفق للشوق كان الصوت يصدح بموال جميل ذي  شجن  عميق دفين قائلاً: ( حمام احمل لهم وياك مرسال .. مر سال الدمع بفراكهم ياناس مر سال) وكأني اصبت في مقتل … رغم ان  الصوت بعيد عني نوعاً ما.. والاغنية استرقها بالكاد وتصل الى اذني من بين الاف الافواه التي لا تكف عن الحديث… الا اني كنت اشعر بأني وحدي اقف في عالم ابتدئه بك ويمر بك وينتهي اليك ..!! وللحظة توقف العالم عند قدميك .. و سافرت مع كلماتها .. (مرسال مره أسال متى يعودون مرسال ..  مرسال شيصبر قلوبنا بأبعاد الاحباب ) واحسست انها حقاً قد مست شغافات القلب بل واعتصرته حتى اختنق وكاد يموت … كنت اكابد دمعة ابت الا ان تنحدر واخذت معها تنهدات ساخنة تنفث من صدر مكلوم … وعرفت حينها اني اكابد الشوق غصباً وعادت الاغنية تصدح (بالله ياطير الحمام اللي تسافر.. ودي لحبابي السلام)  اتراه الحمام قادرا على ان يوصل لك الرسائل … اذن لما لا اكون حمامة…!! وتخيلتني كذلك .. وتخيلتني احوم بجنحي الابيضين فوق فضائك كي اوصل اليك الاشواق وامدك بحنين التي تركتها خلفك واصبحت عازفة عن اي شيء بالوجود الا انت…
عاد الصوت هذه المرة مرتفعاً :(واحمل بجنحانك رسائل من تهاجر.. للي حرموني المنام).. اي توله هذا واي تصوف واي اقتحام للمشاعر دون رحمة ..!! واي وصف للالم .. لم استطع كتمان دموعي اكثر فتركت لها العنان ومنحتها الترخيص الابدي بالخلود الابدي فوق الوجنتين .. وتابعت منتصرة تهوم بعلامات النصر وتضحك وتتمرد وتعربد فوق وجهي دون رحمة .. وتركت لها ايضاً حرية الرسم بالخطوط سواء كانت خطوطا عريضة ام مدببة …مستقيمة ام متعرجة  حينها بدأت افتش واتفرس في وجوه الناس عن اي شيء يعيدك لي .. وعاد السؤال نفسه الذي عذب الروح (اين انت كيف ومتى اراك…) ؟
اتعرف انني سالت عنك كل شيء ، سألت الغيوم .. سالت اعقاب سكائرك المتروكة والتي عزفت عن حملها كي تبقى امامي .. اقبلها صباحاً وامسي عليها ليلاً …
سألت عنك السماء … والطارق .. سألت عنك الهواء والشمس والزهور..!! سألت عنك لفافات الورق التي كنت تمسك بها بين يديك وتكتب فوق نصع بياضها بناصية قلمك وبحبر مداده دمك (احبك) بل وسألت ايضا عليك كلمة (أحبك) .. لكن كان رجع الصوت دائما يقول ….. ربما لا اعرف ويقلب لي شفته السفلى !! رباه ومن تراه يعرف ..!!
حينما كنت تهم بمغادرة ارضي حاولت جاهدة ان اكفكف ادمعي .. واستقوي على نفسي واقنعها بانها قوية … فأستدركت الحال .. وابتلعت المي الى حين وصوت يرقص بأذني وانت تهمس: (صبراً آل ياسر..)
دخلت بصمت غرفتك كنت اشتهي تعذيب الروح .. وبالطبع كانت لا تزال رائحة سيكارك تملأ المكان وتعبقه وكأنك لم تغادرها… واجتاحتني رغبة عارمة بالصراخ لكني تمالكت نفسي لبرهة وتخيلتك تجلس امامي وتنظر الي بنواعس عينيك العسليتين وبتلك النظرة التي احبها وتقول بهدوئك المعتاد: كفاك حبيبتي .. انا هنا قربك …
مددت يديّ بالفضاء وكاني امسك شيئا ما حتى صدح الصوت مرة اخرى:( كلهم ورود الحدائق تنتظرهم.. وتنتظر عِشرة زمان.. والليالي جنة صارت وبأسمهم فاضت الدنيا حنان…)
حبيبي انا هنا اكابد بعدك عني واشتاق حنانك وورود حدائقك ولياليك الساكنة التي تفيض طمأنينة … حينها قررت ان استنجد بقوتك واحادث نفسي واقول.. سأحاول ان اتجرع الصبر مادام الحمام يطير في سماك … وسـأترجى الحمام ان يوصل اشواقي واجمل كلامي اليك يا رفراف قلبي وصباح نهارات دجلة … وليبقى المغني رضا الخياط يصدح ويستحلف الحمام حينما يقول:
بالله ياطير البراري اللي تغني
فرح الدنيا بغناك
واخذوياك الحبيبي اجمل كلام
وكله مالحظه نساك
زايد بقلبي الهيام
بالله ياطير الحمام
مر يطاير وبسماهم ديره ديره
خل يشوفونك حبيب
وقلهم العفتوه ما ناسي الليالي
وبعد فرقاهم غريب
راح من عينه المنام
بالله ياطير الحمام

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter