عقود التراخيص كارثة تهدد وجود العراق ومستقبل شعبه العقود لا تخضع للقانون العراقي وممنوع عرضها على مجلس النواب

نفط العراق لم يعد مجديا

 

بغداد- العرب ـ سلام سرحان: أظهرت وثائق العقود التي وقعها العراق مع شركات النفط العالمية، أن بغداد لم تعد تحصل سوى على جانب ضئيل من عوائد صادراتها النفطية بعد التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية.

وتنص العقود، التي كشفت قناة البغدادية عن تفاصيلها، على أن يدفع العراق لشركات النفط المتعاقدة 21 دولارا للبرميل كتكلفة لاستخراج النفط، وهي تعادل عدة أضعاف تقديرات الخبراء، بسبب سهولة استخراج النفط الخام في جنوب العراق.

ويقول الخبراء أن تكلفة استخراج النفط في العراق تعد من بين الأدنى عالميا، ويفترض ألا تتجاوز بضعة دولارات للبرميل. وتضمنت أيضا أن تسلم الشركات النفط الخام المنتج عند فوهة البئر، وأن على العراق نقله وتسويقه، إضافة إلى إلزام بغداد بدفع تكاليف الاستخراج، حتى وإن لم تبع الكمية المستخرجة وفقا لمبدأ “تكلفة الفرصة الضائعة”.

كما كبلت تلك العقود الحكومة العراقية بدفع قوائم مصروفات الشركات، دون تحديد سقف واضح، وهي تتضمن بنودا تبعث على السخرية أحيانا.

وذكرت وكالة البغدادية نيوز أن فقرة “التكاليف العامة” تضمنت مسألة فنية غاية في التعقيد وهي فقرة تتضمن مصاريف تلك الشركات من النقل والخدمات اللوجستية وإيجاد بنايات كمقرات في العراق وخارجه يتحملها العراق خارج تكاليف استخراج النفط.

وتسمح تلك الفقرة بعدد غير محدود من رحلات مسؤولي الشركات وإقامتهم في الفنادق الفاخرة وحجوزات المكاتب وقاعات الاجتماع، وهي تستنزف ما تبقى من عوائد الصادرات بعد إضافتها إلى تكاليف الاستخراج الباهظة.

وكشفت مصادر مطلعة أن “إحدى الشركات المتعاقدة مع العراق قامت بإيجار بناية في لندن بسعر خيالي لاستعمالها كقاعة اجتماعات، وأن العراق يتحمل دفع مبالغ إيجارها السنوية، فضلا عن تحمل الجانب العراقي جميع تكاليف الاجتماعات التي تعقد بين الشركات والعراق وفي أي مكان في العالم.

ولم تعط العقود للجانب العراقي سوى شهر واحد فقط للاعتراض على تفاصيل تلك المصاريف من تـاريخ تقديمها، وإلا تعد مصادقا عليها من قبل الحكومة وتكون واجبة التسديد.

ويرى المحللون أن تلك الفترة قصيرة جدا، خاصة في ظل ضعف كفاءة المسؤولين عن قطاع الطاقة في العراق بعد إقصاء معظم الكفاءات الجيدة منذ عام 2003.

وكشفت وكالة البغدادية نيوز أن عقود جولة التراخيص التي تشمل معظم إنتاج العراق من النفط الخام، نصت على أن المحاكم العراقية غير مختصة في الخلافات التي تنشأ بين الحكومة وشركات النفط الأجنبية.

وفرضت أن يكون التحكيم القضائي في النزاعات في غرفة التحكيم في باريس وهي مؤسسة دولية تعنى بحل الإشكالات التي تقع بين الدول بشأن العقود التجارية، ما يعني أن تلك العقود غير قابلة للتعديل لصالح العراق.

كما كشفت الوكالة أن العقود جاءت باللغة الإنكليزية فقط، ولا وجود لنسخة عراقية منها، وأن مجلس الوزراء صادق على النسخ الإنكليزية في مخالفة واضحة للدستور العراقي.

وتنص العقود على أنها غير قابلة للتعديل، بأي حال من الأحوال، مما كلف العراق أموالا طائلة خاصة أن التكاليف العامة الفعلية أصبحت تفوق سعر مبيعات النفط في أحيان كثيرة.

وتصاعدت في الأيام الأخيرة بعد الكشف عن تلك التفاصيل، الأصوات الغاضبة من المحللين والاقتصاديين، وتكثفت التظاهرات المتواصلة منذ عدة أشهر للمطالبة بالإصلاحات ومحاسبة الفاسدين. ووصلت الانتقادات إلى أعضاء البرلمان الذين وصفوا العقود بأنها كارثة حلت بالعراق، في حين كان يفترض أن يكون هدفها الارتقاء بالإنتاج النفطي العراقي.

وقالت نجيبة نجيب عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي إن “هذه الصيغة تعد بمثابة كارثة على العراق وتمثل فشلا كبيرا للمسؤول عن ملف الطاقة حسين الشهرستاني والذي مثل العراق في عملية التعاقد. وأضافت أن فترة الشهر الواحد للاعتراض على فواتير مصارف الشركات “غير كافية أبدا وأن الفقرة تعد الباب الواسع لعمليات فساد كبرى ضمن جولات التراخيص”.

وأكدت أن عقود جولات التراخيص تمت المصادقة عليها في مجلس الوزراء في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فقط، ولم يطلع عليها البرلمان ولا توجد أي نسخة عربية لهذه العقود، وإنما اقتصرت مصادقة مجلس الوزراء عليها على أساس نسخة اللغة الإنكليزية فقط. وأوضحت أن “مستحقات شركات جولات التراخيص تمثل ما يقارب ربع موازنة العراق لعام 2016 وهي واجبة الدفع خلال العام المقبل”.

وكشفت نجيب للبغدادية نيوز عن قيام البرلمان بإجراء تحقيق واسع بشأن جولات التراخيص النفطية، التي أبرمها الشهرستاني، والتي قالت إنها “رهنت نفط العراق لعشرات السنين”. وذكرت أنه “عند زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي مؤخرا لمقرات الشركات في محافظة البصرة، طالبت تلك الشركات بتسديد مستحقاتها المالية دون أخذ مصلحة العراق في الاعتبار، مستندة إلى فقرات عقود جولات التراخيص والتي ضمنت حقوق الشركات وفرطت بمصالح العراق”.

وأمام تكشف تلك الحقائق، أعلنت وزارة النفط مرارا أنها بصدد مراجعة العقود بالتشاور مع الشركات الأجنبية، بهدف التوصل إلى اتفاقات جديدة أو تعديل العقود المبرمة، لكن محللين يرجحون ألا تتنازل الشركات، لأن العقود تكفل لها ذلك.

وقال الناطق باسم وزارة النفط عاصم جهاد في الشهر الماضي إن التغييرات التي ستطرأ على العقود تهدف إلى تقليص تكاليف الإنتاج وأن “هناك حوارات هادئة مع الشركات العالمية من شأنها مراجعة تلك العقود وفق أحد البنود، الذي يسمح بمراجعتها وفقا للتغييرات التي تطرأ”.

ويبدو مستبعدا أن تتمكن الحكومة من تعديل العقود بدرجة كافية لاستعادة حقوق البلاد، دون اللجوء إلى إجراء أحادي بإلغاء تلك العقود بما يشبه التأميم، رغم أن بغداد بحاجة ماسة للخبرات العالمية بسبب تردي إمكاناتها الذاتية في السنوات الأخيرة.

وقال الخبير الاقتصادي مصطفى محمد الحبيب إن “الحكومة السابقة وخلال إبرامها العقود النفطية مع الشركات الأجنبية لم يستطع مفاوضوها وضع الحسابات المستقبلية في الحسبان وأهمها هبوط أسعار النفط”.

ودعا الحكومة إلى الإسراع في تشكيل فريق عمل متخصص لإعادة التفاوض وفق المستجدات الاقتصادية الحالية ومحاولة تخطي العثرات السابقة. ووصلت الانتقادات إلى شخصيات كانت من أشد المتحمسين لحكومة المالكي، التي أبرمت تلك العقود، مثل النائبة حنان الفتلاوي، التي قالت إن “من وقع على جولات التراخيص ارتكب خطأً كبيرا بحق البلاد وشعبها”.

وأضافت “أصبحنا نخسر أكثر مما نربح واكتشفنا أن من وقع على التراخيص ارتكب خطأ كبيرا بحق ثروة الشعب لأن المصاريف التي تنفق على استخراج وإنتاج النفط أكثر بكثير من قيمة النفط”. ودعت “القادة إلى مراجعة ومحاسبة أنفسهم على ما اقترفوه بحق الشعب العراقي، ويجب أن يعاد النظر في العقود خاصة أنها وقعت دون الرجوع إلى مجلس النواب”.

ونسبت صحيفة المدى إلى الخبير الاقتصادي ميثم العيبي قوله إن “إعادة النظر في جولات التراخيص يمكن أن تعالج بعض الأخطاء التي رافقت توقيع العقود بين طرفين غير متكافئين في الخبرة والتفاوض”.

لكنه قال إن “إعادة المفاوضات ستكون شاقة وستحتاج إلى خبراء ومتخصصين، لأن الجانب الآخر قد حصن نفسه منذ البداية بشكل قانوني”. وأوضح العيبي أن الشركات النفطية الأجنبية عملت في ظل ظروف أمنية وسياسية صعبة، وحققت للعراق عوائد وصلت إلى أكثر من 750 مليار دولار، خلال فترة ارتفاع أسعار النفط.

وأشار إلى أن “الحكومة لم تستطع خلال السنوات الماضية تحقيق تنمية حقيقية، بل وجهت تلك الأموال للأغراض الاستهلاكية، إضافة إلى شبهات الفساد الكبير”. وأكد وزير النفط عادل عبدالمهدي أمام لجنتي الطاقة والاقتصاد في البرلمان ضرورة إعادة النظر في جولات التراخيص كونها “باتت مكلفة” بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter