عصمان فارس حضور مهجري على الساحتين الفنية والنقدية سعد السعدون

أفرز المشهد العراقي الثقافي والفني المهجري حالات وظواهر عديدة وعلى إختلاف الإيجابيات والسلبيات التي ترافق في أحيان كثيرة الممارسة الإبداعية ، حيث تسمو تجربة هنا وتخبو هناك تبعا ً للظروف التي تحيط البيئة العامة التي يولد فيها النتاج الإبداعي ، وكما هو معروف فقد تكاتفت التعريفات لدى المتخصصين في العلوم المتنوعة في تحديد ماهية التعريف الخاص ( بالإبداع ) وما زالت رحى التضادات الفكرية تدور ولازال التباين والتفاوت في تحديد كناية الإبداع ، فهذا الوليد مازالت أيد متنوعة تسعى جاهدة لإحتضانه ، وقد تناولته بوصفه عنصرا ً أساسيا ً في بعدها المعرفي ، ولا شك أن ثمة وشيجة لا يمكن الإغفال عنها بين ماهية ولادة الإبداع والصفة الأدبية في حضور الكلمة ، فالإبداع إذن يمكن تعريفه بأنه ( التميٌز ) في العمل وإنجازه بصورة يقيم على
اساسه ، ومن ذلك المدخل البسيط نحاول ، تقييم المشهد الثقافي العراقي المعرفي الذي يعج بالكثير من الأسماء والتجارب والصفات ، وبعيدا ً عن بعض الممارسات التي تشوب المشهد الثقافي والمتمثلة في لغة الخطاب لدى البعض إزاء البعض الآخر ، تبقى الكثير من العلامات المضيئة التي تنير سماء ذلك المشهد عبر من ماتنتجه من رؤى وأفكار وقراءات للحاضر والمستقبل فضلا ً عن إستيعابها لمفردات تجارب الأمس البعيد والقريب ، ولعل ما يتجلى في واقع الثقافة والفن المهجري العراقي ونتيجة لصعوبة الواقع المهجري الجديد الذي قد يحوول أحيانا ً دون تقديم المزيد من الأعمال الفنية يلجأ الفنان أو المثقف العراقي أحيانا ً إلى التعبير عما يجول في خلده من أفكار عبر الكتابة ، وفي تجربة الناقد والفنان عصمان فارس شيء من تجليات ذلك الواقع فهو يعد واحدا ً من الكتاب الذين يتمسكون بحيوية وفاعلية الحضور على الساحة النقدية العراقية المهجرية ، فهو يواصل قراءاته ومتابعاته وتحليلاته حاضرا ً بقوة داخل فعاليات حركة النقد والرصد الإبداعي والثقافي ، وقد يعتقد البعض أن الدخول في عالم الكتابة يعد ضربا ً من التعويض عن عدم إمكانية التواصل عبر تقديم الأعمال الفنية غير أن ذلك لا ينطبق على كل الحالات فأحيانا ً تأتي الكتابة عاملا ً مكملا ً لمسيرة الفنان ، وقد يعتقد كثيرون أن الولوج إلى عالم النقد والكتابة قد يأتي بقرار على عكس الحالات الإبداعية الأخرى التي تلعب الموهبة دورا ً جوهريا ً في تحريكها ، بيد أن ذلك ليس دقيقا ً إلى حد كبير وقد بنطبق ذلك على حالات النقد ( الصحفي ) الذي تعتمد آلية التعاطي معها على وجود مهمة معينة أو إنشغالات يومية يحددها سياق العمل الصحفي ، وفي تجربة الفنان والناقد عصمان فارس هناك حالة من النضوج الفكري والجمالي ربما تأتي من حيث إطلاعه على تجارب المسرح الأوربي فضلا ً عن دراسته له ، وكما في التجربة الفنية يبرز حجم الموهبة والملكة الإبداعية فإن الكتابة النقدية ولاسيما الحديثة منها تنطلق من قناعات وتصورات تدفعها في الأساس موهبة وقدرات أدبية على إستيعاب النصوص الأدبية ورصد نقاط إلتماعها ومعرفة تقاليدها وأعرافها وفي النقد الفني تحديدا ً ثمة عنصر جمالي وتذوقي فضلا ً عن إشتراطات الجانب الأخلاقي والموضوعي لدى الكاتب ، وفي تجربة فناننا عصمان فارس تنعكس تلك الصورة فقد عرفناه في المهجر عبر كلمته الملتزمة وإستيعابه لمختلف مراحل المسيرة التاريخية للتجربة المسرحية العراقية وذلك ليس غريبا ً عليه ذلك لأنه أحد أبناء تلك المسيرة الطويلة التي لازال يرصدها بعين العارف لأسرارها أعانه في ذلك إنفتاحه على مختلف مدارس التجريب المسرحي ومن الملاحظ أن فارس لم يكتفي بدراسة ما يطرح على خشبة المسرح بل لطالما وجدنا في كتاباته إضاءات عن الدراما والبرامج التي تقدمها بعض القنوات الفضائية في مقاربة لرصد ما يدور في واقع العراق الجديد ، وإذا ما إستخلصنا ملامح تجربة فناننا عصمان فارس فيمكن القول أنه من أولئك الذين إستثمروا معطيات النقد الجديد بأدواته في التحليل والدراسة دون الافتراق والقطيعة مع المناهج التقليدية ، ولأننا عرفناه في بداية حياته الإبداعية كفنان مسرحي ، ومن ثم إتجه إلى فضاءات جديدة في ظل ظروف المهجر وقد يكون إنصرافه نحو الكتابة النقدية دون الركون لمنهج بعينه نوعا ً من الإقتراب الشديد للعمل الفني بما يشبه التشبث بشاطئ الفن ورغبة في عدم الابتعاد عن مياهه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter