عزاء اطوار بهجة الابيض


نادية العبيدي

طالعني وجهها كالفراشة فارضا نفسه على غلاف كتاب صغير سمي (عزاء ابيض ) يتقدم اوراق كانت قد خطت ولم تر النور في حياتها التي علتها اكوام هشيم نار وغبار دخان ارتفع الى كبد السماء …. كانت ارضها ملأى ببراكين تلفظ احشاءها خارجاً وتنثرها على كل شيء محيط بها … نصف الوجه كان يبدو لي كصحراء جرداء خالية الا من الايمان والامل الذي يعلو الهامة وابتسامة عريضة كانها مرسومة بريشة فنان مبدع قد ادمن الحياة واصبح ينتهز فرصة .. اية فرصة كي يلتقط تلك الابتسامة ويجسدها بلوحة فنية رائعة… تلك هي اطوار بهجة …
وصل الى يدي بالمصادفة كتابها الانيق الذي لم ير النور الا بعد ان فارقت الحياة وبعيد استشهادها بسنوات … كشفت مقدمة الكتاب التي كتبها الشاعر جواد الحطاب عن جوانب صغيرة وبسيطة من حياتها ونبذة سريعة عن الاماكن التي شغلتها … ولكنها لم تسلط كل الضوء على اطوار كأنسانة … كنت ارقب واحس بأطوار تنتقل بين اسطر الكلمات وتكركر حتى في وجعها .. جسدت كلماتها كقصيدة الم … الم يحز قلبها ويعتصره لرؤية المحتل يجوب أنحاء العراق الذي حملت خارطته وما تخلت عنها الى حين استشهادها … والم من احساسها انها لم تستطع ان تفعل اي شيء تجاه انتشار تلك القوات الغادرة التي اتت على كل شيء وروعت الاطفال وشردت النساء … لقد عاصرت اطوار كل اللحظات العصيبة في محافظة النجف واخترقت الحصار المضروب عليها كي تبرز الحقيقة الميتة التي لا احد يعرف خفاياها ويبرزها للعالم الا اذا كان يحمل في طيات قلبه ايمان وقوة اطوار …. كانت هي وفريقها اول من نقل على الهواء مباشرة دخول الاميركان الى مدينة النجف الاشرف .. وكذلك كانت المتفردة بنقل الخبر بصورة صادقة بعد ان تعرضت وفريقها الصحفي الى مخاطر لها اول وليس لها آخر…
وانتقلت من النجف الى الرجال الذين ذبحت كرامتهم واستبيح شرفهم في قاعات ابي غريب … كان لها اللقاء الاول مع اولئك الذين ظهروا على شاشات التلفاز واصفين للناس كيف كانوا يعيشون المهانة والعذاب على يد المجرمين … ثم انتقلت الى بعض الضباط الذين التقوها خفية عن الكامرا ليسردوا قصة احتلال بغداد واضعين الامال بين عيونهم ومتحدين اليأس لتحقيق الحرية…
في كل ورقة تقرأها من الكتاب .. تحس انها مجروحة بحب العراق .. بل انها تبحث عن الحب حتى في اكوام الجثث المتفحمة الملقاة على الطريق العام ، وبين سطر وسطر تحس ابتسامتها وروحها المرحة ترقص فوق الاسطر وتعطر الكتاب بشذى شبابها الذي افنته قبيل ان يبتدئ … كانت تبحث عن وطن وليس اي وطن .. فالكثير الكثير من مجريات احداثها كانت تدور بمحور الوطن الذي ارقها وحولها الى انسانة تجتهد وتقاتل في سبيل تحقيق حريتها .. ومن الاشياء التي شدتني بعض كلمات لها وهي تصف كل شيء تمر به وتسرده كانه قصة رومانسية لعاشقة العراق .. اي عشق هذا ايها السادة …
وفي بداية الكتابة قدمت اطوار بوصف جميل على انها جان دارك العراق … اما انا اقول فأنها ملاك العراق وحاملة اختامه …فلقد كانت تعبر عن احلامها الشخصية بكلمات جميلة تجعلك تعيش معها الحلم ذاته…

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter