عربدة مجنونة فوق غمام هارب


نادية العبيدي

حينما استقرت على اول مقعد في الطائرة كانت مصابة بالدهشة والغبطة معا ..والخوف والهلع بأنتظار التحليق … حدثت نفسها بوجل :هل حقاً سنغادر الى بغداد ..!!! السؤال يخنقها وهي تلوذ بعينين دامعتين يحرقهما شوق الفراق ويمزق صدى صوت الوحدة المتصدع بشدة .. فتنساب العبرات الساخنة على طرق متعرجة ما ان يذكر هذا الاسم السحري امامها (بغداد)..!! وكأنه جرح يأبى ان يندمل.. وما ان يمس حتى تعربد الكريات الحمر متدفقة كأنها نيازك تمحق الظلام وتؤكد ان الحياة هناك، هناك ابدا في بغداد ، قصيدة الدنيا اليتيمة وآهتها العتيقة  …!!
حينما تستيقظ (عراق) ـ وكان هذا اسمهاـ الذي وطنها على اكبر شهرة  بين قريناتها واقرانها واحياناً اكثر تصنيفا في الايام الاولى لدراستها الاولية .. بل والايام الاول في كل مراحل حياتها ، وبقيت تتفاخر به حتى اعتاد زملاؤها عليه … تستيقظ كل صباح في تلك الغرفة الموحشة … التي هي في حسابات الغير جنة الله على الارض … تصطرع ذكرياتها ، ساخنةعلى سطوح زئبقية حينا وهاربة مثل وفر في ريح صرصر حينا آخر، فتهبط من علو عتيق منهمرة بوشيش لذيذ وهدهدات كالقوافي من رائحة الهيل للشاي الصباحي وانتهاء بصينية العصرونية من الكليجة بالجوز والتمر وجوز الهند والتعلولة الليلية قرب المدفأة النفطية (علاء الدين ) وطقطقة الكستانة والبلوط فوق صينيتها الفضية المصنوعة من الفافون المثقب .. والتي لا تخلو شتاء من ابريقي شاي وماء موضوعين فوق بعضهما بطريقة عكسية .. كانت تشم رائحة نار السماور في بيت جدها المذهب والمزركش بانواع الخرز الملونة حول محيطه ذي النار الزرقاء المتراقصة تحت الماء المغلي المتساقط من حنفيته الصغيرة ذات العتلة المقرنصة … رباه كم هي جميلة تلك الليالي .. والشارع المؤدي لمدرستها بمحاذاة نهردجلة والمنتهية بشارع النهر الذي طالما حفها هي  وصديقاتها بحفاوة غير عادية حينما يمرقن بين محلاته المصفوفة على جانبي الطريق حيث الصاغة يعرضون اجمل صناعة فنية والطريق الضيق المؤدي الى السوق اللذيذ …. سوق الصفافير المدهش بأيديه العاملة بأبداع وتراقص المسمار تحت المطرقة بأصوات وانغام رائعة رغم ضجيجها العالي الا انها حفرت في الذاكرة اخاديد لا يمكن محوها او نسيانها … ثم رائحة التوابل التي تملأ المكان بداية من الشورجة وشارعها الضيق المتعرج والمزدحم وأنتهاء بمحلات شموع الاعراس المعلقة على ابوابها ومن تحتها تتلألأ الحلويات المعروضة والمصفوفة في صينية بجانبها حلوى المصقول الملون بالوان جميلة وملمس ناعم سحري يهبك تيها في عالم السكاكر الملون …
وقطع انهمالات ذاكرتها صوت المضيفة وهي تنبه الى ربط الاحزمة استعداداً للتحليق … كانت العينان متجهتين الى المدرج .. ترقب ابتعاده شيئاً فشيئا مخلفة خلف دواليبها خطوطا سوداء نتيجة احتراق مادتها المطاطية بالاسفلت ، ومودعة الى الابد مسرحية شخوصها الهموم ومخرجها الشوق ومؤلفها الحنين لتراب بغداد .. عراق لاتزال تحلم بشارع المتنبي وهي تبحث عن كتابيها المفضلين .. وأضواء ابي نؤاس وتمثال شهريار وشهرزاد ترقص تحت خفق النوارس وغناء البلامة وبوح العشاق كهمس العصافير، وعشقها للكورنيش ورائحة السمك المسكوف على اطراف دجلة … والجسر المعلق بين الرصافة والكرخ مستذكرة احلام الطفولة  وما قبل السفر … والغروب بصورته السحرية التي يعجز اي فنان عن الامساط بطرف صغير من مقاربتها حيث الشمس تغوص وتغرق خلف النهر مودعة معها الامنيات في القوارب الورقية التي تأمل ان تبقى قيد التحقيق …. توقفت الذاكرة بعد ان علا صوت المضيفة منبهاً الى ربط الاحزمة مرة اخرى ولكن هذه المرة تأهباً للهبوط … اخذت الغبطة والفرحة ترتسمان على الوجه والوجنتين وارتفع وجيب القلب واندفعت العبرات متراكضة دونما مقدمات … وبعد اللحظة الاولى وارتسام الفرح وما ان وطأت القدم ارض بغداد واطلقت كعصفورة مجنونة جذلى في شوارعها ، وتنفست صعداء العود الاحمد لوطن الحب والجمال والانبياء والرسالات حتى دوى انفجار مروع حول الحمام الابيض نثارا بنقيع احمر قان فوق الاسفلت واعمدة الكهرباء وسطوح السيارات وحيطان خرساء … وبدلاً من استقبال العراق لعراق بالزغاريد والنوارس والتراب المغسول بماء الشوق والعبرات احتضنتها القنابل ولاذت الروح فوق الغمام … ولم يبق الا الدم وخارطة ذهبية معلقة حول الرقبة مكتوب عليها (حبيبي ياعراق)…!!!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter