طاهر توفيق العاني يغالط التاريخ ويبرئ نفسه من مجزرة قاعة الخلد القسم الاول

 

لماذا تآمر صدام ضد الوحدة بين العراق وسورية واطاح برئيسه البكر؟

 

 

 

في 22 تموزالماضي مرت الذكرى السنوية لما يعرف بـ “مجزرة قاعة الخلد”، التي دشنت حقبة انفراد صدام حسين بقيادة العراق بعد انقلابه على أحمد حسن البكر عام 1979.

بهذه المناسبة كشف طاهر توفيق العاني، عضو القيادة القطرية لحزب البعث وعضو مجلس قيادة الثورة في العراق سابقا الأجواء التي مهدت ورافقت لهذا الحدث المفصلي في حياة العراق.

ونقدم للقراء جزءا من هذا الكشف مع تنويهنا بان العاني حاول تبرئة نفسه من الشراكة في جريمة اعدام رفاقه، بل كان هو رأس الاتهام الذي وجه لهم كما قال صدام ان العاني اخبره بان ثمة نقطة سوداء في جبين محمد عايش وجماعته، وان هذه الملاحظة هي التي قادت الى الجريمة. (المحرر)

يقول العاني:

كثيرا ما نردد أنه، وبالرغم من اصدار قرار مجلس قيادة الثورة أحكاما بالإعدام على كل من كان ينتمي إلى “حزب الدعوة” خلال الحرب مع إيران، لأنهم كانوا يعتمدون على الأجهزة الإيرانية عندما كانوا يقومون بعمليات ضد أجهزة ومؤسسات الدولة، فإن الإحصاءات تُظهر أن من أُعدم أو قُتل من قادة وكوادر “حزب البعث” على يد نظام صدام نفسه يفوق ما قُتل أو أُعدم من قياديي “حزب الدعوة”.

ولدى الحديث عن هذا الموضوع، تمر على الخاطر إعدامات واغتيالات فردية كثيرة طالت قيادات الحزب وكبار ضباط الجيش العراقي خلال الحرب مع إيران، والذين كان يظهر بعد إعدامهم عدم تقصيرهم فيكرَّمون ويُحسبون من الشهداء!

بيد أن ما بات يعرف بـ “مجزرة قاعة الخلد”، التي وقعت في تموز/ يوليو من عام 1979، كانت أكبر عملية قتل وإعدام لقيادات الحزب. وقد قيل الكثير عن مؤامرة حاكها عدد من أعضاء القيادة القطرية في العراق مع القيادة السورية للاستيلاء على السلطة في بغداد وإعلان الوحدة مع سوريا. ولكن ذلك لم يثبت سواء في حينه أو بعد ذلك؛ حتى لقد تولدت قناعة لدى أكثر الحزبيين بأن الموضوع مفبرك للتخلص من بعض البعثيين القياديين البارزين، ولإتاحة الفرصة للانفراد بالسلطة، وهذا ما تحقق لاحقا.

فقد كان معظم البعثيين يتطلعون إلى الوحدة مع سوريا باعتبارها تطبيقا عمليا لأهداف وشعارات الحزب، ولأنها تمحو الآثار السلبية لوحدة مصر وسوريا، نظرا لأن البعث يقود القطرين الشقيقين. وقد يكون بعض الذين اتُهموا بالتآمر وأُعدموا قد تحدثوا في مجالسهم الخاصة عن حماسهم للوحدة، أو عدم ارتياحهم لاستقالة الرئيس أحمد حسن البكر، التي أعلنها في السابع عشر من تموز/ يوليو من نفس العام.

ولكن، لا شيء كان يشير إلى وجود مؤامرة كما أُعلن. وقد رافقت عمليات الاعتقال وتنفيذ أحكام الإعدام قساوة بالغة. فقد نفذها كوادر الحزب وأعضاء القيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة، والذين كانوا أعضاء في لجنة التحقيق والمحكمة (أنا لم أحضر التنفيذ لأنني لم أكن عضوا في لجنة التحقيق أو في المحكمة.. والحمد لله وهذه رحمة من الله).

كما أشيع الكثير عن تعذيب بعض المعتقلين حتى الموت، إضافة إلى حشر اسم عبد الخالق السامرائي، أحد أبرز القيادات التاريخية البعثية في العراق، وإعدامه. هذا، على الرغم من أنه كان معتقلا، ومحكوما بالإعدام قبل عام 1979 بسبع سنوات مع منع المواجهة عنه حتى لعائلته باستثناء والديه كل ستة أشهر مرة واحدة بحضور أحد منتسبي الاستخبارات.

في شهر مايو/أيار 1979، استدعاني الرئيس البكر إلى مكتبه في القصر الجمهوري وأسرَّ إلي بنيته الاستقالة، “لأنه لم يعد يتحمل الوضع”!

وقال إن “هذا الجدار أيضا يضعف بمرور الزمن”، وأشار بيده إلى جدار مكتبه. فقلت له: “إنك أنت الذي جئت بالآخرين، وإن الآخرين لم يأتوا بك؛ وأنت كبير الجميع، ومن لا يقر بذلك فهو خاطئ وجاحد”. فقال لي: “أنت تقول هذا لأنك ابن أوادم”.

وذهبت من فوري إلى دار عزة إبراهيم الدوري عند بوابة القصر الجمهوري، فوجدته يتناول الغداء، وكنت وقتها جائعا فشاركته الطعام، وخاصة أنني قابلت البكر في نهاية الدوام الرسمي. وكان عزة أقرب البعثيين إلي، كما أنني أقربهم إليه. وأعلمته بنية البكر الاستقالة. فقال: سنعمل أنا وأنت وعدنان خير الله على ثنيه عن الاستقالة. وقال لي: اِعلم أن البكر يقول ذلك كلما غضب. لكنني قلت له إنك لا تتصور الحالة التي هو عليها؛ و”أعتقد أنه جاد تماما هذه المرة”. 

لقد كان واضحا مذ أن بدأت خطوات الوحدة بين العراق وسوريا أن صدام لا يحبذها؛ في حين أن موقف البكر والأسد كان معاكسا. فهما كانا متحمسين لها، وكان البكر مستعدا للتنازل عن كل مواقعه لإقامة الوحدة. وفي عام 1978 ترأست وفدا حزبيا شكلته القيادة (من كوادر الحزب المتقدمة وعضو القيادة القطرية حكمت العزاوي)، ومكث الوفد في سوريا مدة تزيد عن الشهر، واطَّلعنا على واقع التنظيم الحزبي والمهني في جميع المحافظات السورية.

والتقينا الرئيس حافظ الأسد، الذي كان واضح الحماس للوحدة. وفي ذلك اللقاء، تحدثت بحماس عن أهمية تحقيق الخطوات الوحدوية، وقلت: قبل أن ينجز العرب الوحدة عليهم ألا يحاولوا استرداد حق أو كرامة أو أرض سليبة، لأنهم سيفشلون حتما.

فعلق الرئيس الأسد قائلا: “يجب أن نسلمكم إياها أنتم الشباب”.

وفي اجتماع مشترك للقيادتين القطرية والقومية، كانت المسألة المطروحة للمناقشة تتعلق بالوحدة بين العراق وسوريا؛ حيث قال الرئيس البكر: “لا تحسبوا حسابي” كناية عن أنه لا يريد أيا من المنصبين: رئاسة دولة الوحدة أو الأمانة العامة للقيادة القومية للحزب الموحد. فقال صدام: أبو هيثم ( يقصد الرئيس احمد حسن البكر) يريد أن يبيعنا إلى حافظ الأسد. فقال البكر: “أنا ما بعتكم ولن أبيعكم”.

وعلى الرغم من أن المجتمعين استهجنوا كلام صدام، فإن أيا منهم لم يعلق عليه حتى ميشيل عفلق، الذي باع نفسه للامتيازات، التي مُنحت له ولعائلته. حتى أنه تخلى عن حلمه بالوحدة التي كرس لها حياته. فتحول إلى مداح وشاعل بخور، وخضع لإملاءات الدولة التي حُسبت على حزب البعث ظلما وجورا.

في أوائل السبعينيات من القرن الماضي كانت العلاقة بين ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث، والذي كان يقيم في بيروت، والقادة في العراق يشوبها التوتر. وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، كتب ميشيل عفلق مقالا بعنوان “الفراغ الكبير”، أشاد فيه بقيادة عبد الناصر، وساوى بين النظامين في العراق وسوريا، وانتقد مواقف وسياسة السلطة في القطرين وبالأخص في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ ما أغضب البكر وصدام والقيادة العراقية، وجعلهم يتهجمون عليه في اجتماعاتهم المغلقة.

وفي عام 1975، كلفت برئاسة لجنة شكلتها القيادة القومية للإشراف على الانتخابات القطرية في لبنان؛ وكان الخلاف محتدما بين أعضاء القيادة السابقة بعد حجب مسؤولية قطر لبنان عن بشارة مرهج الفائز بالانتخابات (وزير داخلية لبنان بعد انفصاله عن الحزب)، ومعاقبه نائبه معن بشور بتخفيض مستواه الحزبي.

وكان ميشيل عفلق  يقف مع بشارة ومعن، اللذين استطاعا كسب الجهاز الحزبي وكانا الأنشط والأقوى على الساحة الحزبية. وفي الجانب الآخر، كان الدكتور عبد المجيد الرافعي ونقولا الفرزلي، الذي كان أمين سر قطر لبنان لفترة سابقة. وفي لقائي الأول مع ميشيل عفلق، كان غير راض وغاضبا لتوقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، ورأى فيها تنازلا عن نصف شط العرب، وسأل لِـمَ هذه الاتفاقية؟؟!!

فقلت له إن صدام فور عودته من الجزائر، عقد اجتماعا مشتركا للقيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة، وتحدث فيه صدام قائلا: إنه ذهب إلى لقاء شاه إيران بتفويض من القيادة. وإنه إذا كانت إيران قد حصلت على خط التالوك في شط العرب، فإن العراق قد حصل على أراض حدودية واسعة ومهمة، وإن إيران ستتوقف عن إرسال السلاح إلى المتمردين الأكراد ودعمهم. وبذلك، ينتهي التمرد في الشمال الذي شكل نزيفا لاقتصاد العراق. كما ستوقف إيران تدخلها في الشؤون الداخلية للعراق ودول الخليج العربي، وستعتمد سياسة حسن الجوار، وحل المشكلات كافة بالمفاوضات. 

وذكر صدام أنه قال للشاه إن العراق لا يمكنه السكوت إذا ما حصلت مشكلة بين إيران ودول الخليج العربية، وأنه تحدث مع الشاه لكي تقبل إيران بالتحكيم بشأن الجزر العربية (طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى)، وأن الشاه لم يرفض ذلك. 

وقد أبلغت أنا عفلق بكل هذه التفاصيل. 

وقام صدام بزيارة إلى طهران على إن يقوم الشاه بعدها بزيارة إلى بغداد. وعند بحث ترتيبات زيارة الشاه، طلب الإيرانيون ألاَّ يكون الخميني في مدينة النجف عندما يزورها الشاه (الخميني كان لاجئا في العراق ويقيم في مدينة النجف منذ عام 1963)، فكان الرد عليهم أن الخميني ضيف على العراق ورجل دين كبير السن وتقاليدنا العربية لا تسمح بذلك. والمهم ترتيب الإجراءات الأمنية الصارمة، وهذه مسألة قادرون عليها بكل تأكيد. 

وعندما تأخرت الزيارة، قابل سفير العراق في طهران الشاه، وطلب تحديد موعد للزيارة، ففاجأه الشاه، قائلا: إن الوضع الداخلي في إيران سيئ جدا، وهو يلتمس تأجيل الزيارة إلى وقت مناسب. وعندما اندلعت الثورة في إيران وتصاعدت التظاهرات والاحتجاجات، قامت زوجة الشاه فرح ديبه بزيارة مدينة النجف والتبرك بالأضرحة، وكانت في وضع مُزرٍ ومنهارة، كما ذكر لنا محافظ النجف آنذاك المرحوم جاسم الركابي.

وفي اجتماع القيادة القطرية الذي قدم فيه البكر استقالته، لم يعترض أحد على تنحي البكر غيري. إذ طلبت منه بإلحاح العدول عنها وبقاءه قائدا للمسيرة. وعندما رفض، قلت له: أتوسل إليك أن تبقى أبًا وخيمة للجميع.. شكرني، لكنه أصر على الاستقالة. وقال عدنان الحمداني في ذلك الاجتماع: أنتم عودتمونا ( يقصد البكر وصدام) أن لا نعارض ما تتفقون عليه. كما أن محيي الشمري قال مرات عدة بصوت منخفض جدا وكأنه يحدث نفسه: لا- السيد الرئيس لا يستقيل. فغضب البكر، وقال له: هل أنت تتحدث بالنيابة عني؟

وعندما تحدثت مع عزة الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عن موقفي وحديثي في القيادة، اقترح علي أن أذهب إلى صدام وأتحدث معه بشأن الموضوع لأنه غضب لموقفي، فكان أن ذهبت إليه في مكتبه ببناية ندعوها بناية المجلس الوطني، لأنها بنيت لتكون مقرا للبرلمان لكنها لم تستخدم لهذا الغرض، فوجدته يهم بالمغادرة وقد رد على تحيتي بتثاقل وبرود، ليقول لي إنك خرجت في كلامك أمس على إجماع القيادة، والمفروض أن لا تكون عضوا في القيادة في المؤتمر المقبل. فرددت قائلا: إذا شئتَ، فإنني أستقيل من الآن؛ وكان الحديث وهو في طريقة إلى الباب الخارجي للبناية، فغادر المكان وافترقنا.

فعدت إلى عزت الدوري، وأخبرته بما جرى وأضفت أنني لن أحضر اجتماعات القيادة بعد الآن. بيد أنه لامني على ذلك، وعندما أجبته: ألم نتفق على أن نتصدى للاستقالة، قال بلهجته الشعبية المعروفة (“ماتوا أهلك لقد تغيرت الأمور”)، وكان قلقا ويخشى علي من عاقبة موقفي هذا. لذلك طلب مني أن أحضر الاجتماعات، وأحاول إصلاح الأمور وعدم ذكر ما حصل لأحد وكأن شيئا لم يكن؛ مشددا على ضرورة حضوري اجتماعات القيادة. وقد كتبت إلى صدام رسالة أوضحت فيها الأمور، وذكر لي عبد حميد سكرتير الرئيس صدام أن عضوين في القيادة حرضا صدام ضدي، وقالا له في لقاء مغلق إنني اعترضت على استقالة البكر، فرد عليهما قائلا إن اعتراضه كان بحسن نية.( يتبع في عدد مقبل).

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter