طاهر توفيق العاني يغالط التاريخ ويبرئ نفسه من مجزرة قاعة الخلد القسم الثالث

البكر يمنع صدام من دخول القصر الجمهوري ويرفض مخططا لاغتياله

 

البكر يرفض الحرب ضد ايران، وصدام يصر عليها

 

 

في أوائل عام 1978، غضب البكر على نائبه صدام حسين لسبب لم أعد أتذكره جيدا، فأصدر أمرا بعدم السماح له بدخول القصر الجمهوري. لذلك منعه العقيد الركن عدنان شريف شهاب آمر فوج الحرس الجمهوري عندما أراد الدخول إلى القصر، قائلا لصدام: أنت ممنوع بأمر الرئيس البكر؛ فما كان منه إلا أن غادر المكان ولجأ إلى بيت الدكتور علي الصافي واختفى فيه، وكان الدكتور علي الصافي وزيرا للمالية في الأربعينيات وهو شقيق كل من حسين وزير العدل في السبعينيات وفاتك الصافي عضو القيادة القطرية القديم. وعندما علم البكر بمكان اختفاء صدام ذهب ومعه أعضاء القيادة القطرية إليه في دار علي الصافي، فقابله صدام وهو يبكي، فقال له البكر: أنا مقصر وحقك علي. وقبل مغادرتنا الدار، قال صدام إنه لم يحاول الاتصال بأحد أو يفعل شيئا، وإن أخاه غير الشقيق برزان إبراهيم التكريتي رئيس جهاز المخابرات وابن خاله عدنان خير الله وزير الدفاع عرفا بمكان اختفائه واتصلا به، فوجههما بالاستمرار في مسؤولياتهما في المسيرة مع الآخرين. وهنا اقتاده البكر من يده ليغادرا الدار معا وخلفهما أعضاء القيادة. وبعد ذلك الحدث، قال عدنان شريف للبكر: لقد جرحنا صدام وهذا شخص شرس وخطير ولا ينسى، دعني أصفيه ونخلص منه، فرفض البكر وعين عدنان سفيرا للعراق في المغرب، وعاد إلى العراق في بداية الحرب مع إيران وعين رئيسا لأركان الفيلق الثاني. وقد توفي في الأيام الأولى للحرب في حادث سقوط طائرة مروحية غامض. وعدنان كان رجلا شجاعا وصادقا وكريما ومن ضباط الدرع اللامعين، وهو الذي صعد بالدبابة الروسية “تي-55” إلى قمة جبل كورك في شمال العراق في السبعينيات؛ ما أذهل حتى الضباط السوفييت.

كما أن إبراهيم الدليمي مرافق البكر عندما علم بنية البكر الاستقالة، قال له لماذا تقدم استقالتك؟ أنا “أطشر” رأس صدام بطلقة عندما يدخل القصر الجمهوري، فمنعه البكر. وقد توفي إبراهيم في أوائل الثمانينيات في ظروف غامضة حيث وجدته عائلته ميتا في مزرعته في منطقة التاجي في بغداد بعد بضعة أيام من وفاته. 

وفي المؤتمر القطري التاسع، الذي انعقد في قاعة المجلس الوطني عام 1982، قال صدام إن البكر دبر عملية قنص لاغتياله أثناء دخوله إلى القصر الجمهوري، وإن طارق حمد العبد الله رئيس ديوان الرئاسة آنذاك والذي كان قبلها مرافقا للبكر قد أعلمه بذلك، وطلب منه توخي الحذر والحيطة. وأعتقد أنا أن ذلك كان محض افتراء. وبعد المؤتمر التاسع أُبعد طارق عن ديوان الرئاسة وعين وزيرا للصناعات الخفيفة، وبعد فترة قصيرة مات منتحرا في داره في ظروف غامضة.

كما ذكر لي العقيد الركن هزاع الفيزي آمر اللواء العاشر أنه أبدى للرئيس البكر مرات عديدة استعداده لتطويق مدينة بغداد ليقوم البكر بإبعاد من يريد من أعضاء  القيادة والمسؤولين. وقد ذكر هذا أيضا لأصدقاء له في مدينة الموصل ومنهم عبد الهادي العاني وفالح الصفار وآخرين.

 وفي أوائل السبعينيات لم يلق إسقاط عضوية القيادة عن صالح مهدي عماش وكريم الشيخلي وسمير عبد العزيز النجم قبولا من الرئيس البكر. وكان أكثر همه على صالح مهدي عماش، فطلب نادما وغاضبا مراجعة إسقاط عضوية القيادة عنه. غير أن صدام حسين وعبد الخالق السامرائي أجاباه بأن القرار صدر عن القيادة القطرية ووصل إلى الإذاعة والتلفزيون ولا يمكن التراجع عنه. فأخذ البكر يتوعد ويهدد، قائلا: “إذًا، كلٌ منا يعرف طريقه”. وغادر الاجتماع إلى مكتبه في القصر الجمهوري. فقد كان يحب صالح ويريد بقاءه في القيادة، وكان المفروض أن يعمل شيئا فهو قادر على استثناء صالح، لكنه لم يفعل شيئا!

أما موقف صدام فتمثل بمغادرته بغداد واعتكافه في داره في قرية العوجة قرب تكريت. وفي هذه الأثناء توقفت اجتماعات القيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة على مدى أسابيع. 

وخلال هذه الفترة حاول عبد الخالق السامرائي مقابلة البكر أو الاتصال به هاتفيا فلم يفلح، وقد استعان بي فقد كنت آنذاك سكرتيرا للرئيس البكر.

وفي حادث يستوقف الانتباه، أعرب الرئيس البكر عن ثقته بصالح مهدي عماش؛ حيث وجدته في صباح أحد الأيام بعد إعفاء صالح غاضبا وفي حالة عصبية شديدة، فقال لي مستنكرا: “صالح عميل؟ هل يصح هذا الكلام؟!” وكان يتوعد بأشد الأمور واستدعى عددا من قادة القوات المسلحة في بغداد – كلاً على حدة -، ومنهم: العميد الركن داوود الجنابي آمر لواء الحرس الجمهوري والعميد عمر الهزاع آمر موقع بغداد والعقيد مجيد الفدعم آمر الانضباط العسكري والعقيد الركن هزاع الفيزي آمر اللواء العاشر وآخرين.

وكنت أتوقع أن يقوم بعمل عسكري يبعد فيه عددا من أعضاء القيادة، غير أنني لا أعلم ما الذي منعه من ذلك، فقد منح الذين حضروا اللقاءات هدايا نقدية تعدُّ كبيرة آنذاك على غير عادته.

وصالح مهدي عماش رجل وطني وشجاع وذكي جدا لكنه طيب وعاطفي ومتسرع ومندفع أحيانا.

وفي أواخر عام 1978 حضرت إلى قاعة الاجتماعات في القصر الجمهوري، فوجدت الرئيس البكر يتمشى في القاعة وبعض أعضاء القيادة القطرية واقفون حول طاولة الاجتماعات. والمعتاد هو أن يحضر أعضاء القيادة أو مجلس قيادة الثورة، ثم يحضر الرئيس البكر. وكان الجو مشحونا بالتوتر. 

كنت أراقب الاختلاف العميق  بين البكر وصدام. فقد كانت هناك ملاحظات حاول الاثنان إخفاءها لكنها تعطي الانطباع للمراقب بوجود الاختلاف. 

وأرى من المفيد أن أذكر مثلا يدل على حنكة البكر وحكمته وعدم اندفاعه وتهوره. 

ففي أوائل عام 1974، اندلعت اشتباكات عسكرية واسعة بين العراق وإيران على الحدود في محافظة واسط – بدرة وجصان (سيف سعد) اشتركت فيها أسلحة وصنوف الجيش كافة باستثناء الطائرات الحربية. وكنت آنذاك مسؤولا لتنظيم الجنوب لحزب البعث (محافظات واسط وذي قار وميسان والبصرة)، فذهبت لمقابلة البكر فلم أجده في مكتبه في القصر الجمهوري. وانتظرته حتى عاد من زيارة إلى منطقة الاشتباكات. وكان يرافقه الفريق أول عبد الجبار شنشل رئيس أركان الجيش (منذ مقتل الفريق حماد شهاب وزير الدفاع احتفظ البكر لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع إلى أن اضطر إلى تعيين عدنان خير الله وزيرا للدفاع) ودخلت على الفور وراءه إلى مكتبه. وكان البكر قد عاد من تلك الزيارة وهو في غاية السرور والرضا والانتعاش. فقلت له: “والله ستحدث الحرب مع إيران”. فضحك، وقال: لا – كيف ستحدث الحرب؟ قلت له: جحفل اللواء بأمرة العقيد الركن ضياء توفيق (أصبح قائد الفيلق الثاني خلال الحرب مع إيران) يشتبك مع القوات الإيرانية وقاعدة أبو عبيدة الجوية وآمرها العقيد الركن محمد جسام الجبوري ( أصبح قائدا للقوة الجوية العراقية خلال الحرب مع إيران) متهيئة للمشاركة في الاشتباكات. يضاف إلى ذلك أن أرتال الدبابات والمدفعية متواصلة من مدينة تكريت ومعسكر التاجي إلى الحدود مع إيران. لكنه ذهب إلى المغاسل ثم عاد قائلا: طاهر يقول ستنشب حرب! هل الحرب مزحة؟ أو نزهة يا طاهر؟ نحن لا نريد الحرب ولا الإيرانيون يريدون الحرب أيضا. الحرب ليست لعبة.

وقد كانت تلك الاشتباكات واسعة جدا، وتواصلت لمدة تزيد عن الأسبوع، وفي حينه أبدى سفير الاتحاد السوفييتي في بغداد لوزير الخارجية قلق بلاده من تصاعد الموقف العسكري. وعندما أجابه وزير الخارجية بأنها مجرد اشتباكات حدودية، رد السفير: كيف؟ الطائرات فقط لم تشترك في القتال حتى الآن؟! 

وكان التفوق العسكري واضحا لمصلحة العراق؛ حيث استرد أراضي كانت إيران قد استولت عليها في الماضي ولم تتوقف المعارك إلا بعد انسحاب القوات الإيرانية وتوقفها عن إطلاق النار بعد أن تكبدت خسائر كبيرة جدا. وآنذاك علق الإعلام الغربي ساخرا من ضعف أداء الجيش الإيراني – القوة العسكرية الخامسة في العالم!

وفي بداية السبعينيات، صدر عن إيران موقف سيئ تجاه العراق لم اعد أتذكره جيدا، فخرجت مسيرات جماهيرية حاشدة في بغداد والمحافظات استنكارا لذلك الموقف. وتجمعت تظاهرات بغداد في ساحة التحرير، وألقى البكر كلمة في المتظاهرين قال فيها بالحرف الواحد: “لست عربيا ولست مسلما إن نسيت هذا الموقف النذل لإيران”. ويبدو لي أنه لم يكن يقصد أو يفكر بالحرب مع إيران. فقد رفض تأييد الحرب التي اندلعت مع إيران عام 1980 بالرغم من طلب صدام وإلحاحه عليه مرات عدة. 

كما ذكر لي الأستاذ صلاح عمر العلي أن إيران في بداية السبعينات كانت تقوم بتجاوزات واستفزازات في شط العرب، وعندما نوقش موضوع التصدي لتلك التجاوزات في اجتماع القيادة، قال البكر: تغاضوا وأظهروا أنفسكم كأنكم لا ترون هذه التجاوزات، وأنكم غير مكترثين بها، لأننا الآن لا نمتلك القوة لردعهم.

والرئيس البكر ضابط كفء عمل مساعدا لآمر الكلية العسكرية وآمر فوج في الجيش العراقي قبل ثورة 14 تموز 1958. أما الفريق عبد الجبار شنشل، فيمثل نموذج العبقرية للقيادة العسكرية وقمة الإيمان والصدق والنزاهة والعفة والتقشف رحمه الله.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter